.. || مذكرات مجاهد || ..

 d8b5d984d98ad98421

.. بسم الله الرحمن الرحيم ..

__

__

إلى كل من سالت دمائهم
رخيصة في سبيل الله..
شهدائنا الأبرار
إلى كل المجاهدين في سبيل الله ..
فوق كل أرض وتحت كل سماء ..
إلى كل من أثقلهم القيد .. إخواننا الأسرى
إلى كل من آوى ونصر وجاهد وصبر..
ولكل أرملة ويتيمة وثكلى ..
إلى أعز إخواني ..
ومن لهم عليّ الفضل والإحسان ..
بعد الله عز وجل ..
__
(أبورغد العتيبي)و(أبومحمد اللبناني) أبويونس اليمني، أبوحكيم اليمني، أبوعكاشة اليمني، أبوأسامة الزهراني، أبوالعباس المالكي، أبوعبيدة الأردني، أبوعبد الله العتيبي، أبوصقر اليمني، أبوتراب السوري، أبوخالد الأردني، أبوطارق اليمني، أبوحفص النجدي، أبوالدرداء الأردني، أبومالك الطائفي، أبوالبراء العتيبي، أبوعاصم اليمني، أبوحمزة النجدي، أبوبكر النجدي، أبوبصير الثبيتي، أبوريان النجدي، أبودجانة اليمني، بلال النجدي، أبوأنس العتيبي، أبوهمّام الأردني، أبومصطفى الجزائري، أبوخطاب الليبي، أبو الدرداء الفلسطيني، أبوتمام اليمني، أبوالفتح السوري، أبومصطفى السوري، أبوالقعقاع الأردني، أبومجاهد الشمري، أبوخطاب الشمري، أبوالزبير التبوكي، أبوعمر النجدي، أبوشهيد الجزائري، أبوبكر القحطاني، أبوسليمان النجدي، أبومحجن النجدي، أبوصهيب النجدي، أبوالقعقاع الجزائري، أبوكنعان اليمني، أبو ماهر النجدي، أبوعبد الله المكي، أبوجابر السوري، حيدرة السوداني، عبد القادر السوري، أبوعماد اليمني، أبوعبد الله اليمني، أبوبلال الكربولي، أبو وقاص الفلوجي، أبوالزبير النجدي، أبوالدرداء اللبناني، أبو مجزءة السوري، أبودجانة الجزائري، أبوقسورة السوري.. وبقية الإخوة من المعسكر الثاني الذين لم يتسن لي معرفة أسماؤهم، إلا أن صورهم محفورة في ذاكرتي ..

__

إلى كل هؤلاء أقول لهم بارككم الله على نصرة أخوانكم في العراق، يا من التحقتم بجحافل الجهاد في أرض العراق، نصرة لدين الله، ونصرة لنبي هذه الأمة، ونصرة لكل مظلوم، ولكل حرة سبيت على يد الطواغيت، الكفرة الفجرة، في كل أركان العالم من حولنا، ولكل هؤلاء اُهدي إليهم هذه المذكرات، التي قد ترى النور يوماً بعد مقتلي على يد المحتلين أو على يد عملائهم، أو ربما لا ترى النور فتضيع، فتموت بموتي حقائق ما جرى من أحداث يشيب لها الولدان، من بطولات وأحداث لا يكاد يصدقها عقل !!

__
للمرة الرابعة أعاود كتابة هذه القصة، دون ملل من العيش في أجوائها، واستذكار لحظاتها، بعد أن كان الدافع الرئيسي هو الطلب من أخي الحبيب أبو محمد اللبناني، ففي المرتين الأوليتين كانت القصة من نصيب الأمريكان، أما المرة الثالثة فقد أهملتُ الطباعة، وضاعت المسودة، حتى أصبحت للقصة قصة، ثم عاودت الكتابة دون يأس من إتمام ما بدأت، وفاءً مني للإخوة، ورغبة في تدوين أحداث ما جرى، ولا يزال يجري في بلاد الرافدين.. ولقد أجهدتُ نفسي بكتابة كل صغيرة وكبيرة من الأحداث، متحرياً الصدق والأمانة والدقة في ذلك، مع إدغام بعض التفاصيل، لمحاذير أمنية تخص أمن الأشخاص، ولا تمس بصلب القصة، سائلاً الله، عز وجل، أن ييسر لنا الأمور، ويكتب لنا الأجور. بشديد من الاختصار، وبمرور الكرام، سأتناول هذه المرحلة،التي لا يخفى شيء من تفاصيلها على أحد، لأنها تتناول أحداث البلد عموماً..
بطبيعة الحال كان الجهاد بالنسبة لأهل العراق ضرب من التأريخ القديم، فقد كان الناس مُغيَبين عما تمر به الأمة من ويلات وأحداث جسام، فأفغانستان حرب أهلية، والشيشان حركة انفصالية، وكوسوفو أطماع دولية، وهلم جراً، أما أنا ففي تلك الأيام، وكلما قرُب شبح الحرب بت أشعر بقرب نهاية الجلوس، واقتراب أيام الجهاد، ولكي تكون البداية مدروسة قمت بكتابة مجموعة من النقاط والمبادئ المهمة في تشكيل الجماعة المسلحة، تناهز الأربعين نقطة، إلا أنني لم أجد من يهتم بقراءتها حتى بعد بداية الحرب، وكان هناك بعض الإخوة يشاطرونني نفس الشعور، ويحملون نفس الهم, فضلا عن أن مصير البلاد سيبقى رهن المجهول في ظل احتلال لا يوقر كبيراً ولا يرحم صغيراً، بل وحتى هوية العراق العربية والإسلامية مهددة بالتحريف والتزييف.
__
لذلك فقد قررنا التهيوء لمرحلة مبهمة قادمة أحد أطرافها احتلال أمريكي، فقررنا إعداد العدة المعنوية والمادية قدر الإمكان لحمل السلاح، مع أن أحدنا كان لا يمتلك ثمن بندقية، ولكن المهم هو العزم والأخذ بالأسباب ليكون عملنا هذا معذرة إلى الله عما تمر به الأمة من ويلات، فقد كان الحال هو أن ننتظر بداية الحرب، لنحمل لواء المعركة.

وعلى هذا كان الأمر بأن نسعى لإعداد العدة المعنوية والمادية قدر المستطاع، فكنت دائم الزيارة لبعض إخوان العقيدة فأحرّضهم على امتلاك السلاح، وأحثهم على ذلك، دون ذكر شيء من هذه الأمور لهم.. وقد بدأنا بهذه الأمور على قلة العدد وانعدام العدة، فتبلورت نواة صغيرة جداً لجماعتنا، مما شجعني على كتابة (الرايات السود) والاحتفاظ بها في منزلي، وذلك قبل بدء الحرب ببضعة أشهر، ولم أكن اعرف أن هذا الإعداد كان يجري أيضاً في بعض المناطق الأخرى، وعلى مستوى متفاوت من ناحية الترتيب والعدة المادية.

أما نحن فقد استقر الأمر على جعل أحد الإخوة أميراً للجماعة، سنسميه في قصتنا هذه، (أبو نسيم)، وهو من الإخوة الأعزاء الأفاضل، وكانت للكفاءة الكلمة الفصل في تقييم القادة.
وهكذا مضت الأيام، والأحداث تتأزم وتتابع، وباتت الأحداث تلهو بنا، كما يلهو الريح بزورق صغير في يوم عاصف، حتى جاء يوم (20/3/2003)، حيث بدأت شرارة المعركة الأولى، لتبدأ معها صفحة جديدة من صفحات التاريخ، لترفع شأن أناس، وتضع شأن آخرين، وليصبح ذلك التاريخ نقطة تحول في تاريخ المنطقة، وتاريخ الإسلام، بل والعالم بأسره!

كان الوضع في مدينة القائم بعيداً نوعاً ما عن أحداث المعركة، فلم تكن هناك ثمة جبهة قتال في تلك المناطق، وأذكر عندما كنت استقل القطار فيمر بتلك الصحاري الشاسعة غرب العراق، أقول في نفسي، لا شك أن هذه المناطق ستكون من نصيب الأمريكان منذ اللحظة الأولى، بل أن (صدام) لن يضع جندياً واحداً في هذه المناطق، لأنها خسارة لا شك فيها.

ولما بدأت الحرب، كان الأمر كما توقعت، إلا أن هناك أمراً قد طرأ على ساحة الأحداث غيّر مجرى الأمور، ولم يكن بالحسبان، آلا وهو دخول الإخوة العرب للمشاركة في القتال، فقد تدفق الإخوة من كل حدب وصوب نحو الحدود العراقية، ليدخلوا بالمئات، إن لم يكن بالآلاف، ليكون لهم نصيب من هذه الحرب.

أما المنظر في مدينة القائم فقد كان يبعث على الفرح أحياناً، وعلى الحزن أحياناً أخرى، أما الأفراح فكانت تتمثل في رؤية هذا الكم من الشباب المسلم وهو يحمل هذا العزم والهمة ومجيئهم من كل بلد ليقاتلوا أعداء الله، وأما ما يبعث على الحزن فهو المصير المجهول الذي ينتظر البلاد في نهاية نفق هذه الحرب، وكم كان يحزَّ في النفس أن نرى هذه الجموع المجاهدة بهذه الهمة والحماسة تزفهم سيارات الجيش إلى خط المعركة الأول دون تدريب، بل ودون سلاح أحياناً، وكان القلب يتقطع أسىً وحزنا على هذا الأمر.

في خِضم تلك الأحداث لم يتردد الإخوة بمفاتحة عدد من العرب بالانضمام إلينا وفعلا رحب الأخوة العرب بالفكرة ولم يكادوا يصدقوا ما سمعوا، بل أن هؤلاء الإخوة أخذ يُبلّغ بعضهم بعضاً بهذا الأمر المستجد، كما أن بعضهم كان قد رفض الدخول إلى العراق تلك الفترة وفضل البقاء لحين تمايز الصفوف ثم يدخل ليباشر القتال.

أن السبب وراء هذا الانتظار وعدم المشاركة في الحرب في أولها يعود لسببين أولهما، رفض المنظمات الحزبية تسليح ومشاركة الكثير من أبناء تلك المناطق، خوفاً من انقلابها عليها، مستذكرين بذلك حرب الخليج 1991 وما حصل في الجنوب، والسبب الثاني، أننا لم نكن نطمح لقتال الأمريكان فحسب، وإنما كانت غايتنا إعداد (مشروع جهادي إسلامي) مدروس منذ خطواته الأولى، لهذا فإن الفكر والدافع في كل حركة أهم من العدد والإمكانيات، وبالطبع بعد هذه الخطوة لم نكن لنترك الإخوة جالسين في المساجد فلابد من أخذهم معنا، وفعلا تم تجهيز بيتين فارغين كان احدهما يعود للأخ (عمر حديد)، حيث كان يسكن فيه حينما كان مطارداً قبل الاحتلال، علماً أنه كان في الفلوجة حينها، لكن لم يكن لديه أي علم بهذا الأمر، وكان عدد الإخوة قرابة الثلاثين أخاً من شتى البلدان، وكان في مقدمتهم أحد الإخوة مبتور الساق، يتجاوز عمره الثلاثين عاماً يدعى(أبو رغد العتيبي)، وقد أصبح مسؤولاً على الإخوة في هذين البيتين نظراً لسابقته في الجهاد في أفغانستان.

وبالطبع كان عدد الإخوة كبيراً مما ضَيّق عليهم المكان نوعاً ما، وقد بدأت المعاناة من هاهنا، وبالرغم من الجلوس في البيوت دون خروج أو تنفيه عن الصدور إلا أن (أبا رغد) كان قد وضع جدولا وبرنامجاً للإخوة، يتضمن عدة تفاصيل أهمها الإعداد الإيماني والذي يتمثل بالدروس وحفظ سورتي التوبة والأنفال، مع بعض الدروس الأخرى، خاصة وأن في الإخوة نماذج فريدة من طلبة العلم وغيرها من الاختصاصات والخبرات، وكذلك وضع (أبو رغد) برنامجاً غذائياً صارما للإخوة مع أن اغلبهم لا يزال حديث عهد بالدعة والرفاهية، إلا أن كل شيء يهون في سبيل الله..

في تلك الأثناء جاء الأخ (عمر حديد) بزيارة للمنطقة، ولم يكن أحد يعلم بوجودهم في هذين البيتين، وعندما وصل المدينة توجه إلى بيته ليتفقده، ففتح الباب وتفاجأ برؤية الإخوة في البيت، كما تفاجأ الإخوة بدخوله أيضاً، فأخذ يسأل كل واحد منهما الآخر وعن سبب وجوده هنا، إلا أن (عمر حديد) كان قد علِم أن الإخوة الأنصار(وهي التسمية التي تطلق على المجاهدين العراقيين)، قد أجلسوا الإخوة في بيته، فأخذ يمازحهم ومن ثم أخبرهم بأنه صاحب الدار، عندها جلس معهم واستأنس بعضهم ببعض، فقد كان بشوش الوجه، لا يمِل ولا يُمل.

إلا أن أمراً كان يقطع على الإخوة نشوتهم وفرحتهم ألا وهو نقص السلاح، أو انعدامه بعبارة أصح، فلم تكن في حوزة الإخوة سوى بندقية واحدة، يتناوبون عليها في الحراسة، عند ذلك ذكر أحد الإخوة وهو (أبو همّام الأردني) أنه وحينما كان يقاتل في الرمادي كان بحوزتهم بعض الأسلحة، منها ثلاث عشرة بندقية، وبعض قاذفات الـ (rbg) ، عندها لم يتردد الإخوة في الذهاب لإحضارها، وفعلا سار من الغد إلى الرمادي الأخ (عمر حديد) والحاج (حسن عارف) و(أبو همّام) و(أبو أحمد)، وهو شقيق الأمير، ووجدوا الأسلحة في مكانها فحملوها في السيارة، وقفلوا راجعين إلى القائم، وفي غمرة تلك الفرحة واجهتهم في الطريق نقطة تفتيش للأميركان لم يكن لهم عنها مفر، ولم يكن أمامهم سوى المواجهة، أو التسليم، ولكن هيهات لهؤلاء الأبطال أن يسلموا أنفسهم!
أمسك الحاج (حسن عارف) بمسدسه الذي لا يفارقه، وحمل (أبو همّام) سكيناً، فيما قام (أبو أحمد) بسحب بندقية من تلك البنادق بينما كان (عمر حديد) يقود السيارة، وجهز الأخوة أنفسهم للمواجهة، وعندما وصلت سيارتهم إلى نقطة التفتيش، أشار إليهم الجندي الأمريكي بأن يسيروا ويعبروا نقطة التفتيش دون أن يتم تفتيش سيارتهم، فنجّاهم الله، وما أن تجاوزوا السيطرة حتى أوقفوا السيارة، وسجدوا لله شكراً، فكانت لهم فرحتان، فرحة النجاة، وفرحة إيصال السلاح للإخوة، وعندما وصل السلاح للإخوة فرحوا به فرحاً عظيماً.

في تلك الأثناء كانت الحرب قد وضعت أوزارها بين الطرفين المتنازعين، لترجح كفة الأميركان على كفة الطرف العراقي، مما حدا بالكثير من الأخوة العرب الرجوع ليجتازوا الحدود مرة أخرى ولكن عائدين هذه المرة إلى ديارهم وبلدانهم، إلا أن البعض الآخر من الأخوة العرب كان قد فضل البقاء لقتال الأميركان، فانتشروا في ربوع المناطق الوسطى والغربية، أو ما تسمى بالمناطق السُنية، وخاصة في الأنبار، وكان من هؤلاء (أبو قسورة السوري) و(أبو دجانة الجزائري) حيث لحقوا بركب الإخوة في هذين البيتين، إلا أن الأمر ما كان ليبقى على هذا الحال، فالمكان بدأ يضيق بالإخوة، كما أن الظرف الأمني ليس ملائماً حيث أن الوضع الراهن لا يزال مجهولاً ولا شيء يبدو واضحا في الأفق، مما حدا بالإخوة لتغيير المكان، فقاموا بنقل الإخوة إلى بيت آخر كبير، على مقربة من ناحية (العبيدي) في مدينة القائم أيضاً، وظل الإخوة مستمرين بمنهاج التدريب الروحي إضافة إلى البرنامج الغذائي الصارم، حيث كانت وجبة الطعام عبارة عن تمرة واحدة فقط، أي ثلاث تمرات لا غير في اليوم والليلة!

لم يدم بقاء الإخوة في هذا المكان حيث أن البعض قد لاحظ وجود الإخوة وحركتهم، رغم أن هذا البيت كان معزولاً، بل أنه الوحيد في تلك المنطقة، وهنا انقطع التفكير بمسألة البيوت، مما حث الإخوة على البحث عن مكان بديل وبعيدٍ جداً عن المدن،ليوفر للإخوة حرية الحركة وإمكانية التدريب البدني والعسكري.
انتهت تفاصيل الحلقة الأولى في رحلة الألف ميل والتي بدأت بخطوة، والخطوة الأولى هي أصعب مراحل العمل، فمنها تكون الانطلاقة وفيها أساس العمل، وأن كانت راسخة وثابتة تكون مسيرة الرحلة مهما صعبت تظل مستمرة..

من هنا لم تكن بداية العمل الجهادي والمقاوم في أرض العراق بالسهلة، فمن تأمل بسيط لما تم استعراضه في هذه الحلقة نرى صعوبة الحال وضيق ذات اليد، ومثلما بدأت الرسالة المحمدية برجل، بدأت مسيرة الجهاد في بلاد الرافدين بثلة بسيطة من الشباب المؤمن المجاهد الذين شكلوا نواة حقيقة لعمل جهادي انتشر بعد ذلك في كل ركن من أركان البلاد، هذه البلاد التي وصفها سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه بجمجمة العرب ورمح الله في أرضه، هذه البداية، رغم بساطتها وصعوبتها في ذات الوقت، فتحت الطريق على مصراعيه للوقوف بوجه المخطط (الصهيوني – الصليبي – الفارسي) ضد بلاد الإسلام ولتثمر بعد ذلك عن ولادة فصائل وجماعات مسلحة إسلامية وأخرى مقاومة والتي حاول المحتل بمختلف الطرق والوسائل التهرب من المواجهة معها وجهاً لوجه، ما دفعه لاستخدام الطرق الخسيسة والوضيعة والتي لا تحمل شهامة فرسان المعارك ضدهم!

كما ويتبين لنا من استعراض الحلقة الأولى أن للمجاهد في سبيل الله رسالتين في الحياة، رسالة الدفاع عن الإسلام ورفع رايته، وأخرى تأسيس أرضية صحيحة لمشروع جهادي ينهض بالإسلام ويعيد الحق السليب للمسلمين..
وستقرأون في الحلقة القادمة كيف أن أبطال الجهاد انتقلوا من البيوت الضيقة في المدن إلى الصحاري الواسعة المكشوفة، ليقيموا هناك أولى معسكرات التدريب في أرض الجهاد والرباط، أرض العراق، وما سيرافق ذلك من صعاب وابتلاءات لنفر، لا يتجاوز عددهم الخمسة وثلاثين شاباً، تركوا حطام الدنيا نصرة لدين الله، وسعياً لتحرير أرض الإسلام المغتصبة على يد الصهاينة والأميركان والفرس في بلاد الرافدين، ليسيروا نحو الذرى،
وكل طعامهم آنذاك تمرات ثلاث في اليوم والليلة ليس إلا !!

__
بعد ان قضى الإخوة الوقت الطويل وهم قابعين في البيوت، قاموا بما أمكنهم من إعداد العدة واستغلال الوقت أمثل استغلال، من دروس العلم، وحِلق التحفيظ، والتدريب البدني البسيط.
خلال هذه الفترة كان أبو رغد العتيبي قد استقرأ تقييما لكل أخ، عرف من خلاله إمكانياتهم وقابلياتهم على خوض هذا الطريق الوعر، وبالطبع لم يكن الأمر ليبقى على ما هو عليه فلا جدوى من البقاء في هذه البيوت مع ضيق المكان، وقلة السلاح، لذا أصبح لزاماً عليهم تغيير المكان والبحث عن ظروف ملائمة أكثر، خاصة وقد بلغ عدد الإخوة قرابة الخمسة والثلاثين، ونظرا لطبيعة الظروف التي آلت إليها البلاد، بعد استقرار الأمريكان فيها، وتربعهم على عرش ثرواتها دون منازع لهم في المُلك، فقد أصبح الناس لا يخشون أحداً كخشية الأمريكان، فأصبح البحث عن المأوى وتأمين أسباب المعركة أمراً ذي بال.

وبناءاً على كل ما سبق ارتأى الإخوة ان يبحثوا عن مكان ما في عرض الصحراء، ذو صفات معينة، ليستقر الإخوة فيه مدة من الزمن، يكملون فيه تدريبهم على السلاح، وكذلك ليتوسعوا في تدريباتهم، لينتشروا بعد ذلك إلى المدن، لخوض المعارك مع الأمريكان، فكل ما عرفوه خلال بقائهم في البيوت لا يكفي سوى للدفاع عن النفس..

وبعد جهد جهيد وجد بعض الإخوة مكاناً ملائما جداً، يتميز بوعورته وقربه من النهر، وكذلك فهو ليس بالقريب وليس بالبعيد عن المدن، كما أن لا يبعد سوى قرابة العشرة كيلو مترات عن مدينة راوة، ويقع إلى جنوب الشرق منها، كما قاموا بالتعرف على أحد أهالي راوة، ليقدم لهم المساعدة في ما يحتاجه الإخوة في بقائهم هناك.

أن مسألة المياه وتوفيرها تلعب دوراً مهما في اختيار المكان، إلا أن الله، عز وجل، قد يسر لنا الأمر، فجمع لنا كل الحسنات في مكان واحد، يشتمل على أفضل الظروف الطبيعية والمكانية وغيرها، ولم يكن يخطر ببالي بأن هذا المكان سيكون فيما بعد أقرب بقاع الأرض إلى قلبي على الإطلاق، بعد الحرمين الشريفين، فقد عشت فيه أياماً وكأنها سنيناً، لم أعش قبلها ولا بعدها أجمل منها، فبأي شيء توصف، وبأي كلمات أعبر عن شعوري حينئذ, فكل ما فيها مجلبة للسعادة الكاملة، حتى التعب والنصب يكون أحلى من الراحة، والجوع أشهى فيها من الطعام في سواها، كيف لا وأنا كنت أعيش مع شهداء يمشون على الأرض، نحسبهم والله حسبهم، لم أرَ لهم مثيلاً في كل صفاتهم، فالفرق بينهم وبين سواهم شاسعاً جداً، ولا ينصفه وصف، ولا يبلغه مدح!

على كل حال بدأ نقل الإخوة إلى هذا المكان، وبدأ المكان يزهو بساكنيه، فهو بدونهم لا يطاق، ولا زلت حتى هذه الساعة، لم أجرؤ على الذهاب إليه، بعد فراق الإخوة، ولا استطيع أن أعرف ما سينتابني لرؤية المكان مرة ثانية، ولكن من دون رؤية الإخوة فيه، فيما لو قدر الله لي زيارته ولم أقتل، فهو بحق شعور لا يوصف، وان مدى شوقي إليه، وخوفي منه، متساويان!
عندما نزل الإخوة هناك بدأوا بترتيب المكان، وأول ما قاموا به هو بناء المسجد، وبالطبع لم يكن سقف المسجد إلا من الحصير، ولم تكن أرضه إلا من التراب، إلا أن عمرانه الإيماني كان يفوق كثيراً كثيراً عمرانه المادي، فما أجمل الصلاة في ذلك المسجد، وكم هي جميلة مناظر تلك النفوس الخاشعة، التي انقطعت عن الدنيا في كل أحوالها، عندما قرروا سلك هذا الطريق الذي لا يسلكه إلا القلة القليلة من صفوة هذه الأمة، الذين تأنف أنفسهم إلا ان تعيش في كنف العز، فنأوا بأنفسهم عن العيش مع العوام عيش الهوام، وهم يرون الأرض والعرض مستباح لكل خوان كفور.

أما وصف المكان بشكل عام فقد كان على ضفة نهر الفرات الشرقية، وكان بقرب النهر ثلاث غرف صغيرة، إحداهما هي المطبخ، والتي يرابط فيها أبو القعقاع الأردني، وهو شقيق القائد أبو حفص في الشيشان (حفظه الله)، أما الغرفة الثانية فقد كانت مخزن للسلاح، والثالثة لأبي رغد، وبالطبع لم تكن حكراً عليه، حاشاه أن ينأى بنفسه عن إخوته، بل كانت توضع فيها بعض الأجهزة ويرقد فيها من يمرض من الإخوة، وهذه الغرف الثلاث تسمى بمجموعها المركز، وتتصف بقية المنطقة بالأودية والتلال الصغيرة، فهي منطقة وعرة جداً بالنسبة لصحراء العراق المنبسطة.

ولم يجد الإخوة الكثير من العناء في تنظيم أنفسهم وترتيب أحوالهم وذلك لأنهم بدأوا بذلك منذ البداية وقبل وصولهم المعسكر، وبالطبع كان أبو رغد العتيبي هو أمير المعسكر، وكان أبو يونس اليمني هو نائب الأمير وذلك لما له من خبرة سابقة في الأمور العسكرية فضلا عن التواضع الذي يتحلى به.

في بداية استقرار الإخوة كان المسجد يحتضن معظم أوقاتهم، فعند آذان الفجر، والذي يرفعه دائما أبو عاصم اليمني، وما أجمل ذلك الآذان الذي قلما سمعت صوتاً يصدح به أجمل منه، أقول بعد الآذان ينتفض الإخوة وينزلون إلى النهر تباعاً، كانخراط عقد اللؤلؤ، ليتوضئوا وبعد ذلك تقام الصلاة ويصطف الإخوة بضعة صفوف، وبعد الصلاة يتحلّقون حِلقاً يقرأون القرآن وأول ما يبدأون بسورة الأنفال، ويبقى الحال كذلك حتى يتموا قراءة القران وأذكار الصباح، ثم ينهضون للتدريب البدني، والذي يتمثل بالهرولة المتواصلة لما يزيد عن النصف ساعة، وبعدها يقوم أبو عبيدة الأردني بإعطاء الإخوة بعض تمارين اللياقة البدنية، وبعد انقضاء التمارين تأوي الأسود إلى عرينها، فيعودون إلى المركز يتوافدون كقطر الندى، والتعب قد أخذ منهم مأخذاً, في تلك الأثناء يكون أبو القعقاع الأردني قد أعدَّ لهم وجبة الإفطار، وبالطبع ليست متعددة الأصناف، ولا كثيرة الأوصاف، بل هي تمرات معدودات، فقد كان للمعسكر نظاماً غذائياً صارماً، كان في بادئ الأمر عبارة عن تمرة واحدة في كل وجبة، أي ثلاث تمرات في اليوم الواحد، وبالطبع مع التمارين الشاقة، وكان الشاي مسموحاً به في كل الأوقات، إلا ان الإخوة لم يعتادوا بعد على الشاي العراقي الثقيل، لكنهم لا يجدون مفراً منه، إلا أنهم وبمرور الوقت بدأوا يتلذذون به، بل إنهم أصبحوا يفضلونه على الذي قد كانوا معتادين عليه في بلادهم.

وبعد أن يكمل الإخوة إفطارهم يأخذون قسطاً من الراحة في المسجد، يتجاذبون أطراف الحديث، ويخوضون في شتى المواضيع، وكان محور الحديث هو كيفية وصولهم إلى أرض الجهاد، بعد أن كانت حُلماً بعيد المنال، فتجد كل ثلاثة أو أكثر من الإخوة جالسين في مكان لا يكاد يحتويهم في المسجد، تعلوهم السكينة والطمأنينة، والنور بادٍعلى قسمات وجوههم، وبالرغم من ضيق المكان إلا أن الأرض لم تكن لتسع فرحتهم، رغم وعورة درب الجهاد، فقد حملتهم الغيرة لما يرون في شرق البلاد وغربها، والأمة تنحر أينما يتم النظر، فمن لم يحمله دينه على الجهاد فهلا حملته الغيرة على الأرض والعرض المنتهك.

كان منظر المسجد لا يخلو من راكع وساجد لله عز وجل، تراهم شُعثاً، غُبراً، ملابسهم رثة، ولكنك تراهم أسعد الناس، فلم أرَ اسعد منهم في هذه الدنيا على الإطلاق، كيف لا وهم رغِبوا عن الدنيا والقوها وراء ظهورهم، رغبة بما عند الله عز وجل، فوصف الجنة والحور قلّما يفترون عن ذكرها، ويبقى الإخوة على هذا الحال إلى أن يُكلفوا بعمل ما، أو أن يرقدوا من التعب حتى صلاة الظهر، وبعد صلاة الظهر يقوم الأخ أبو حكيم اليمني بإلقاء درس شرعي يستفاد منه الإخوة، وغالباً ما كان هذا الدرس في فقه الجهاد، لأنه يعالج الواقع الذي نعيشه، خاصة وان الجهاد أصلاً مغيب عن هذه الأمة، فضلا عن فهم فقهه وتفصيلاته.

أما أبو رغد العتيبي فكان الحاضر في كل صغيرة وكبيرة لدى الإخوة، فهو الأخ الأكبر، الذي يحمل حنان الأم التي لا تألوا جهداً على أبنائها، فكم كان بما فيه من التعب الشديد يهتم في تدريب الإخوة وإعدادهم، وكذلك في تأمين كل ما يستلزمه ذلك الإعداد من أمور مادية ومعنوية، وما يزيد من معاناته هو ساقه المبتورة، فقد كان أبتر الساق اليسرى من أسفل الركبة، بعد جهاد له في أفغانستان حيث عاد إلى بلاده للتداوي، قبل أن تحتل بلاد الرافدين ليحول وجهته إليها بعد ذلك رغم إعاقته، وكان يعاني منها بعض الألم، فلا زال الجرح لم يلتئم بعد بما يعينه على الحركة المتواصلة طيلة اليوم، حيث لم تكن في المعسكر سوى سيارة واحدة من نوع نسيان (دبل قمارة)، أو كما يسميها هو (دتسن) خاصة وان البداية دائما تكون صعبة وتتطلب الكثير من الحركة.

في تلك الأثناء كان الإخوة ممن ينتسبون إلى المنطقة، يترتب عليهم بقية الأعمال الإدارية، من تأمين السلاح، وكافة الخدمات التي من شأنها تسهيل أمر المعركة، خاصة وان هذه المسائل لا يقوم بها إلا أهل المنطقة، فأهل مكة أدرى بشعابها، لذا فقد كانوا دؤوبي الحركة في هذا المجال وقد هجر بعضهم الأهل والأصحاب وهم في ديارهم، إلا من صاحبهم في هذا الطريق الذي يُذهب الله به الَهمَّ والغم.

وبعض (الأنصار) كان لهم دور في البحث الحثيث عن السلاح وغيره من الأمور المهمة، والتي يعاني الإخوة النقص منها، وكان من أولئك أبو حنظلة الأنصاري، وهو قريب لي، إذ تربطني معه القرابة القريبة.

فيما يخص جمع السلاح وغيره لم يقتصر الأمر علينا نحن الاثنين، فأنا كان لي مجهوداً بسيطاً لا يكاد يذكر، أما أبو حنظلة فقد أبلى بلاءاً حسناًً في هذه الأمور، وكان يخاطر بنفسه أشد المخاطرة، وكانت لذلك النتائج الطيبة، فقد وفر بعمله هذا أعداداً كثيرة جدا من صورايخ(RBG) وصواريخ مضادة للطائرات (ستريلا)، والعديد من الأمور التي لم يكن ليحصل عليها، لولا فضل الله عز وجل، ثم عمل أبي حنظلة الأنصاري ومن معه من الإخوة..لقد كانت مسألة جمع السلاح تمثل الهمّ الأكبر بالنسبة لنا، وذلك بالرغم من انتشار السلاح في العراق إلا أن عددنا المحدود لم يمكنا من جمع الكميات المطلوبة، وقد لعبت فتاوى بعض العلماء بتحريم أخذ أي شيء من ممتلكات الدولة تحريماً قطعياً، حتى السلاح، وتأكيدهم بأن أحق الناس بها هي الدولة اللاحقة بغض النظر عن توجهها، وكأن هؤلاء العلماء لا يعنيهم أمر الأمريكان أو الجهاد شيئاً..

وكانت كل هذه الأحداث بما أعقب انتهاء الحرب العراقية _ الأمريكية لتبدأ بعدها الحرب الإسلامية _ الصليبية، حتى حان يوم كان في حياتي حداً فاصلاً بين ما كان قبله وما كان بعده! ولا ادري بأي العبارات أبدأ، ولا بأي الكلمات أصف هذا اليوم، ولو وددت أن يقف بي الزمان في إحدى محطاته لما تجاوزت ذلك اليوم، ولكنه ببساطة نقطة تحول في حياتي، فقد بلغت ما كنت أتمنى، بل لم يكن طموحي يجرؤ للوصول إلى هذا الحد..

بعد عشرين يوما من احتلال بغداد، وبعد أن أمضيت ما مضى من الوقت في محاولة جمع السلاح، مع أني لم أكن ذا خبرة تُذكر في هذا المجال، ولكنها محاولة في تقديم ما بوسعي، راجياً من ذلك عظيم الأجر قررت الالتحاق بهذا بالمعسكر الذي كان بداية لمرحلة جديدة من حياتي.

وهكذا لملمت بعض إغراضي التي كنت أجهزها قبل الحرب بعدة شهور، وودعت أهلي، ولا أحد منهم يعلم حقيقة وجهتي، ثم غادرت منزلنا متوجهاً إلى البيت الذي أنتظر فيه من يقلني إلى المعسكر، فجلست فيه منذ الصباح حتى المساء، وقد كان المنزل يعج بحركة الداخلين والمغادرين، فقد كان الإخوة لا يعرفوا بعد شيئا اسمه(أمْنِيّات), ومرت الساعات ثقيلة لولا وجود أبي يزيد، وأبو بلال الكربولي، وعندما أسدل الليل ستره وتناولنا العشاء، أحضر الإخوة سيارة (الدانيا) وقمنا بتحميلها بالفراش، وبعض قطع السلاح، وركبنا السيارة وبدأ المسير إلى الهدف، ومعنا في السيارة أبو يزيد وأبو بلال، وكان خالد أبو محمد الكربولي هو من يقود السيارة، وكذلك رافقنا بعض الإخوة في الطريق، كان بعضهم يريد الانضمام إلى المعسكر والبعض الآخر عنده عمل معين ثم يعود للمنطقة.

واستمرت السيارة بالمسير لساعات، ونحن ممددين فيها، ونضع علينا بعض الأغطية، لنتقي بها برد الليل ولتستر وجودنا في السيارة في ذات الوقت، وفي الطريق مررنا بإحدى القرى، وركب معنا بعض الإخوة أيضاً إلى نفس الوجهة، ولم يزل الإخوة يغذون السير سِراعاً، حتى بدأ السير على طريق صحراوي، ونحن نجهل كل ما نمر به.

وبعد وقت ليس بالقليل بدأ الطريق يزداد وعورة، حتى إذا ما سرنا قليلاً، وإذا بأحد الإخوة يحمل سلاحاً يعترض طريقنا مستوقفاً السيارة، فلما وقفنا وإذا به أحد الإخوة يتكلم بلهجة عربية لم نكن قد بدأنا نميزها بعد من بقية اللهجات العربية، وكان هو الأخ أبو يونس اليمني، فعجبت من حرصه ويقظته، مع انه يعرف أنها سيارتنا، فهي تتردد عليهم دائماً إلا أنه لا يتهاون فيما يخص أمن الإخوة وسلامتهم، بل أنه لما استوقف السيارة كان على مسافة متقدمة من موقع المعسكر، ولما أطمأن لنا لم يركب معنا في السيارة، بل ظل يهرول أمامنا على قدميه، عند ذلك بدأت دقات قلبي تضطرب فقد أصبح الهدف على مرمى البصر، بل وعلى مرمى الحجر، وكدت اقفز من السيارة، لأنني أحسست بأنها بطيئة جداً، ولكني تمالكت نفسي..

وشيئا فشيئا بدأت السيارة تقترب من المعسكر، وبدأت بعض الأجسام تلوح في ظلمة الليل حتى إذا وقفت السيارة بقرب المسجد، وإذا بالإخوة يَغُطون في نوم هادئ، يحتضن كل منهم سلاحه، آمنين مطمئنين، فإذا بأحد الإخوة يجلس من نومه، فرأيته مرتدياً جعبة سوداء، وهو يضع سلاحه وساقاً اصطناعية عند رأسه، ثم يمتشق سلاحه وينهض متعكزا على ساقه الصناعيةاليسرى، ويبدو أن التعب قد أخذ منه مأخذاً..
أما بقية الإخوة فقد رفع بعضهم رأسه ليرى مصدر الصوت المزعج، حتى إذا ما عرف أنها سيارتهم ترك رأسه ليسقط متهالكاً على الوسادة ليعاود النوم من جديد.. عندها نزلتُ من السيارة مع بقية الإخوة وكل ما أمامي يثير دهشتي وإعجابي, أفي حلم أنا أم ماذا ؟! هل حقا التحقت بركب الجهاد، وهل أصبحت صور المجاهدين هنا حقيقة، وواقع لا خيال!؟

إلى هنا تنتهي تفاصيل الحلقة الثانية التي رأينا فيها كيف أن ثلة من أبناء هذه الأمة نفروا إلى الجهاد مخلفين وراءهم الأهل والأحباب والخلان، بعضهم من أبناء الرافدين، والبعض الآخر من بقية أمصار الإسلام، تاركين الدنيا وزينتها وزخرفها، مرتحلين إلى الله، إلى حيث العلياء والمجد والخلود، باحثين عن جنان الرحمن بين جنبات دجلة والفرات، على ثرى أرض الرافدين، التي دنسها أحفاد القردة والخنازير من اليهود والصليبيين، وعبدة النار، الفرس المجوس، ثلة من الشباب المؤمن المجاهد لم تمنعهم حدود الاستعمار الصناعية، ولا قيود الحكام، ولا أفاعي الصحارى، ولا برد الشتاء القارص، أو حر الصيف القائظ، فهم يعلمون أن الأجر على قدر المشقة وأن أديم هذه الأرض الطهور تستحق أن تروى بالدماء، مدركين ومؤمنين بأن هذا الدين العظيم لن تعلو له راية، ولن تقوم له قائمة إلا بتناثر أشلاء وأجساد الشهداء، في أقدس وأربح تجارة بين العبد وربه، فتية ورجال سلكوا هذا الطريق تاركين خلفهم أمهات على فراقهم يتحسرون وأبناء من فرط الشوق لهم يتلوعون، وآباء على فراق أبنائهم يتحسرون، لكن أنّى لهم أن يناموا وتغمض أجفانهم ونفر من أمتهم يئنون تحت وطأة الظلم والجور والاحتلال، كيف تُمسكهم الأرض وعرض المسلمين يُنتهك، وأرض السواد تُغتصب، ودين الله يُستباح !!؟

__


وصلت إلى المعسكر ولم أكن لأصدق ما أنا فيه من خير عظيم، احتويت فرحتي ودهشتي، وقمت مع بقية الإخوة بتفريغ السيارة من الفُرش والسلاح، وأثناء ذلك كان اللقاء حميماً جداً بين أبي يزيد وأبي رغد العتيبي، فقد بقي أبو رغد واقفاً في مكانه وقد تقدم إليه أبو محمد الكربولي مسلّماً عليه ووقف معه للحظات، وعند ذلك كان أحد الإخوة يحمل سلاحه، واقفا هنا تارة، وهناك تارة ُأخرى، فلما رأى السلاح الذي جلبناه معنا فرِح فرحاً شديداً، مع انه أصلاً كان مرحاً طيلة الوقت، أما أنا فقد كنت أكملت إنزال الأغراض، بما فيها أغراضي الشخصية، وقد وضع أبو يزيد فراشه في المسجد وناداني لأضع فراشي قريبا منه، وفعلت ذلك، لكن لم يطب لي الجلوس أساساً فضلا عن النوم.

عندها ناداني أبو محمد الكربولي وكان لم يزل واقفا مع أبي رغد فلما وقفت عندهم سلمت على أبي رغد وقال لي أبو حنظلة(هذا أبو رغد هو أمير المعسكر هنا)، ثم قال لأبي رغد عليك بفلان، فأنه قد أوجع راسي وهو يتكلم عن الذهاب لأفغانستان، فقال أبو رغد (هذه أفغانستان قد جاءت إلى هنا)، وكان الأمر كما قال فعلا.. عندها انصرفت إلى فراشي، ولكن لم يجد النوم لعيني سبيلاً، فبقيت أتقلب يمنة ويسرة، انظر إلى ما حولي عبر الظلام الدامس، وكان يرقد بجواري أحد الإخوة، طويل الشعر، وكانت بجانبه بندقية (RBk)، إلا أن أبا رغد لم يخلد إلى النوم، فقد كان أبو همام الأردني قد فوت عليه فرصة النوم، لكثرة كلامه ومزاحه معه، بالرغم من أن عينّي أبا رغد كانت تطلقان التوسلات، إلا أن الأمر كان يحلو لأبي همام للحديث معه، عندها ترك أبو رغد فكرة النوم، لأنه لا جدوى من ذلك بوجود أبي همام، فأخذ يتجول في المركز تعينه على ذلك طرفه الاصطناعية، وعندما رأى ذلك الأخ الذي كان يرقد إلى يساري وقد أهمل سلاحه ما دعا أبا رغد لسحب البندقية، وكانت هذه الطريقة التي يُعلّم الإخوة فيها الحرص وعدم الغفلة عن السلاح، فكان يتصيد أسلحة الإخوة الذين يهملون أسلحتهم أو يغفلون عنها، وبعد قليل قال أبو رغد لأبي همام ألم تنته حراستك فقال له أنها ستنتهي بعد قليل، ولكني أحب أن أواصل الحراسة، فلما سأله عن الذي يليه في الحراسة فأخبره بأنه أبو مجاهد الشمري، عندها قال أبو رغد (الأجر يا أبا همام أن لا تحرم أخاك من أجر الحراسة، وإذا كنت طامعاً في الأجر، فأيقظه وأحرس معه)، وبعد قليل تقدم أبو همام من ذلك الأخ الذي بجانبي وأيقظه للحراسة فلما ذهب أبو همام أنتفض الأخ وقد افتقد سلاحه فلاحظ بأني لا زلت مستيقظاً فسألني عن سلاحه وهو مستغرب لفقدانه ولوجودي في هذا المكان، فقد نام ولست معهم، عندها أجبته بأن أبا رغد قد سحب سلاحك فأضطر أبو مجاهد الشمري أن يحرس ليلاً من دون سلاح، أما أنا فلم أزل أجول ببصري في المكان وأنا انظر إلى سقف المسجد تارة، والى الإخوة الراقدين حولي تارة أخرى، متعجباً من حالهم فما الذي دفع هؤلاء للعزوف عن الدنيا واللجوء إلى بقعة مظلمة في عرض الصحراء، مع ما يلاقونه من تعب ونصب، وهم رغم ذلك في قمة السعادة، فالسعادة والتعب يتقاسمان قسمات وجوههم.. وعلى هذا مرت اللحظات، حتى بدأ الإخوة يوقظ بعضهم بعضاً، فقد حان آذان الفجر، فبدأو بالنهوض من فرشهم واحداً تلو الأخر، وأنا أُمعن فيهم النظر، وكل علامات الاستفهام تدور في خلدي!

نهضت أنا معهم، ونزلت إلى النهر، فتوضأت وعدت إلى المسجد، عندها رفع أبو عاصم اليمني آذان الفجر بصوته العذب، وبعد أن أتممنا صلاة سنة الفجر، أقيمت الصلاة، وصُفّت الصفوف، فسمعت صوت أبي رغد يقول لأحد الإخوة(تقدم يا أبا كنعان)، فتقدم الأخ أبو كنعان اليمني وتخلل الصفوف وتأكد من تسويتها، مستعينا بمصباح صغير، ثم تقدم إلى موضع الإمام، فكبر تكبيرة الإحرام، فصلى بنا، وكان يبدو من قراءته انه متقن لقراءة القران.. وبعد إتمام الصلاة وما تخللها من نشيج وعبرات للإخوة، جلسنا يلفنا الظلام لذكر أذكار الصباح، بعدها بدأ الصبح يتنفس، فتحلق الإخوة بضع حلقات لقراءة ما حفظوه من سورة الأنفال، فقد كان هناك برنامجا إيمانياً موازياً للبرنامج التدريبي، فجلست أنا في أقرب هذه الحلقات إليّ مع دهشتي، وتقلبَ بصري في وجوه الإخوة وقد بدأ ضوء الصباح يكشف عن بعض قسماتها، فسبحان خالق هذه الوجوه كم فيها من نور الإيمان ومن وقار وطمأنينة!

عندها بدأ الإخوة بالتلاوة، وقد كان يدير حلقتنا أحد الإخوة أسمر البشرة، ضعيف البنية، لا يكاد بصري ينزل عن وجهه، صوته هادئاً، مطمئناً جداً، وكان أسمه أبو دجانة اليمني، وبالرغم من انه من اليمن إلا انه كان يسكن في بلاد الحرمين، وكان يبدو عليه الوقار ولم اسمع في حياتي على الإطلاق أجمل من صوته بقراءة القرآن، دون مبالغة، فكان صوته من أعجب العجب، وكان كذلك من حفظة كتاب الله، مضافا إليه بعض كتب الحديث كبلوغ المرام وغيره.

فبدأ الإخوة بتلاوة ما كان عليهم حفظه من سورة الأنفال، وكان أبو دجانة يستوقفهم عند الأخطاء، سواءً في الحفظ أو أحكام التلاوة، وأجمل شيء كانت أصوات الإخوة الخافتة مع بداية شروق الشمس وهي تعلو مع علو أصواتهم التي كانت كطنين النحل.

بعد انقضاء حلقة التحفيظ نهض الإخوة استعداداً للتدريب، ولم تتجاوز قدماي حدود المسجد، والتي هي عبارة عن أحجار مرصوفة، وكانت أنظاري تتلاقى مع نظرات الإخوة، وما وقع بصر احدهم عليّ إلا والبسمة على محياه، فرحاً بالضيف الجديد، وهم يرون (الأنصار) لا يقلون عنهم في حِمل همّ الدين والعمل على إعلاء كلمة الله، باذلين الروح والدم رخيصة في سبيل الله, وكل منهم يصافح يدي ويضمني إلى صدره وكان مشهداً مليئاً بالمشاعر مفعماً بالأحاسيس وما يكحل هذا المشهد هو جو المسجد مع الصبح إذ تنفس, عندها عمت صيحات أبي رغد ( إجمع إجمع )، وفي لمح البصر كان الإخوة قد اصطفوا صفين متوازيين خارج المسجد، كنت قد تقدمت أحدهما، وكان أحد الإخوة يتقدم الصف الآخر وهو أبو عمر النجدي، وبالطبع كان الإخوة الأنصار الذين قدموا معي ليلاً من ضمن هذين الصفين، عندها تقدم أبو رغد ووقف مقبلاً بوجهه إلينا، عاصب الرأس، يتعكز على ساقه الاصطناعية، فبدأ يوجه كلامه إلينا كأنه أسد يزأر غضباً وحنقاً على أعداء الله، فبدأ يُذكّرنا بحرمات المسلمين وأعراضهم، التي اغتصبها أرذل خلق الله وهم الأمريكان، وهم يسرحون ويمرحون في بلادنا، يعيثون في الأرض الفساد، وكان كلامه يلامس قلوبنا، كأنه سهام تشق الصدور، لتستقر في شغاف قلوبنا، والدمع ينهمر من الأعين، وكان يتفجر غضباً وهو يتكلم معنا بهذه الكلمات وقد أحمرت عيناه وهما مملوءتان بالدمع، وصوته يكاد يتقطع من شدة الحزن، فكان يفرغ ما في قلبه من الحزن والأسى، ويُحرّض الإخوة بكلامه محفزاً إياهم على بذل الجهد الجهيد في إعداد العدة وتهيئة النفوس لبذلها وارخاصها في سبيل الله تنكيلا بأعدائه، ثم ذكّرنا بكلمات الشيخ المجاهد عبد الله عزام رحمه الله والتي يقول فيها (أن الدعوات تحسب دائما في حسابها، أن الجيل الأول الذين يبلغون أولئك الدعوات يُكبّر عليهم أربعاً في عداد الشهداء)، ثم قال لنا بعد ذلك كلمة لم يتجاوز معناها واقعنا فيما بعد، فقال مشيراً إلينا(أنتم جيل الدم) الذين ستبادون كلكم لتحيا بدمائكم أجيالاً من الشباب يجاهدون في سبيل الله.

وكأن الله عز وجل قد أنار بصيرته لما سيكون لنا، فقد كان الأمر كذلك، فلم يعش الإخوة طويلاً ليخوضوا غمار المعارك، بل أنهم انتقلوا إلى دار قرارهم بعرس واحد، وفي ليلة واحدة، ما خلا بعضهم، ممن لم يصبروا بعد إخوانهم طويلاً، ولكنهم فعلاً بدمائهم قد أحيا الله أجيالاً من الشباب قد انتبهوا بعد طول غفلة، ولا يزال الأمر تِباعاً كراية يوم مؤتة، لا يكاد حاملها يسقط شهيداً حتى يبادرها التالي، يرفعها فيغيض بها الكفار، حتى فتح الله على المسلمين.

أوكل أبو رغد الأمر إلى أبي يونس اليمني ليبدأ معنا بالتدريب البدني كالمعتاد، فقال لنا أبو يونس اصطفوا صفاً واحداً مشيراً بذلك أليّ لأتقدم بالصف الذي من خلفي حتى يكون الصف الثاني هو الشطر الآخر من صف طويل، ثم تقدمني أبو يونس وبدأ بالهرولة فتبعته ومن خلفي جميع الإخوة فأبعد بنا أبو يونس، فحيناً ينزل بنا وادياً، وحيناً يصعد بنا مرتفعاً من الأرض، وأحياناً أخرى يهرول بنا في طرق وعرة، وقد بلغت بي المشقة مبلغاً ولكني كنت انظر أمامي إلى أبي يونس وهو بكامل اللياقة لا يأبه بطول المسير والدرب العسير.

وأجمل شيء كان نقلات أقدامه بكل خفة، والأجمل من ذلك هو انه كلما رأى حجراً في طريق الإخوة كان يركله بقدمه بحركة جميلة دون أن يؤثر ذلك على سيره، فعرفت من هذه الحركة انه قائد بمعنى الكلمة، وان له باع طويل في الجهاد، وذلك لأنه قوي البنية، رشيق الحركة، لا يجد التعب إليه طريقاً، وهو يتقدم أخوانه وانه يعرف ما يؤذي أصحابه ويعيق سيرهم فيحرص على إزالته سواء كان حجراً أو حاجزاً معنوياً كل ذلك استنتجته من حركته البسيطة تلك ولم يكن تخميني يبعد عن الواقع قيد أنملة على الإطلاق.. الوقت كان يمضي بنا قُدما ونحن نمضي كذلك نهرول متسابقين مع الزمن في محاولة لإدراك ما فات الأمة من عصور السيادة والريادة مصممين على إحدى الحُسنيين إن شاء الله وخلال هذه الهرولة كان بعض الإخوة قد تساقطوا من هذا الصف ليعودوا يجرون بخطاهم إلى المركز وعندما كان أبو يونس يشعر بتعب الإخوة يوقف المسير ولكن ليس للراحة بل للنزول عشر ضغطات وعلى هذا الحال مرت بنا ساعة من الزمن أو أقل بقليل ثم عاد بنا أبو يونس إلى المركز، وعندما اقتربنا منه توقف الصف الطويل فتقدم أبو عبيدة الأردني ليقف أمامنا فبدأ يعطينا بعض تمارين اللياقة البدنية وبعدها دخلنا متهالكين تحت ظل المسجد حيث كان أبو رغد جالساً طيلة الفترة مع من لم يتمكن من مواصلة التمرين وبعد أن جلسنا وقد اخذ منا التعب مأخذاً كان الإخوة يجلسون مثنى وثلاث ورباع يخوضون في مواضيع شتى وكنت قد جلست في نهاية المسجد وبالقرب مني احد الإخوة يطيل الصمت ويجلس بمعزل عن الإخوة بينما كان أبو رغد يجلس مع أبي بلال الكربولي وغيره من الأنصار الجدد وفي تلك الأثناء كان أبو القعقاع الأردني منشغلاً بإعداد الفطور وقد طرأت عليه بعض الزيادات فأعد قِدراً من الحليب وبعدها قام بتوزيع قدح من الحليب وربع رغيف من الخبز لكل أخٍ أما التمر فقد أستزاد أبا رغد الإخوة، فأشار أحد الإخوة لأبي رغد وقال له السنة يا أبا رغد، قاصداً بذلك أن يجعلها سبع تمرات، فوافق أبو رغد على ذلك وقد أخذ كل من الإخوة خبزه وتمراته ومنتظراً دوره ليفرغ احد الأكواب ليشرب الحليب، فقد كان الإخوة يتناوبون على الأكواب لقلتها.

وأتممنا الفطور فانصرف الإخوة كل لشأنه فبعضهم ارتأى أن يخلد إلى النوم مستغلا فترة الراحة قبل صلاة الظهر، وبعضهم لا يمل من الحديث مع إخوانه، والبعض تسمع صوته خافتا بالقرآن أو تجده راكعا ساجداً، أما أنا فلم أكن قد مللت التحديق في وجوه الإخوة بعد، فأتنقّل ببصري من أبي محجن النجدي إلى أبي سليمان النجدي ثم إلى أبي مجاهد الشمري وأبو خطاب الشمري وبقية الإخوة، ثم جلست في السيارة مع الإخوة الجدد نستمع إلى بعض الأناشيد فما تمالك أحد منا دموعه.

وعندها كان أبو محمد الكربولي قد نزل ليسبح في نهر الفرات فنزلت معه إلى النهر وبعد آذان الظهر عدنا إلى المسجد فصلينا الظهر ثم أستقل أبو محمد سيارته ليعود إلى عمله في جمع السلاح فطلب مني مرافقته إلى احد مخازن الجيش العراقي السابق، فذهبت معه بعد استئذان أبي رغد وتوجهنا إلى ذلك المخزن الكبير.

وبعد ساعات من السير صرنا على أطراف المخزن وهو ذو مساحة واسعة وعندما لاحت لنا بعض المدرعات الأمريكية، فوجئنا بوجودها في المخازن، فحاولنا الدخول من زاوية أخرى فلم نوفق في ذلك، ولم يبق لنا سوى خيار العودة، وقد أدركنا غروب الشمس، فانعطفنا شمالاً إلى مدينة القائم ولم نصل هناك حتى وقت متأخر فبتنا ليلتنا هناك، فانقضى بذلك أول يوم لي في معسكر راوة مع تلك النواة الطيبة المباركة من مجاهدي ارض الرافدين، لتتوالى بعد ذلك أيام أُخر تحمل في طياتها أفراح، وجِراح!

في اليوم التالي وبعد ان صلينا الفجر توجهت مع أبي حنظلة إلى احد المقرات العسكرية التي أنهكها القصف الأمريكي في مدينة القائم في محاولة لإيجاد ما قد ينفع الإخوة في المعسكر، فالتقطنا من هناك بعض الأشياء البسيطة ثم عدنا بها إلى المعسكر، وقد كنت هذه المرة أركز جيداً على الطريق حتى وصلنا إلى مشارف مدينة راوة، فعرجنا عليها ثم عبرنا الجسر متوجهين إلى قلب المدينة ولم أكن قد دخلت مدينة راوة قبل أمر المعسكر فكان كما قال عليه الصلاة والسلام (سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله)، وبعد ذلك بدأنا المسير في طريق صحراوي متعرج وأنا اُطالع الطريق وأحفظ علاماته حتى بدا لنا المعسكر من بعيد ثم اقتربنا منه أكثر فأكثر إلى ان وقفت السيارة بقرب المسجد فنزلت مرة أخرى إلى ارض المعسكر وكنت قد ألِفت بعض الوجوه فلم تكن دهشتي كأول مرة إلا ان الشوق كان أجهدني وأنا انتظر العودة مرة أخرى إلى ارض المعسكر.

وبعد أن دخلت المسجد وسلمت على الإخوة الذين كانوا فرحين بعودتي إليهم كفرحتي بذلك، قمنا بإنزال الأغراض التي قمنا بجلبها معنا في السيارة.
وقد بقيت واقفا ولم اجلس أقف هنا وهنا اُطالع الوجوه والمكان وكانت عيني عطشى لهذه المشاهد وأجمل ما في الإخوة هو شدة محبتهم وتآلفهم مع بعضهم البعض مع كثرتهم واختلاف ألسنتهم وألوانهم فبالرغم من ان إخوّة الدين تفوق كل الروابط وتكسر كل الحواجز إلا أن الأمر كان مختلفا كمّاً ونوعاً عند الإخوة عن غيرهم من المجاهدين كما رأت عيني ذلك فللأخوّة هناك شعور آخر!

بقيت أجول في المكان ببصري وجسدي فدخلت غرفة أبي رغد العتيبي فرأيت فيها ثلاثة من الإخوة كان قد أقعدهم المرض وهم ( أبو العباس المالكي وأبو عبد الله العتيبي وأبو حفص النجدي) وقد كان أبو العباس من اقرب المقربين لأبي رغد فقد كان رفيق سفره من ديارهم إلى ان وصلوا أرض المعسكر، ويمتاز بشخصية قوية ورجاحة رأي وشخصيته القيادية، فضلا عن طيب معشره، وحسن خلقه وكان أفضل من رأيت وسمعت بتأويل الرؤى، فكان تعبيره لا يكاد يخطئ إلا ما شاء الله.

بعدها دخلت إلى الغرفة الأخرى فوجدت أحد الأخوة طويل القامة بهي الطلعة باسم الثغر كان من أعجب الإخوة، وهو أبو صهيب النجدي، الذي جلس وثغره لا يمل الابتسامة في وجوه الإخوة مُنسِياً إياهم بذلك ما بهم من ألم أو غيره من كدر الحياة وضنكها، بعدها انصرفنا لصلاة الظهر ومن بعدها رقد الإخوة بعد عناء التدريب وبقية الأعمال.

وكان أجمل شيء هو مداومة الإخوة على الحراسة فقد اختار أبو رغد موقعاً على أحد التلال المشرفة على المعسكر وكذلك على الطريق المؤدية إليه بحيث يتبين للأخ المرابط أي حركة في تلك المناطق الشاسعة، وكان كل أخ يرابط في ذلك المكان ساعة من الزمن، يحصدون فيها ما الله به عليم من الأجور، ويجدون في حر الشمس السعادة المفقودة، والتي حَرمَ كثير من الناس أنفسهم منها جهلاً، وظناً منهم أنهم كسبوا بالقعود راحة أنفسهم وأبدانهم، فما أجملها من حياةٍ تلك التي تحررت فيها النفوس من مظاهر الركون إلى حطام الدنيا أو أيٍ من مظاهر الطغيان على شريعة الرحمن.

وفي اليوم التالي، وبعد ان أكملنا وجبة الفطور أمرنا أبو رغد بالتوجه إلى تلك التلال المُطلّة على المعسكر وحفر الخنادق على قممها لغرض التحصين أثناء الحراسة أو في حالة تعرضنا لهجوم لتكون بذلك خط الدفاع الأول وقد تقدمنا أبو يونس اليمني بخطاه وخبرته ليُعَيّن لنا مواقع الخنادق على تلك القمم المتواضعة لتكون لهم طريقا إلى القمم العليا التي يرجونها عند ربهم عز وجل، فأنقسم الإخوة عدة مجاميع وتقاسموا عُدّة الحفر إذا لم تكن تكفي كل الإخوة فذهبتُ أنا مع أبي دجانة اليمني وأبو عاصم اليمني وأبو انس العتيبي وبدأنا بحفر الخندق حتى شارفنا على نهايته وأجمل شيء هو اللذة والسعادة التي تمازج التعب فكان مشهداً عجيبا من تفاني الإخوة في عملهم والألفة والمحبة في الله تغمرهم فلا يكون بذلك للتعب تأثيراً عليهم.

كان أبو رغد كباقي الإخوة لا يكاد يصدق بأنه عاد ثانية إلى أرض الجهاد، وبالطبع فأن الأمر يزيد عنده قليلاً، خاصة وأنه قد عرف طعم العز قبل ذلك عندما كان في أفغانستان فكان يصول ويجول هناك وقد ألقى الدنيا وراء ظهره حتى قُطعت ساقه اليسرى هناك، فأكمل العلاج، وأبى إلا أن يخرج إلى أرض الجهاد في العراق، فهو لم يرض بحطام الدنيا ولم يألف العيش بين أهله وأصحابه، فكان له نشاط مشهود في تحريض الشباب وطلبة العلم حتى أصبح مُطارداً في الفترة الأخيرة، وشاع أمره، وذاع صيته..

كنا نتحادث في أمور الجهاد، وأستمر بنا الحديث طويلاً، تكلمنا فيها عن مواضيع شتى، بما فيها مسألة العراقيين والعرب، إلا أن أبا رغد لم تكن تطيب له هذه التسميات، فقال (انتم أيها العراقيون الأنصار ونحن المهاجرين).

بعدها عاد الكل إلى المركز حين اقترب وقت صلاة الظهر والفرحة والغبطة تنضح من الوجوه مع قطرات العرق فرفع أبو عاصم اليمني آذان الظهر، فصُفت الصفوف للقاء الرب الرؤوف، وبعد صلاة الظهر جلس الإخوة لوجبة الغداء ليأكلوا بعض التمرات مع كِسر الخبز، بعدها جلسنا لا يطيب لنا النوم، بالرغم من شدة التعب، مستأنسين بالحديث مع بعضنا، وكان أبا حكيم اليمني يملأ فراغنا بما تجود به قريحته من دروس فهو وبعد الصلوات يقوم بإلقاء درس يتعلق بأحكام الجهاد فكان رحمه الله مفوهاً قلّما رأيت أحداً من طلبة العلم بعلمه.

بعد صلاة العصر عدنا إلى عملنا في حفر الخنادق لإكمال كافة الخنادق الدفاعية المحيطة بالمعسكر، واستمر الحفر لساعات، والإخوة منتشرين هنا وهناك، يجهدون أنفسهم بالعمل، ويجدون في ذلك راحة لأنفسهم، خاصة وأنهم تشدهم بذلك محبتهم وتآلفهم، فكانوا بحق كما قال الله تعالى (ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص).

أما أكثر وأجمل ما كان يشدني في تلك الأيام هو تواصي الإخوة فيما بينهم بعمل الصالحات واحتساب الأجور، فكان جو المعسكر مليئاً بالإيمانيات والروحانيات وكأنك في عالم آخر.
وقد خصص أبو رغد فترةً للسباحة من الساعة الحادية عشر إلى الساعة الواحدة ظهراً فلا يكون لأحد السباحة قبل ذلك أو بعده، وكان بعضهم يفضل الجلوس بظهر المسجد وفي ظل الحائط على ضفاف نهر الفرات المرتفعة من تلك الجهة، فتهب عليهم النسائم لتداعب وجوههم ونفوسهم، يتقلبون بذلك بنعم الله التي أنعمها عليهم، وأهمها خدمة الدين والإخوة والمحبة في الله.

وبالرغم من أن اليوم طويل وشاق، إلا أن مشهد المسجد يبقى حيوياً بالليل والنهار، فلا يخلو من راكع وساجد، ولا تخلو المسامع من النشيج والبكاء والدعاء، ولم تكن صلاة الإخوة تخلو من دعاء القنوت، تضرعا لله عز وجل، يسألونه سبحانه، إثخاناً بأعدائه، وتنكيلاً بهم، والشهادة في سبيله أغلى أمانيهم، فالحور والجنان كانت تملأ ذكرها كل فراغهم، وكانوا يوغلون في وصفهما والتشويق إليهما، وعلى هذه الشاكلة كانت تسير الأيام الأوائل في المعسكر.

في هذه الأثناء كان الأخ أبو أسامة الزهراني قد غادر الإخوة لقضاء بعض الأمور المهمة والعودة سريعاً إلى المعسكر فقد كان اسم أبو أسامة الزهراني لا يغيب عن دعاء القنوت في كل الصلوات متشوقين لرؤيته بينهم مرة ثانية.

وبعد أن اكتملت الخنادق الدفاعية بدأ أبو العباس المالكي وأبو حفص النجدي يتماثلون للشفاء ليعودوا لمكانهم بين إخوتهم فأن لأبي العباس مكانة خاصة لدى الإخوة.
ونظراً لازدياد عدد الإخوة وضيق المكان كان أبو رغد رحمه الله يريد أن يجد حلاً لينظم العمل أكثر من ذلك, فالإخوة منضبطين إلا أن الظروف كانت غير ملائمة، لذلك كان لا بد لهم من التقسيم إلى مجاميع، مما يحتم عليهم الانتشار في أرجاء المعسكر، ولهذا تم تقسيم الإخوة إلى ثلاث مجاميع، فكانت المجموعة الأولى بإمرة أبو يونس اليمني، والمجموعة الثانية بإمرة أبو عكاشة اليمني رفقاء الدرب من اليمن إلى أفغانستان ثم إلى العراق، أما المجموعة الثالثة فكانت بإمرة أبو أسامة الزهراني، ولأنه كان غائباً فقد نابه أبو الزبير التبوكي لحين عودته، وكانت أعدادهم تتراوح قرابة الاثني عشر أخاً لكل مجموعة، عدا الأمير، وبالطبع عدا أبو القعقاع الأردني، لأنه كان جل وقته في خدمة الإخوة في الطبخ وغيره.

وفي هذه الظروف لم يكن لنا بدٌ من التخندق في الأرض، فما كان أمامنا إلاّ حفر خندق كبير لكل مجموعة، فبدأت معنا مرحلة جديدة من العمل الشاق، وبدأ العمل من جديد فقام الإخوة في مجموعة أبو أسامة الزهراني بحفر خندق كبير جداً في بداية المعسكر قرب المسجد يتراوح حجمه بين الأربعة أمتار طولاً، والثلاثة عرضاً وبارتفاع متر وعشرين سنتمتراً، فكان كل وقتهم مسخر لحفر الخندق الكبير، فلا ينصرفون عنه إلاّ لصلاة أو لشيء من منهاج المعسكر اليومي، وبالطبع كان التدريب متواصلاً يومياً لم يتأثر بكثرة العمل.

أما سقف الخندق فقد رصف ببعض العوارض الخشبية، ووُضعت عليها صفائح الألمنيوم، ثم غُطيت بالتراب، فكان الخندق مموهاً تمويهاً جيداً، فلا يكاد يعرفه أحد إلاّ إذا اقترب من فتحته الصغيرة، وكذلك الحال بالنسبة لمجموعتنا، مجموعة أبي عكاشة، فقد قمنا بحفر خندقين، أحدهما بطول خمسة أمتار، وعرض مترين، والآخر بطول وعرض ثلاثة أمتار، وقد استمرت عملية الحفر لوقت طويل وبشكل متواصل في حر الشمس الملتهبة، دون كلل أو ملل، بتكاتف قل نظيره في غير هذا المكان.

أما مجموعة أبو يونس اليمني فقد قاموا بنصب خيمة في مكان وسط، بين مجموعة أبو أسامة ومجموعة أبي عكاشة، وبالطبع لم تكن أماكنهم متقاربة أو مرئية للناظر، فالمكان واسع والصحراء كلها أمامنا، والمنطقة وعرة، فنستغل الأودية للاستقرار فيها، أو للتنقل بين جنباتها لتحاشي صيادي السمك الذين يجوبون النهر ذهاباً وإياباً يسعون لرزقهم الذي كتبه اللهُ لهم، فكانوا يلاحظون وجود أُناس في هذا المكان، ولم يعرفوا بعد حقيقة أمرنا، ومن نحن، إلا أنه وبشكل عام كان أمراً غريباً بالنسبة إليهم..

في تلك الأثناء جاءنا الخبر بقدوم أبي أسامة الزهراني، فأستبشر الإخوة لذلك، وأخذ يبشر بعضهم بعضاً، وعلمنا بأن أبي أسامة سيكون في المعسكر عند غروب الشمس، وأنهم عند أبي نسيم، وقد جاء معهم ثمانية من الإخوة الجدد، فكانت فرحة الإخوان لا توصف لمجيء أبي أسامة الزهراني، وعند العصر أقبلت من بعيد سيارة نحو المعسكر، ولما اقتربت عرف الإخوة أن أبا أسامة الزهراني هو من في السيارة برفقة شخص، فأمتشق الإخوة سلاحهم ورُميت بعض الاطلاقات فرحاً بأبي أسامة، فأستقبله الإخوة استقبالاً حاراً لا يوصف، وأحتضنهم واحداً تلو الآخر، فكان من أعجب الإخوة وبالرغم من أنه بلغ الأربعين عاماً، إلا أنه في قمة النشاط، وعلو الهمة، وكان طليق الوجه، لا يعرف اليأس أو الخمول إليه سبيلاً، وعند انتهاء اللقاء الحميم، أمر أبو أسامة كل من أطلق ببندقيته أن يضغط عشرة ضغطات، كعقوبة لطيفة، وكان قد أحضر معه بعض الطلبات التي طلبها منه الإخوة في سفره، فبدأ يوزع الأغراض وغيرها ما أدخل الفرحة إلى قلوب الإخوة، وجلب معه بعض الملابس، والأحذية الرياضية للإخوة، فقام بتوزيعها أبو وقاص الفلوجي، وقد لاحظنا عدم مجيء الإخوة الستة معه، فأخبرنا بقدومهم بعد غروب الشمس.

قرر أبو رغد أن يستقبلهم استقبالاً مميزاً، فأمر أن نكون خلف ساتر مرتفع في بداية المعسكر، وقد امتشق كل منا سلاحه ووقف خلف ذلك الساتر، وكنا بانتظار الإخوة حتى إذا ما أصبحت السيارة تحت الساتر من الجهة الأخرى نُظهر أنفسنا ونبدأ بإطلاق النار في الهواء فوق السيارة، وكان عددنا ستة منهم أبو بكر النجدي، وأبو صقر اليمني، وغيرهم، وقد أمرنا أبو أسامة الزهراني بالبقاء في أماكننا لحين قدوم الإخوة.

ثم جاءنا أبو دجانة اليمني يوزع علينا أعواد الأراك، التي احضرها أبو أسامة، فكان يدور على الإخوة ليكسب ذلك الأجر، وكانت تلك المساويك قد أدخلت الفرحة إلى قلوب الإخوة لأن من أهم المهمات في الجهاد الاهتمام بالأفراد، وكسب ثقتهم، وإشعارهم بأن هناك من يهتم بهم، وأن لذلك الأثر الأكبر في السيطرة على كل صغيرة وكبيرة في الجماعة، وما لذلك من تسيير الأمور على الشكل المطلوب.

وعندما بدأ قرص الشمس بالاختفاء خلف المرتفعات البعيدة بدأت سيارة (الدانيا) تلوح في الطريق، وما هي إلاّ بضع دقائق حتى أصبحت في أحضان المعسكر عند الساتر، عندها ارتقينا الساتر، وبدأنا بإطلاق النار فرحاً، فمرت السيارة بقربنا والإخوة يرفعون برؤوسهم ويحدقون بأبصارهم، لا يدرون ما الذي يحدث حولهم، فما أن تجاوزنا حتى رأوا بقية الإخوة يصطفون صفين مرت خلالهما السيارة، ثم توقفت قرب المسجد، ليجتمع حولها الإخوة مرحبين بالإخوة الجدد فنزلوا من السيارة وبدأ الإخوة يحتضنوهم ويسلمون عليهم واحداً واحداً، وكان من بين هؤلاء الثمانية أبو محمد اللبناني، فقد كانت هذه هي أول دخوله لأرض الرافدين، وأُولى محطاته كانت في ذلك المعسكر، ليبدأ بعدها رحلة طويلة، خدم فيها دين الله عز وجل، وقدم له ما لم يقدم غيره من الإخوة على كثرتهم وخبرتهم، فقد فتح الله على يد هذا المجاهد، وألهمه الرشد والصواب، نحسبه والله حسيبه، وكان من بين الإخوة أيضاً أبو تمام اليمني، أحد اسود معسكر الفاروق في أفغانستان، وأبو الدرداء اللبناني وأبو شهيد الجزائري، وهو فرنسي الجنسية وأبو الفتح السوري وأبو مصطفى السوري وأبو طارق اليمني، الذي كان يسكن في الجزيرة العربية، وأبو مالك الطائفي، فسلمنا عليهم وعُدنا بهم إلى المسجد، وأجتمع الإخوة دون أن يكون هناك فيهم غائب، فجلسنا والفرحة تملأ علينا المكان بعد أن قُرت العيون برؤية الأصحاب.

وبعد كلمة ألقاها أبو رغد، ثم تلاه أبو يونس مرحبين بالقادمين الجدد، بدأ أبو أسامة بتقسيم الإخوة، وتوزيعهم على المجاميع، فأختار أبو عكاشة أبو طارق اليمني وأبو مالك الطائفي، ثم اختار أبو يونس أبو طارق اليمني كذلك، فقال له أبو أسامة (سبقك بها عكاشة)، فضحكنا لقولته تلك، فأختار أبو يونس أبو الفتح السوري وأبو تمام اليمني وأبو الدرداء اللبناني، فكان بذلك أبا محمد اللبناني وأبو شهيد الجزائري وأبو مصطفى السوري في مجموعة أبي أسامة الزهراني.

أنصرف الكل مع مجموعته الجديدة، ولأول ليلة يبيت الإخوة خارج المسجد، لينتشروا في أرجاء المعسكر، كلٌ عند مكانه الجديد، إلاّ إننا، (أي مجموعة أبي عكاشة)، بتنا ليلتنا في خندق مجموعة أبي أسامة، فأخذ كل من الإخوة فراشه، واتجه نحو الخندق، ولما دخلنا أحضر الإخوة وجبة العشاء، وكانت عبارة عن خبز وتمر، ولأول مرة مفتوح الكمية، إكراماً لإخواننا الجدد!!
أحضر لنا الإخوة كيس تمر ليكون مصدر غذاؤنا مع كيس خبز، وكانت تلك بداية مرحلة جديدة في حياة المعسكر فيها نوع من التنظيم والترتيب، وهو ما زاد الإخوة محبة وتكاتفاً.. وبعد مجيء أبو أسامة الزهراني بدأ هو بتدريب الإخوة تدريباً قاسياً وشديداً، فقد كان عسكرياً من الطراز الأول، وله خبرة واسعة في الأمور العسكرية، أما الموقع الذي كنا نتدرب فيه فكان عبارة عن وادٍ من أودية المكان.

واذكر أننا وفي أول تدريب لأبي أسامة كنا نهرول صعوداً على المرتفعات في تدريب قاسٍ وطويل، وبعد إكمال التدريب نعود لنسير بخط واحد نحو المركز حتى نعود إلى المكان الذي تركنا فيه أسلحتنا وبعض ملابسنا، حيث أن أبا أسامة أمرنا بترك أسلحتنا ونزع أغطية الرؤوس والملابس الزائدة عن السروال الطويل والقميص وبقي أحد الإخوة يحرس عندها.

أبو رغد لا تزال ساقه لا تساعده على كثرة الحركة، ورغم ذلك فهو دؤوب، لا يقر له قرار، ولا يقدر على فراق إخوته طويلاً من الزمان، فساقه لا تزال تؤلمه قليلاً خاصة وأن الجرح لم يكتمل التئامه بعد، ومع ذلك فتراه يجوب الديار بسيارته، ذهاباً وإياباً، سعياً في تأمين النواقص التي هي من ضروريات المعسكر، خاصة بعض الأسلحة التي يكون نقصها مشكلة كبيرة تعيق عمل الإخوة، مثل الحشوات الدافعة لصواريخ الـ(RBG)، فقد كانت لدينا كميات كبيرة منها إلاّ أن أبا عكاشة عندما أراد أن يدرب أبو طارق وأبو مالك لاحظ بأن الصواريخ تخرج بدون مسار ثابت، فهي تذهب يمنة ويسرة، وتصعد وتنزل كما يحلو لها فأكتشف أن الحشوات الدافعة بدون زعانف توجيه، فلم تكن عندنا إلا حشوات لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، وهو ما كان يمثل اكبر مشكلة، فلو أن المعسكر تعرض لهجوم برّي فلن تكون هناك مقاومة قادرة على صد الهجوم.

بقى الإخوة جالسين في المسجد خلال النهار، وأبو محمد اللبناني يتوسطهم، وكأنه لم يعرف من أمور الجهاد شيئاً من شدة تواضعه، وهذا كان حال أبي تمام اليمني هو الآخر، وكان من عادة أبي محمد اللبناني أن يسأل الإخوة أسئلة في الفقه والعقيدة، وكأنه يبحث عن جواب فعلاً، إلاّ انه كان يرمي من وراء ذلك أن يجعل الإخوة يبحثون عن الإجابة، ليستفيدوا من وقتهم، ويعرفوا أمور دينهم، وكان كذلك يشدهم أثناء التدريب بالصيحات والتكبيرات، فتلتهب بذلك نفوس الإخوة حماساً وهمة.

في غمرة فرحتنا بقدوم أبي أسامة ومن معه، وحينما اجتمعنا للتدريب صباحا مع أبي أسامة أخذ الإخوة يطرحون مواضيع ونصائح شتى تخص الإخوة داخل المعسكر، كالتأكيد على تطبيق بعض السنن وغيرها من المواضيع، حينئذ أخبرنا أبو أسامة الزهراني بأنه سيسافر هذا اليوم لإنجاز بعض الأعمال المهمة، فحزن الإخوة لذلك وطلبوا منه تأجيل سفره، حتى أن أبا قسورة السوري دعا الله أن يمرض أبو أسامة الزهراني، كي يبقى عندنا في المعسكر ويؤجل سفره، إلا أن العواطف ما كانت لتقف في طريق مصلحة الجماعة مع شدة حزن أبا أسامة لفراق الإخوة أيضاً.

أنفضّ المجلس، وعاد أبو أسامة ليجلس مع الإخوة في المسجد، وما أن حانت صلاة الظهر حتى بدأ أبو أسامة الزهراني يشعر بصداع، إلى جانب بعض الآلام، التي اشتدت عليه، حتى أنه قال لأبي محمد اللبناني (أصابتني دعوة صاحبك)، يعني أبا قسورة السوري، فقد كان هناك سابق علاقة بين الاثنين، إلا أن أبا أسامة لم يُردِه المرض طريح الفراش أبداً، فمهما بلغ من المرض فهو لا يستطيع أن يجلس في الفراش، ولكن هذه العزيمة لم تمكنه من السفر، فأضطر لتأجيله، وبقى معنا يوماً آخر، إلاّ أنه غادرنا في اليوم التالي، وودعه الإخوة جميعاً.

وبغض النظر عما لهذه النواة من أهمية في إشعال جذوة الجهاد في هذه البلاد في تلك الفترة بالذات، والتي كان الإخوة المهاجرون يحيون أجمل حياة، إلا أنه وبالطبع لم يكن الأمر ليخلو من بعض الشوائب، ولكن هذه الشوائب والسلبيات لم تكن داخل المعسكر أو بشيء يخص أوضاع الإخوة وأمورهم على الإطلاق، بل لأمور تنظيمية..

ذهبتْ كل مجموعة إلى مقرها، عدا مجموعة أبو أسامة، لأن مقرها انتقل إلى مكان بعيد جداً، ونصبوا خيمة يجلسون فيها، لذا لم يكن بمقدورهم الذهاب والإياب إلاّ بالسيارة، فكانوا يأتون صباحاً للتدريب، ثم يعودون ظهراً لمكانهم، ويأتون عصراً إلى المسجد.

في هذه الفترة كان الإخوة قد اجتازوا مرحلة التدريب البدني والتدريب على كافة الأسلحة، فكان لا بد لهم من البدء بالعمليات العسكرية، فالعدو يصول ويجول في البلاد، والإخوة على أتمّ الاستعداد، فهذا الذي من أجله تركوا الديار والأهل والأصحاب، غير أن الأمور لم تجر بما تشتهي النفس، فقد كان هناك تقصير شديد في مسألة السلاح، إذ أن صواريخ الـ(RBG) كانت قرابة ثلاث آلاف صاروخ، إلاّ أن ألفان من الحشوات الدافعة تبين أنها كانت غير صالحة، وكانت هي كل رصيدنا من الحشوات، ماخلا بعضها التي لا تتجاوز العشرة.

أثناء ذلك كان الحال في المعسكر مستقراً نوعاً ما، فلا يعكر صفوه سوى غياب أبي أسامة الزهراني، وتأخر البدء بالعمليات، وذات يوم جاء أبو أحمد وهو شقيق أبو نسيم يقود شاحنة للإخوة، كانت محملة بأنواع مختلفة من الأسلحة كان قد جمعها الشيخ (عمر حديد) في الفلوجة وأرسلها للإخوة، وبالرغم من أنها كانت من حيث النوعية والكمية لا بأس بها، إلاّ أنها لم تُعِنّا على البدء بالقتال فحشوات الـ( RBG) كانت السلاح الأهم المفقود، وبدونه لا نستطيع الخروج لأي عملية.

وكان أبو رغد لا يتحرك من مكان لآخر إلا وأخذ معه كامل عدة القتال، وكان يرافقه بعض الإخوة على أهبة الاستعداد للمواجهة، وفي فترة من الفترات بلغ الجوع من الإخوة مبلغاً، فبدأ أبو رغد يذهب إلى مدينة راوة، ويقوم بتأمين احتياجات المعسكر بنفسه، مستعيناً بأحد الإخوة الأنصار من أهالي راوة كان هو المُعين الوحيد لنا، و لم يكن لنا اتصال بسواه من أهل المدينة.. وأذكر أنه ذهب يوماً إلى راوة وعاد وسيارته محملة بالعديد من المواد الغذائية والأمور التي يحتاجها الإخوة، ولم يقتصر الأمر على ذلك فقد بدأ يعمل على توفير السلاح المطلوب، وغيرها من أساسيات العمل، فبدأ يوسع علاقاته مع الثقات من الإخوة في راوة في مرحلة جديدة من مراحل المعسكر، فأصبح لزاماً عليه أن يجتاز كل الحواجز التي تقف في طريق العمل.

ورافق تلك المرحلة أن بعض صيادي السمك الذين كانوا يقطعون النهر ذهاباً وإياباً قد لاحظوا وجود اُناس في ذلك المكان، ما دفع الفضول ببعضهم للاقتراب مِنّا ومعرفة حقيقة ما يدور، وكان هذا أيضاً من الأمور التي زادت الروابط بين الإخوة وأهالي المدينة، فعندما رأى هؤلاء الصيادون حال الإخوة وما هم عليه من الأمر، رقّوا لحالهم بصدر رحب ووجه طليق، وجلسوا في المسجد، وما أن اجتمع الإخوة هناك حتى كانت قسمات وجوه الصيادين تنمُّ عن استغراب، وتعاطف شديدين، وكأنهم في عالم آخر، فلم يكادوا يصدقوا أعينهم، فكنتُ انظر إليهم وأرى دموعهم تملأ أعينهم.. آنذاك حانت صلاة العصر فأذن أبو عاصم اليمني، وصلينا، وهم معنا، وبعد الصلاة انفض المجلس، وغادر الصيادين المكان عائدين إلى قاربهم الصغير، وهناك صور غريبة لم تألفها أعينهم لم تزل عالقة في أذهانهم، وبعد يومين عاد هؤلاء الصيادين وقاربهم مُحمّلٌ بالفواكه وغيرها، وقد أحضروا معهم الثلج، ولأول مرة في المعسكر نشرب الماء البارد، فكان الإخوة يتلذذون به، وكأنه عصير، أو شراب لذيذ، وهكذا استمرتْ زيارات هؤلاء، فكانوا يرون ما لا يمكن أن يروه في مكان آخر من البلاد، وكأنهم سافروا إلى بلاد أخرى لساعات قليلة، وفي إحدى المرات جاء إلى المعسكر رجل من أعيان مدينة راوة بمفرده، وجلس في المسجد والإخوة من حوله وحاله لا يختلف كثيراً عمن سبقه من الصيادين، وفي المرة الثانية جاء نفس الشخص، ومعه جهاز اتصال، وبندقية كلاشن، تسمى في العراق (ربع أخمص)، فأهدى البندقية لأبي رغد، وأعطى جهاز الاتصال للإخوة، فكان بعضهم يتشوق لإبلاغ أهله بحاله ومكانه، خاصة وقد خرج بعضهم ولم يُبلّغ أهله بنيته أو وجهته، وأذكر أن أبا محجن النجدي أتصل بوالدته، وعاد بعد الاتصال فرِحاً مغتبطاً، وقد أخبرنا بأن أمه ليست حزينة لفراقه، بل أنها سُعدتْ بذهابه إلى الجهاد، وهي تكلمه وتضحك من فرحتها، فكان أبو محجن سعيداً بذلك وقد ارتفعتْ معنوياته كثيراً حتى انه بدون أن يشعر قد أنفلت منه اسم أمه، واسمه هو أيضاً، وكان هذا من المحظورات الأمنية عندنا.

كان الحال فيما يخص الإخوة لا يسير على ما يرام، من أعداد وقلة السلاح، ولكن ذلك لم يكن ليؤثر على نفسيتهم ومعنوياتهم بل العكس، فقد كانوا يزدادون شوقاً للقاء ربهم عز وجل، ويتحرقون لقتال عدوهم والتنكيل به، لذلك كان جو المعسكر مفعماً بالإيمانيات، ومليئاً بمشاعر المحبة والإخوّة في الله، فكانوا على قلب رجل واحد، كيف لا، وهم من هجر الأهل والأحباب، مفضلين رفقة إخوانهم على كل رفيق أو حبيب، يتألم احدهم لألم أخيه، وأني لأقف بحيرة أثناء كتابتي لهذه الكلمات، فكيف يُوصف أمثال هؤلاء، وبأي العبارات يُكتب عنهم، فقد رأيت بعدهم الكثير الكثير من المجاهدين، ورزق الله الشهادة للكثير من أخوة الجهاد ممن صاحبوني من بعدهم، لكن لماذا يظل هذا الفرق الشاسع بينهم وبين الآخرين، ولا أملك من القول إلاّ بأنْ اسأل الله عز وجل أن يجمعني بهم في الفردوس الأعلى كما جمعنا في هذه الدنيا.

__
كنتُ أرى بعض الإخوة وقد تغيرت أحواله، وأصبح وكأنه في عالم آخر، وكأنه يرى ما لا نرى، فهذا أبو مجاهد الشمري عندما رأيته أول مرة حسبتُ أنه يعاني إعاقة في النطق من كثرة سكوته وسكونه، فهو حتى وأن جلس مع الإخوة في مجالسهم يظل محتفظاً بصمته، مع أنه طالب علم لا بأس به، ولكنه كان كبقية الإخوة ممن يشغل وقته بذكر الله عز وجل، وقراءة القرآن..

ويطول الحديث إذا تحدثنا عن أبي محجن النجدي، فهو كان مرحاً جداً، غير أنه بدأ ينطوي على نفسه شيئاً فشيئاً، ويجد الراحة في مناجاة ربه عز وجل، أما أبو رغد العتيبي فقد بدأ يعاني الكثير من التعب، خاصة وأن ساقه لا يزال الألم يعاودها، إلاّ انه لا يفتر عن الحركة شرقاً وغرباً، بحثاً عن كل ما يوفر لأخوته الراحة والسعادة، لا يعرف ليلاً ولا نهاراً، ففي أي وقت يجد فيه ما يخص الإخوة وخدمتهم هرع إليه، غير آبه بآلامه ومتاعبه، وقد أحسست، كباقي الإخوة، أنه لا بد له من أن يستريح، وكنا جميعا نشفق عليه لما يلاقي من مصاعب ومتاعب، ولا يزيد أمره إلاّ شدة وألماً، أما النوم فأصبح لا يعرف إليه سبيلاً، وكان كل واحد يتمنى أن يرفع عنه شيئاً من آلامه، ولكننا كنا نعجز عن ذلك، فقد كان لا يُجارى ولا يُبارى في خدمة دين الله عز وجل، وكان مثالاً نادراً، ونموذجاً فريداً من القادة الناجحين الذين رزقهم الله نعمة البصيرة، فكان يعرف كيف يملك أسباب النجاح، وقلّما رأيت له نظيراً من القادة الذين خاضوا في هذا الأمر في بلاد الرافدين، فألامير الذي يلاقي من التعب أكثر ما يلاقي جنوده ويكون أكثر اهتمامه منصباً في توفير كل ما من شأنه تسيير الأعمال، ومواصلة القتال، وهو أحق من يُولى هذا الأمر، فكان بين الإخوة وكأنه أخوهم الأصغر، أما أبو يونس اليمني فلم يكن حاله يختلف كثيراً عن صاحبه، فقد كان من أفضل الكوادر، وكان قد نفر إلى أفغانستان منذ عام 1998، وله خبرة ممتازة بكل أساليب القتال والأسلحة، وكان مقاتلاً شرساً قلّ نُظرائه، وكان يمتاز بعذوبة الصوت، فضلاً عن تواضعه، وهدوءه، وحبه لأخوته، وكذلك كان أبو رغد يعتمد عليه في كل صغيرة وكبيرة، فهو يثق به أيّما ثقة، وكانت له زوجة، وابنة صغيرة اسمها (رقية) لم تكن لتُقعده عن الجهاد في سبيل الله، فقد كان الدين يشغل أكثر اهتماماته، ولقد أرخص لأجله دمائه وروحه مع بقية الأخوة، وطالما كان يُنشد للأخوة بأناشيده الحماسية، وكلما سمعتُ تلك الأناشيد التي كان ينشدها هو، ترآءتْ صورته وحركته أمام ناظري، لتعود مخيلتي إلى ذلك المحيط الذي كنتُ أعيش فيه، فقد أغناني الله بهم عن العالم بأسره، وكان لأبي يونس اليمني رفيق سار معه الدرب منذ الخطوات الأولى، ألا وهو أبو عكاشة اليمني، ولم يكن أبو عكاشة ليختلف بجلسته ومتعة الحديث معه عن أبي يونس، ولا تكاد تعرف انه أميرهم من شدة تواضعه وصدقه، نحسبه، والله حسيبه، ولا يغيب عن هذا المقام أبو حكيم اليماني، أو (حكيم) كما كنا نسميه، لما يحمل من الحكمة، ورجاحة الرأي، ناهيك عن العلم الشرعي، وكان عمره يناهز السابعة والعشرين، وقد كان مدرّساً في أحد المعاهد الشرعية، وبلغني عن أحد الإخوة الذين درسوا في ذلك المعهد أنه يقول دخلتُ إلى غرفة أبي حكيم، فرأيتُ مكتوباً على الجدار(هذه غرفة أبو حكيم الذي يعشق الحور العين)، فكان الحال كالمقال، وكان حاضراً في كل صغيرة وكبيرة مع الإخوة، وكانوا يهرعون إليه في كل مسألة، شرعيةً كانت أو شخصية، وكانت روح الدعابة والطرفة حاضرةً فيه، مما شد الإخوة إليه وزادهم تعلقاً به، ولم يكن ذا جسم جسيم، بل كان ضعيف البُنية، قوي الإيمان، صلب الإرادة، وكان من أكثر الناس حرقة وحرصاً على دينه، أما أبو العباس المالكي فكانت له مكانة خاصة في نفوس الإخوة جميعاً، بالرغم من أنه لم يتجاوز الخامسة والعشرين من العمر، أو أقل من ذلك، إلاّ أن رأيه سديد، وكان بديناً جداً حين التحاقه بالجهاد، فكان أبو رغد يُشدّد عليه في التدريب، أكثر من بقية الإخوة، فكان يضغط عليه في اليوم ألف ضغطة مع قلة الطعام، ولذلك كان وزنه يقل بشكل واضح، فما هي إلا أسابيع قليلة حتى أصبح جسده معتدلاً، وكان يعشق الـ(RBG) عشقاً، فلا يفارقها، ولا تفارقه في كل الأحوال، وكان قوياً في تأويل الرؤيا، خاصة وأن الأخوة كانت لهم رؤى عجيبة، لا تعدو كثير منها عن البشرى بالشهادة، وتحذير من أمر ما، أما أبو سليمان النجدي، ذلك الأخ الذي مهما كتبت فلن أمِلَّ ذكراه، وليت لي نصيباً وافراً من دقة الوصف، وحسن التعبير، كي أجزل له العطاء من المدح والثناء، وكان من أقرب الإخوة إلى قلبي، ولما رأيته أول مرة، اُلقي في روعي أني اعرف هذا الشخص معرفة أكيدة منذ مدة بعيدة، إلاّ أن ذاكرتي لا تسعفني لتذكّره، إلاّ أن ذلك كان احتمالاً بعيداً كل البعد، ولم يفارقني ذلك الشعور طيلة كوني في المعسكر، وفي أحد الأيام، وبينما هو وبعض الإخوة يصلون المغرب، كنتُ بقربهم وعيناي لا تفارقان وجهه وحركاته، فلما انتهى من الصلاة أنتبه لأمري، فقال لي لماذا تنظر إلي هكذا، فقلتُ له: والله يا أخي منذ أن رأيتك أول مرة شعرتُ بأني أعرفك منذ زمن بعيد، فضحك وعجب لقولي، فقال: (والله أني كذلك منذ رأيتك أول مرة، أحسست بأني أعرفك منذ أن كنتُ في بلادي) فقلت له: أن هذا لا يعدو تصديقاً لحديث النبي، صلى الله عليه وسلم (الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ءإتلف، وما تناكر منها اختلف)، فلله درك يا أبا سليمان، كم هو مُرّ فراقك، وكم هي الحياة لا تستحق أن نحياها وقد فارقها صحبة الخير، ورفقة الجهاد، فوالذي نفسي بيده لا تُشوقني الحور العين إلى الجنة، مهما بلغ وصفها، وليس زُهدا فيها، بقدر ما يُشوقني لقاء الأحبة محمداً وحزبه وثلة الخير المباركة تلك، واني لأنتظر ذلك اليوم الذي يعود فيه اجتماعنا سوية، في خير دار، وعند خير جار، حُسن ظنٍ بالله عز وجل، واني لأحتار ويدور فكري في حلقة مفرغة، فعمّن أكتب، وأي شيء أكتب، فهل لي من الخيال، وحسن المقال ما يستوعب ذلك الحديث عن أولئك الشهداء، ولا زلتُ أقول في نفسي، ترى ما حكمة الله من أن رزقني صحبة هؤلاء، وما الحكمة من بقائي بعدهم، دون أنيس منهم، وأيضاً دون جواب يروي ضمأي, فليت الغضا لم يقطع الركب عرضه، وليت الغضا ماشي الركاب لياليا.

ولا أبرح هذا المقام حتى أعرج على ذكر من أقيم على أكتافه، كبقية الأخوة، أول معسكر للمجاهدين في بلاد الرافدين ألا وهو أبو دجانة اليمني الذي لم أرَ له مثيلاً بهدوئه وسكينته، فكان الوقار تاجاً يتحلى به في الدنيا، فكيف به بتاج الوقار هناك، هنيئاً له، وهنيئاً لأُمٍ وأمة أنجبت هكذا رجل، مفخرة في الدنيا، ومنجاة في الآخرة أن شاء الله تعالى..

كان أبو دجانة كثير الصمت، هادئ السمت، أسمر البشرة، كثير العبَرة، يحفظ كتاب الله، وبعض كتب الحديث، وهناك أيضاً أبو عاصم اليماني فكان كأبي دجانة، وكانت له مكانة مميزة لدى سائر الإخوة، لِما له من ظل خفيف، وأسلوب لطيف، فيا لعذوبة ذلك الصوت، فوالله لم اسمع في حياتي صوتاً يصدح بالآذان أجمل من صوت أبي عاصم، ولم أسمع في حياتي أجمل من قراءة أبي دجانة دون ميل في الرأي، وحينما أعرج على سيرة الأخوة فلابد أن أتوقف عند أبو دجانة الجزائري الذي كان مستنير الوجه، شديد الأتباع لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، كثير العبادات، لا يتكلم إلاّ بالعربية الفصحى، وله نصيب وافر من العلم الشرعي، وكان ممن وصل إلى الفلوجة أيام الحرب الأولى، وبعد الاحتلال كان قد بقى مع بعض الإخوة عند أبي وقاص الفلوجي، فأصطحب أحدهما الآخر غرباً، ليجتمع شملهم بالإخوة في القائم، ومن ثم إلى راوة، وكان يُكِنُّ حباً شديداً للأخوة، فهو عطوف جداً، وكان لا يُبارى في الركض، فقد كان أسرعهم جرياً، واذكر له موقفاً قال فيه أنني أتمنى الزواج في حياتي، لا رغبة، أو شهوة، ولكني أحب أن يكون لي ولد يُبقي ذكري في الدنيا بعد موتي، وكم تحزنني هذه العبارة كلما تذكرتها، ولكني اسأل الله عز وجل أن يخلد ذكره في هذه القصة، أو غيرها لعلها تحقق شيئاً من أمنيته، ولا أدري أي سبب يجعلني أرى صورته في مخيلتي كلما ذكرتُ أذكار الصباح والمساء دون بقية الإخوة، وأتذكر انه قد جلس يوماً وأطال الجلوس وهو يكتب وصيته على أوراق صغيرة، وكلما كُلِف بعمل أنجزه، وعاد لكتابة وصيته، فكنت أقول في نفسي من سيوصل وصيتك إلى أهلك يا أبا دجانة، وسبحان الله الذي لا تعلم نفس بأي أرض تموت، إلا بتقديره وحكمته.

أما أبو الزبير التبوكي فلا يغيب عن ذهني أبداً صوته الخافت وعذوبته وهو يتلو آيات الله في المسجد حين فراغه، وكان متعصباً بعصابة سوداء طيلة يومه وليلته، لا يكاد ينزعها عن رأسه، وكان من أهل الرأي في المعسكر، وينوب أبا أسامة الزهراني إذا غاب عن مجموعته، وكان مرحاً، طيب الحديث، وممن يتقدم الإخوة في الأعمال والتدريب، كنت أتحدث إليه طويلاً في شتى الأمور، وكان هو كذلك يحب الحديث معي خاصة، وهو يحب أن يعرف الكثير عن أحوالنا قبل بدء الحرب، وكم يحز في نفسي وأتألم وأنا أتذكر معاناته، أما أبو خالد الأردني فكم كنت أعجب لهذا الرجل الذي لا يفتر عن صوم يوم وإفطار يوم، وفي أي من تلك الأيام لا يدخل جوفه سوى التمر والخبز والشاي، فمهما تنوع طعامنا لم أره يوماً ذاق غير طعامه المألوف، حتى أن أبا رغد كان يطلب منه، ويُلح عليه بأن يأكل شيئاً من طعامنا فلا يفعل ذلك، وكان رحمه الله من أكثر الإخوة نشاطاً في التدريب بالرغم من صيامه، وكان مولعاً بحمل سلاح الـ (آر بي كي) الثقيلة نوعاً ما، وكان طيباً إلى أبعد الحدود.

في تلك الفترة بدأ خبر المعسكر شائعاً ومعروفاً نوعا ما لدى أهالي مدينة راوة، وكان موقف الإخوة محرجاً للغاية، فالإجراءات الأمنية لا تسمح بمثل هذا الأمر، إلاّ إنه لا حيلة لهم ولا حول ولا قوة، فهل من المعقول أن يقوم الإخوة وهم غرباء بتأمين مأوى ما يزيد على الأربعين أخاً بسلاحهم، مع تأمين احتياجاتهم، إلاَ أن أهالي المدينة كانوا متعاطفين جداً مع الإخوة، مع إن القلة القليلة كانت تزورهم هناك، كصيادي الأسماك الذين ما زالوا يكررون زيارتهم إلينا، وفي غمرة تلك الظروف الصعبة جاءنا خبر نزل علينا كالصاعقة، فبينما كان أبو رغد يسبح في نهر الفرات، قُبيل صلاة الظهر، وكنتُ بقربه أقوم بغسل ملابسه بعد إلحاح مني شديد، جاء أبو أحمد إلى المعسكر ووقف في المركز والإخوة مجتمعين في المسجد، فسألهم عن أبي رغد فأخبروه إنه في النهر، وكانت قسمات وجهه تنبئ بأمر سيئ، فهرع أحد الإخوة إلى النهر لينادي أبا رغد، فخرج من النهر وصعد إلى المعسكر، متكئاً على كتفي، ولما وصل انفرد به أبو أحمد، فحدّثه بحديث ليس بالطويل، فإذا بوجه أبي رغد يتغير لونه وتبدو عليه علامات الحزن والاضطراب، وما هي إلاّ لحظات حتى عرف الجميع بالخبر الذي لم يكن ساراً، ألاّ وهو إن أبا أسامة الزهراني أُسر مع عشرة من الإخوة، فحدثت جَلبَة، وأثّرتْ في نفوس الإخوة جميعاً، فما ترى فيهم وجهاً مستبشراً، أو ثغراً باسماً، فأنفرد أبو رغد بأبي العباس المالكي وأبو يزيد العتيبي، وكان أبو أحمد لم يزل واقفاً في المسجد، وبسرعة لا تعرف التردد عاد أبو رغد للأخوة يُصبّرهم، ويُصبّر نفسه على هذا المصاب الجلل، إلاّ إن العواطف لا يمكن لها ان تتحكم بمجرى الأمور في اللحظات الحرجة وبسرعة غادر أبو رغد مع أبو قسورة السوري وأبو العباس المالكي وأبو وقاص الفلوجي متوجهين صوب المدينة التي يقيم فيها أبو نسيم ليلتقوه.

بعدها عاد أبو رغد رحمه الله إلى المعسكر ليواصل مسيرته ويشق طريقه مع الإخوة إلى الجنة ذلك الطريق الذي حُف بالمكاره، وهنا لا يغيب عن البال ومما تجدر الإشارة إليه ان أبا محمد اللبناني كان قد غادر المعسكر في تلك الفترة، وكان غيابه مفاجئاً ودون أن يعلم أحد منا بذلك سوى أبو رغد وبعض الإخوة، لذلك فأنه لم يكن حاضراً في تلك الإحداث إلاّ إنه لم يكن بعيداً عنها، وكذلك فإنه لم يطل غيابه فكان مُلماً بكل هذه التفاصيل.

حينها كنتُ أريد أن أعود إلى منطقتي بأسرع وقت، والتي يقيم فيها أبو نسيم، لأجلس معه كي أستفسر منه عن بعض الأمور التي تتعلق بالمعسكر ومستقبله، مع أني لا يطيب لي الخروج من المعسكر وفراق الإخوة، ولو لساعات، إلاّ إن ما كان يدور حولي من الأحداث كان يثير شجوني من حال الأخوة، فلا أملك أن أقف متفرجاً، لذلك قررتُ العودة إلى مدينتي للقاء أبي نسيم، ومن ثم أرجع سريعاً إلى المعسكر، وكنت أنتظر فرصة سانحة للنزول، إلاَ إنه لم يأتي أحد من المدينة وكذلك أبو رغد لم تكن له حاجة للذهاب إلى هناك كي أرافقه، وفي أحد الأيام جاء أبو احمد إلى المعسكر قبل الظهر لأمرٍ ما، فأخبرته برغبتي بالذهاب معه إلى أبي نسيم، فلم يمانع، وأخبرني بأنه سيغادر بعد صلاة الظهر، فبقينا قبل الصلاة في النهر، ثم عدنا للمسجد وبقينا جالسين حتى صلينا الظهر، إلاّ إن أبا احمد لم يرغب بالذهاب، لذلك تأخرنا لغير سبب حتى بعد العصر، فقرر أبو أحمد عندها الذهاب، وعندما غيرتُ ملابسي وتركتُ سلاحي وأودعته المخزن، وعدتُ كما لو أنني لازلت طالباً في الجامعة، ودعتُ الإخوة، وقلبي يعتصر ألماً لفراقهم، ولولا تراكُم الأحداث التي كانتْ تجري بلا حُسبان لما فكرت بالعودة لمدينتي مرة ثانية، فمنذ اللحظة الأولى التي وطِئت بها قدماي أرض المعسكر، ومنذ النظرة الأولى التي وقعت بها عيناي على الإخوة، قررت عدم العودة ثانية إلى المنزل مهما كَلّف الأمر، واحتسبتها هجرة في سبيل الله.

على كل حال صحبتُ أبا احمد في طريق العودة حتى وصلنا المدينة ليلاً، وترجلتُ من السيارة قبل أن أصل إلى المنزل بمسافة، فقد كانت الحركة ليلاً قليلة جداً، بل معدومة في تلك الفترة التي تلت الاحتلال، فطرقتٌ باب منزلنا، وفُتح لي الباب، واستقبلني الأهل بذهول، فلم يكن أحد يعرف وجهتي، وسبب غيابي عن المنزل، سِوى أمي وأبي، خاصة وأن الحياة لا زالت شبه متوقفة، فلا مدارس، ولا جامعات، ولا دوائر حكومية، ولا زالت الحياة مُبهمة للجميع, ولا حاجة لتفصيل موقف أهلي مما يجري لي، لأن كل ما حدث كان بعيداً عن تصورهم، خاصة وأنهم لا يعلمون بأني كنت خارج المدينة.. بعدها انتظرت الصباح بفارغ الصبر، وما إن أشرقت الشمس حتى ذهبت إلى أبي نسيم وألتقيته في منزله الجديد، فقد ترك منزله الأول لكثرة المترددين عليه خشية الشبهة، فجلستُ معه وقتاً طويلاً، وكان وقتها يفكر في تأسيس معسكر ثان.

وقتها التقيت بالإخوة الموجودين عند أبو نسيم، وكان عددهم خمسة، إضافة إلى صبي معهم لا يتجاوز عمره الرابعة عشر كان اسمه(عبدالقادر السوري)، وكان أمر هذا الصبي عجيباً، فبالرغم من صغر سنه إلاّ انه كان فطِناً، حذِقاً، مدركاً لكل ما يدور حوله، وعند عبدالقادر نقف وقفات، نسكب عندها الدمع والعبرات، فقد كان رجلاً في أثواب صبي، وأعجب العجب، وأغرب الغرائب كيف أن صبياً في الرابعة عشرة من عمره ينفر للجهاد في سبيل الله، لما يرى من هوان أمته، وتكالب الأعداء عليها، مع أنه ليس ذو علم أو معرفة واسعة بأمور دينه، وما يدعوك للضحك والبكاء في آن واحد هو أن الرجال الذين يُعوّلُ عليهم في مثل هذه الأمور، ومن تتعلق فيهم آمال الأمة، تجدهم نيام، لا تحركهم رؤية الدماء، ولا الأشلاء، ولا يهمهم انتهاك الأعراض في طول البلاد وعرضها، شغلتهم الدنيا عن الآخرة.

وأجمل ما في عبدالقادر هو همته العالية، وإصراره على البقاء في ارض الجهاد، وما يجب الإشارة إليه أن أبا نسيم قد أعاد عبد القادر إلى أهله ثلاث مرات، فلا يكاد يصل حتى يقفل راجعاً، عابراً الحدود لوحده، ليعود إلى حيث الإخوة حتى إنه في إحدى المرات عاد ليجد أهله يقيمون مجلس عزاء له، بسبب وصول أنباء إليهم بأنه قتل في العراق، وتجدر الإشارة أنه في أول دخوله العراق دخل إلى مدينة الفلوجة مع أفواج المقاتلين العرب الذين شاركوا القوات العراقية في كثير من المعارك، وبعد نهاية الحرب، وانكسار الدولة العراقية، استقر عبدالقادر في الفلوجة عند بعض الإخوة كانت بينهم وبيننا علاقة، فأرسلوه إلينا فيما بعد.

كان يقطن مع عبدالقادر أبو أيمن الدمشقي، وأبو مصطفى السوري، و(أبو عبدالله وأبو عبدالرحمن) وهما أخوين توأمان من سوريا وآخرُ رابعاً.

أما أنا فبقيت على حالي لمدة أسبوع تقريباً، وبدلاً من جلوسي في المنزل، وتضييع وقتي، ذهبتُ مع الإخوة إلى معسكرهم الجديد، لحين توفر سيارة تُقلني إلى المعسكر الأول عند إخوتي الأوائل، وكذلك طمعاً مني لأنال أجر صدقة جارية في ترتيب أولى خطوات المعسكر الثاني، وما هي إلاّ ساعات بعد بدء المسير حتى نزلنا في وسط الطريق، لصلاة العصر مع الحاج حسن عارف الذي كان برفقتنا هو الآخر، ثم واصلنا بعدها المسير لنصل إلى غايتنا، وقد نزلنا وأنزلنا معنا إغراضنا مع بعض البنادق، ومن ثم غادرنا الحاج حسن رحمه الله وبقينا نحن الثمانية في ذلك المكان الخالي من السكان، فبدأنا بترتيب أمورنا فيما يخص تنظيف المكان وطبخ الطعام وغيرها من أساسيات المعسكر، وبالطبع قمنا بتنظيم جدول للحراسة الليلية وكان كل اثنين يحرسون سوية لمدة ساعتين، وفي الصباح، وبعد صلاة الفجر وحلقة التحفيظ، نهض الإخوة للتدريب، ولم أستطع أن أكون معهم لبعض الآلام.

وفي ذلك اليوم جاء بعض الإخوة، جالبين معهم بعض الأغراض، وليتابعوا عملهم الجديد بعد فك ارتباطهم بالمعسكر الأول، وشيئاً فشيئاً بدأت الأعداد تتزايد، وبدأ الأمر يأخذ طابعاً أكثر تنظيماً، وكلما مضى عليّ الوقت يزداد شوقي إلى الإخوة في المعسكر الأول، وانتظر الساعة التي سأعود فيها إلى هناك، مع أن الإخوة في المعسكر الثاني لا يقلون شأناً عن الإخوة في المعسكر الأول، إلاّ أنه كم من منزل يألفه الفتى، ويبقى الحنين لأول منزل!

وكما ذكرنا سابقاً بأن أبا محمد اللبناني كان قد غادر المعسكر الأول لسبب غير معروف لدى الإخوة، إلاّ إنه كان مُكلفاً بأمر معين، وبعد أيام قلائل من استقرارنا في ذلك المكان، جاء الخبر بقرب وصول دفعة أُخرى من الإخوة الجدد، فأخذنا ننتظرهم بفارغ الصبر، وفي اليوم التالي، وعند الظهيرة، بُلَّغنا بأنهم سيصلون بعد سويعات، وما هي إلا فترة بسيطة حتى لاحت لنا سيارة بيضاء تقلهم، فبدأ الإخوة ينزلون من السيارة، ونحن نمعن فيهم النظر، وكان كل هؤلاء الإخوة من الشام ومنهم أبو ثابت وأبو الفداء وأبو عمر وأبو سلمة وأبو مصطفى وأبو قتادة، إلا أن واحداً من هؤلاء الإخوة الجدد، كانت عيني وفكري لا يفترقان عن النظر إليه والتمعن فيه، بين مستغرب، ومتعجب لحاله، ألاّ وهو (أبو سهيل اللبناني)، فقد كان شديد بياض البشرة، وكان صبياً صغيراً لا يتجاوز عمره الرابعة عشر، لا تكاد تسمع له صوتاً، لقلة كلامه، وشدّة هدوءه، وأجمل شيء هو المصحف والسواك اللذان يبدوان من جيبه العلوي، فكنت أراه ذاهباً وآيباً وهو يُنزل أغراضه من السيارة، محتفظاً بهدوء وسكينة وكأنه ابن الأربعين عاماً، وبعد نزول الإخوة جميعاً سلمنا عليهم وكان استقبالنا لهم حاراً، وبعد فترة بسيطة جاءت سيارة أُخرى تقل بعض الإخوة، وما فاجأني في تلك الأثناء هو رؤية الأخ العزيز جداً (أبو محمد اللبناني)، وقد رأيته للمرة الأولى بعد غيابه عن المعسكر الأول.

بعدها جلس الجميع في إحدى الغرف فعرّف كل واحد بنفسه للإخوة، ودار حديث لا يخلو من الطرافة واللطافة، استنتجتُ من بعض عباراته بعض ما خفي عني، فعرفتُ سبب غياب أبو محمد اللبناني، فقد غادر ليجلب معه بعض رفقاء الدرب، ليغترفوا من هذا الخير وهبة الله للأمة في هذه الديار، إلاّ أن أكثر ما أثار إعجابي واستغرابي هو اكتشافي بأن الصبي(أبا سهيل) إنما هو(محمد أبن أبي محمد اللبناني)، وبالطبع لم يُصرّح أحد بذلك، إلاّ إنه استنتاج كان في محله، بعد ذلك جلس الإخوة لوجبة الغداء، ولم يكن للمعسكر الثاني نظام تغذية صارم، كما في المعسكر الأول، وكان المكان مليئاً بالحركة والحيوية في سبيل ترتيب الأوضاع للشروع في العمل الأساسي للمعسكر ألاّ وهو التدريب العسكري، واستجلاب المزيد من المقاتلين لتدريبهم، ولم ينقض يوم أو اثنين إلاّ والإخوة كانوا قد بدأوا بترتيب الأعمال وكل ما يتعلق بنظام المعسكر، فكان أشبه ما يكون بخلية نحلٍ دؤوبة الحركة.

في غضون تلك الأحداث المتسارعة كان الإخوة في المعسكر الأول قد قرروا البدء بالعمليات ضد الأمريكان، متخطين بذلك كل الصعوبات التي تقف في طريقهم، خاصة وأن الإخوة قد ضاقوا ذرعاً بالبقاء دون قتال، وأعداء الله يسرحون ويمرحون في الأرض، وفعلاً قد وفقهم الله عز وجل في ثلاث عمليات مباركة، زرعت التفاؤل في قلوب الإخوة، وأربكت عدوهم وقطعت عليه أحلامه الوردية.

وكانت هذه العمليات قد تم تنفيذها قرب مدينة حديثة، فقد ارتأى أبو رغد أن تكون هذه العمليات بعيدة عن منطقة المعسكر، حفاظاً على وجود المعسكر واستمراريته بقدر الإمكان، وكذلك بعيدة عن مدينة القائم نظراً لموقعها الإستراتيجي، وقد أدخلت هذه العمليات الفرحة إلى قلب كل غيور، فلم يسبق للأمريكان أن تلقوا أي ضربة في ذلك الوقت، فهي من أوائل العمليات الجهادية في العراق حتى أن الأمريكان قد أزالوا كل اثر لآلياتهم المحترقة لأنهم لم يعتادوا بعد على ما يكسر هيبتهم المزعومة، وكما كانت هذه العمليات ذات أثر كبير على الأمريكان، كذلك كان لها أثر كبير في نفوس الإخوة فقد بدأت مرحلة جديدة في المعسكر، وبدأت معها معارك الحرب الفعلية وأيام الجد والجهاد في بلاد الرافدين.

عاد أبو محمد اللبناني إلى المعسكر الثاني وكنتُ حينها هناك، وكان الإخوة في المعسكر الثاني مستمرين بمنهجهم التدريبي، وفي اليوم التالي وعند المغرب جاء أبو أحمد برفقة أحد أبناء المنطقة من إخوة الجهاد إلى المعسكر جالباً معه بعض الأغراض والفواكه، وبعد المغرب توجه مباشرة إلى المعسكر الأول، الذي بات يسمى بمعسكر (المأسدة) بعد تلك العمليات الجهادية، فما كدتُ أصدق ذلك إذ صحبته عائداً إلى الإخوة، حيثُ الحياة الحقيقية، بعد أسبوع من الغياب.

استمرت السيارة بالمسير، تلتهم الطريق أمامنا، وتشق الظلام بمصابيحها، فأخذنا نقترب شيئاً فشيئاً من المعسكر، وما حلّت علينا الساعة الواحدة ليلاً إلاّ ونحن على مشارف المعسكر، فما شعرنا إلاّ وثلاثة من الإخوة ينقضون علينا، ليستبينوا شأن تلك السيارة، وهؤلاء هم أبو تمام اليمني وأبو خطاب الليبي وثالثهم أبو خطاب الشمري، ودون شعور مني نزلتُ من السيارة فاحتضنتهم واحداً واحداً، وبعد كلمات ترحيب قليلة وحارة عُدنا للسيارة وتوجهنا إلى المركز لنجد أبو كنعان اليمني جالساً هناك، فنزلنا من السيارة، وأنزلنا كمية من الفواكه جلبناها معنا للإخوة، ثم جلسنا قليلاً نسلم على الإخوة، وقد كان أبو الفتح السوري راقداً على سرير قرب المسجد، فسلمتُ عليه، ولاحظتُ عليه آثار المرض، فأخبرني بأن عقرباً لدغته، بعدها أذنت للصلاة، وصلينا أنا وأبو أحمد وصاحبنا الثالث، وبعد الصلاة جلس أبو احمد مع أبو كنعان اليمني بينما خرج أبو مالك الطائفي وقد أيقظه صوت الآذان، ظناً منه أنه آذان الفجر، فسلمتُ عليه، وسألته عن سبب وجوده في غرفة أبي رغد، فأخبرني بأنه مريض أيضاً.

بعدها عدتُ وجالستُ أبو كنعان وأبو احمد، وسأل أبو احمد عن أبي رغد، فأخبره أبو كنعان بأن أبا رغد قد صحب عدداً من الإخوة وذهبوا ليستطلعوا الطريق علّهم يجدون دورية أميركية ليقوموا بضربها، ولم تمض ساعة من الزمن حتى جاء أبو رغد والإخوة معه، فسلمتُ عليهم، والشوق في صدري أحرقني لفراقهم.

وهكذا أصبح الصباح الذي اعتدتُ أن استفتحه بوجوه الإخوة النيرة، وكان هذا الصباح حافلاً بالاستقبال الحار، والترحاب، وفرحة الاجتماع ثانية، إلاّ أني لاحظتُ أمراً هو ان المسجد قد ارتفع سقفه، وترتّب، فسألت عنه، فقالوا لي بأن أبا عبد الله العتيبي قد قام بهذا العمل قبل ذهابه إلى الفلوجة، فقلتُ لهم: اوَ ذهب أبا عبد الله إلى الفلوجة؟! فأخبروني بأن أبا عبد الله العتيبي وأبو عكاشة اليمني قد ذهبا إلى الفلوجة ليجلبوا لنا كمية من الأسلحة قد جمعها لنا بعض الإخوة عن طريق الأخ عمر حديد، فحزنتُ لعدم وداعهما، وكنتُ قد جلبتُ معي بعض الإغراض لأبي عبد الله اليمني، فلما لم أجده أودعتهما عند أبي رغد، وفي ذلك اليوم كان لدينا عمل جديد ألاّ وهو نقل أغراض المركز مع بعض الأسلحة إلى موقع مجموعة أبي عكاشة اليمني، فبدأنا بنقل بعضها، بينما كان بعض الإخوة يحفرون الخنادق في موقع أبي عكاشة لخزن الأسلحة فيها، وكان هذا الأجراء بسبب شيوع أمر المعسكر نوعاً ما، لذا أردنا ان نختصر الكثير من حركتنا داخل أرض المعسكر تمهيداً لترك الموقع، دون تحديد وجهة معينة لذلك، فقد كان المستقبل أمامنا مجهولاً جداً.

كان الإخوة مثابرين كخلية نحل لا تعرف الفتور، مستمرين بنقل السلاح والأغراض لموقع مجموعة أبي عكاشة، ولم يَحِن وقتْ المغرب حتى لاحتْ لنا من بعيد سيارة متوجهة نحو المعسكر فأرتقبناها لنرى ما ورائها من الأخبار، وقد أصبح مألوفاً لدينا في تلك الفترة أن تأتينا الوفود من أهالي راوة، ولما حلّت السيارة في المعسكر قرب المركز استقبلهم بعض الإخوة منهم أبو الزبير التبوكي، فكان من هؤلاء الضيوف بعض وجهاء المدينة فجلسوا مع الإخوة يتبادلون الحديث فعرض هؤلاء الضيوف المساعدة في كل ما يحتاجه الإخوة في المعسكر، وقد كانوا يتحدثون مع الإخوة وأعينهم تفيض من الدمع لما رأوا من حال الإخوة وبذلهم الغالي والنفيس في سبيل هذا الدين، وبعد غروب الشمس ولما أرادوا الرجوع إلى المدينة همس أحدهم في اُذن أبي الزبير التبوكي قائلاً له: (والله أننا ما جئنا إلاّ لنطلب منكم أن تتركوا هذه المنطقة خوفاً على أنفسنا، ولكننا لما رأيناكم غمرنا الحياء منكم لما عليه حالكم ورقّت لكم قلوبنا، فوالله إنكم لفي أهلكم ودياركم، ولكم منا ما اشتهت أنفسكم)، فسبحان الله كيف شرح الله صدور هؤلاء القوم لمجرد رؤية هذا النموذج البسيط من صفوة الأمة، فقد رأوهم على أرض الواقع كما أحبوا، وكما أحب لهم ربهم، جل وعلا، إلاّ أن أمراً شغل بال الإخوة، فقد ذكر أحد هؤلاء أن قناة الجزيرة الفضائية قد عرضت بالأمس أن اثنين قد قُتلوا أثناء اشتباك مع القوات الأمريكية قرب الفلوجة، ومعهما سيارة “بيك آب” نيسان فوصفوا هؤلاء الاثنين فكان الوصف مطابقاً للأخوة أبي عبد الله المدني كما نسميه وأبي عكاشة، فكان لهذا الخبر أثراً في أنفسنا، فلأول مرة تُزف إلينا بشرى الشهادة لبعض إخواننا بالرغم من أن الخبر لم يتأكد بعد مئة بالمائة، وقد كان أغلب الإخوة تغمرهم الفرحة لذلك دون أن تبدوا عليهم علامات حزن أو غيره أو مما يشير إلى تكدر خاطرهم، وكنت أنظر إليهم بكل دهشة واستغراب، فلأول مرة أرى اُناساً يستقبلون خبر الموت بفرحة شديدة، وما ذلك إلاّ لأن الشهادة هي أسمى أمانيهم، فمن أجلها جاءوا، فليس من المعقول أن يحزنوا إذا ما نالها أحد منهم، وهكذا بتنا ليلتنا ونحن ننتظر الصباح بفارغ الصبر، لنتأكد من هذا الخبر، فما أصبح الصباح حتى أرسلني أبو رغد، أنا وحكيم، وأبو وقاص الفلوجي، وأبو القعقاع الأردني إلى المدينة لنتصل بالفلوجة ونتأكد من حقيقة الأمر، وفعلاً أتصلنا وجاءنا الخبر كما هو، مقتل إخوتنا، فمررنا بعدها إلى السوق، وقمنا بشراء بعض الحلويات والعصير، ثم قفلنا راجعين إلى المعسكر، وما أن اقتربنا من الإخوة حتى أخرج أبو حكيم اليمني بندقيته من نافذة السيارة وأطلق بعض الرصاصات، في إشارة لتصديق الخبر، وفرحته بذلك، وعندما وقفت السيارة عند المركز، تجمع الإخوة حولنا ليسمعوا منا، فقال لهم أبا حكيم: أبشروا يا إخوة، ابشروا فقد اصطفى الله أخويكم شهداء عنده أن شاء الله، وقد أثخنوا بعدوهم قبل مقتلهم، فأسقطوا لهم طائرة، وأحرقوا آليتين).. فما عدنا نسمع سوى التكبير، وإطلاق الرصاص.

وقام الإخوة بتوزيع الحلوى والعصير ابتهاجاً باستشهاد أخويهم في سبيل الله، غير أن أبا العباس المالكي قد أجهش بالبكاء حزناً عليهم، وقد فُوجئنا بموقفه ذلك، أما أبو يونس اليمني والذي كان أكثر المتألمين لفراق أبي عكاشة رحمه الله، كنا نرقب عينيه فنرى فيهما حزناً عميقاً، إلاّ إنه لم يشأ أن يبكي أمام الإخوة، أما بقية الإخوة فكان موقفهم مليئاً بالمشاعر لا يوصف، لما فيه من عمق المحبة في الله، وصدق النية، نحسبهم والله حسيبهم، ولم يمرّ في حياتي مثل هذا الموقف من شدّة ما رأيت من صدقهم، وكيف أيقنوا بأن الحياة الحقيقية هي في الجنة، لا في سواها، فيفرحون لمن اصطفاه الله لهذه المنزلة، وما هذا إلاّ لصدقهم في طلب الشهادة، وهكذا استقبل الإخوة أولى بشارات الشهادة، ليفتتح أبا عبد الله وأبو عكاشة، رحمهما الله، أول القافلة المباركة، من قوافل الشهداء في بلاد الرافدين.

__
عاد الإخوة ليواصلوا برنامجهم اليومي دون أن يؤثر رحيل رفاقهم (أبو عبدالله المدني وأبي عكاشة اليمني) على سير العمل، مع أنهم كانوا من أهم الكوادر في المعسكر، فواصلنا نقل كافة أغراضنا إلى موقع أبي عكاشة اليمني رحمه الله، وعند المغرب وبينما كان الأخوة يتعاونون على إنزال صندوق يحتوي على صواريخ(RBG) من السيارة التي ترتقي إحدى المرتفعات، سقط أبو العباس المالكي على ركبتيه، فلم يستطيع الوقوف بعدها على ساقيه، لذلك أضطر إلى استخدام عكازين كانتا في المعسكر، فما عاد يتحرك بدونهما، وفي اليوم التالي كان الإخوة جالسين في المسجد صباحاً ومعهم أبو رغد العتيبي وأبو يونس اليمني، وكانوا يذكرون مناقب الإخوة ويثنون عليهم، عندها قال أبو كنعان بأن أبا عكاشة قال له: (والله لو قتل أبو يونس فلن أبتسم بعدها أبداً)، فما كان من أبي يونس اليمني إلاّ أن ينسحب من المسجد ويذهب وراء المركز وأخذ يجهش بالبكاء، فلم يستطع ان يكبت مشاعره أكثر من ذلك!
في ذلك اليوم قلت لأبي رغد (لم لا نكتب الراية السوداء ونرفعها في المعسكر)، فأستحسن الفكرة وأبلغني أن أباشر بها، وعند العصر وبينما كان الإخوة منهمكين بترتيب بعض الأمور في موقع أبي عكاشة رحمه الله كنتُ أنا منهمكاً بكتابة الراية على قطعة قماش سوداء، وكانت الكتابة باللون الأبيض، وفي هذه الأثناء كان أغلب الإخوة قد عادوا للمركز، ولم يبق معي سوى أبو بلال الكربولي، حينها سمعنا أصوات الإخوة في المركز وقد علت بالتكبيرات، ما أثار استغرابنا لذلك، فعلمنا أن هناك أمراً ما قد طرأ على الإخوة، ولا بد أنه أدخل إليهم الفرحة، فأكمل أبو بلال الكربولي ما في يده من الأعمال، ثم توجه إلى المركز، وبقيتُ أنا لوحدي في الموقع لأضع اللمسات الأخيرة على الراية، وبالطبع كانت الراية عبارة عن قطعة قماش سوداء مكتوب عليها بالأبيض (لا اله إلا الله محمد رسول الله) والسيف من أسفلها، وعندما أكملتها توجهت صوب المركز، وفي تلك اللحظة جاء أبو صقر اليمني مع أحد الإخوة بسيارة (الدانيا) البيضاء إلى الموقع لأخذ بعض الأغراض، فركبتُ معهم السيارة متوجهين نحو المركز، فركبتُ أنا في الحوض الخلفي وبقيتُ واقفاً أثناء سير السيارة، وقد أمسكتُ بطرف الراية بيدي وهي تُرفرف، فكان المنظر لا يوصف لروعته، غير أن الطريق بين موقع أبي عكاشة والمركز عبارة عن أودية لذلك، فقد سلكتْ السيارة طريقاً آخر يمر بمحيط المعسكر، وكانت تلالاً صغيرة تحجب السيارة عن المركز، وبينما كنا نسير نحو المركز والراية ترفرف فوقها كان أبو دجانة الجزائري جالساً فوق إحدى المرتفعات برفقة الأخ الذي في واجب الحراسة، فنزل أبو دجانة ليستقبل السيارة فلما وصلنا إليه وقفتْ السيارة، فركب معي مباشرة وهو مندهش جداً لمنظر الراية وعينه مليئة بالدمع، فقد وقعت في نفسه أي موقع، وعندما ركب معي أمسك كل واحد منا بطرف الراية ورفعناها فوق قمرة السيارة، واستمرتْ بالمسير وقد كنا نمشي بمنطقة منخفضة والمركز في منطقة مرتفعة قليلاً، لذلك لم تظهر السيارة للأخوة في المسجد إلاّ على بُعد مئة متر وما أن ظهرت لهم السيارة البيضاء تعلوها الراية السوداء حتى هزّتْ التكبيرات المكان بأسره، وتوجهتْ كل أنظار الإخوة إلى الراية، وارتفعت الأصوات بالتكبير والتهليل، وما كادت السيارة لتقف حتى أجتمع الإخوة علينا وأخذوا الراية واجتمعوا حولها، وأعينهم تفيض من الدمع، وهم يُكبّرون، وأخذوا يدورون بالراية في أرجاء المكان، وهم على حالهم من الحماس فقد شدّ المنظر كل أحاسيسهم ومشاعرهم، أما الإخوة فلم يكن حالهم هذا ليوصف وكم انهالت عليّ عبارات الشُكر والامتنان لكتابتي لهذه الراية، وقد قال لي بلال النجدي (والله لما رأيتُ الراية فقدتُ صوابي وما عدتُ أصدق ما أرى وأنشدتْ أنظاري ومشاعري نحوها) هذا ما كان من حال الإخوة.. أما أنا فعند اقترابنا من المركز لاحظتُ وجود سيارة “البيك أب” التي كانت مع أبي عكاشة اليمني وأبو عبد الله المدني رحمهم الله، فعرفتُ حالاً سبب تكبيرات الإخوة التي سمعتها عند وجودي في موقع أبي عكاشة، وقد لاحظت كذلك ان أبو نسيم يقف مع أبي رغد على انفراد فلما نزلتُ من السيارة وأخذ الإخوة الراية من يدي ذهبتُ فسلمتُ على أبي نسيم ثم تركتهم يُكملون حديثهم، وقد أدهشني منظر الإخوة ووقفتُ اُتبعهم النظر، وما كنتُ أظن أن الراية ستحرك مشاعرهم وتداعب قلوبهم لهذا الحد، وبعد أن هدأت ثورة الإخوة دخلتُ إلى المطبخ ففوجئتُ بوجود الأخ (عمر حديد) يجلس مع أبي القعقاع الأردني وبعض الإخوة، فتفاجئ هو أيضاً لرؤيتي، فقد طالت لحيتي، وتغير شكلي نظراً للظروف التي كنا نعيش فيها، ولا يختلف حالي عن بقية الإخوة، عندها سلّمتُ عليه، وجلستُ معه قليلاً، يسأل عن حالي واسأله عن حاله، وكان قد جاء مع أبي نسيم أحد الإخوة كذلك، أما الأخ (عمر حديد) فكان هو من أحضر سيارة أبي عكاشة من الفلوجة إلى المعسكر، وبالرغم من أنه جاء برفقة أبي نسيم إلاّ أن لكل منهما سبب للمجيء، كما أن أبو نسيم كان قد أحضر معه الصبي عبد القادر السوري ليبقى مع الإخوة في المعسكر الأول.
بعدها بدأت الرياح تشتد شيئاً فشيئاً، بينما عقد الإخوة الراية على لواء وعلقوها فوق المسجد، فكان مشهداً من أجمل ما يكون، فالراية السوداء ترفرف عالياً فوق مسجد بسيط، فيه أخوة، شعثاً، غبراً، كل منهم آخذٌ بسلاحه، وكأنهم في عالم آخر، وبعد صلاة المغرب ازدادت شدة الرياح، وهطلتْ زخات مطر، ثم تحولت الرياح إلى عاصفة رملية، وفي الصباح خفت الرياح والغبار وأصبح الجو لطيفاً، وكالعادة صلاة، ثم حلقة تحفيظ، فبرنامج التدريب الذي لا يزال مستمراً، بل أنه ازداد حصة تدريب مسائية.
بدأ أبو رغد بجولة جديدة من البحث الحثيث عن الأسلحة وقد فرّغ نفسه تماماً لجمع الأسلحة مستعيناً ببعض الإخوة الذين تعرّف عليهم من أهالي راوة، وكم لاقى من الجهد والتعب في أيامه الأخيرة، وقد كنا جميعاً نشفق عليه لما يعانيه، خاصة وأن ساقه المبتورة كانت تعاود عليه الألم، فكان لزاماً عليه أن يعطي نفسه قسطاً من الراحة، إلاّ أنه كان لا يدّخر جهداً في عمله، وكان برنامجه طيلة الأيام الأخيرة هو، ينام ساعتين تقريباً بعد صلاة الفجر، ثم يصحُو ليغادر المعسكر، ولا يعود إلاّ عند صلاة العشاء، ليصلي معنا، ثم يجلس قليلاً، ليعاود الذهاب مرة أخرى، ثم يعود قبل صلاة الفجر بوقتْ قصير، وعلى هذا المنوال كانتْ تمرّ ساعات أبي رغد وأيامه الأخيرة، وفي اليوم التالي بعد العاصفة الرملية، وعند وقت المغرب بعد الصلاة نهض أبو رغد العتيبي من المسجد، ثم مشى خطوات معدودة قرب المسجد، ثم ألتفت إلينا وقال: (يا شباب اجتمعوا)، فنهض الإخوة مسرعين، كما علّمهم أبو رغد، ووقفوا في صفين متوازيين، إلاّ أن خِطاب أبي رغد لم يكن حماسياً هذه المرة، بل بدا عليه الحزن، وكانت السكينة تغشي الموقف، وأخذ يروح ويأتي أمامنا، ثم قال لنا: (يا شباب قد علمتم ما آل إليه أمرنا، وتعلمون ما نعانيه من نقص في الأسلحة، لذلك فإن أحد الإخوة أبلغنا بوجود كمية ممتازة من السلاح لن ينتظرنا إذا جاءه مشترٍ غيرنا، ولكن المشكلة هي أنه لم يتبق لدينا من المال ما يكفي، ولذلك جمعتكم، فمن كان له فضل من مال، وأحب أن يقرضنا قرضاً حسناً فجزاه الله خيراً، وليكتب ذلك المبلغ بورقة حتى إذا ما يَسّر الله لنا أمر المال أعدنا لكل ذي حق حقه، ومن أراد ان يتبرع بمال في سبيل الله فجزاه الله خيراً، وهي عند الله بسبعمائة ضعف، والله يضاعف لمن يشاء).
بهذا أنهى أبو رغد كلماته، ولكن الموقف لم ينته عند هذا الحد، ويعلم الله ما مررتُ به من الألم والحزن العميق لسماعي هذه الكلمات وقلتُ في نفسي يا ليتني متُ قبل هذا وكنتُ نسياً منسيا، فقد كان الخجل يغمرني، فضلا عن حزني، بعدها بدأ الإخوة يُدخِل كلٌ يده في جيبه، أو ينسّل من الصف ليحضر ما لديه من مال على قلته، فجمعوا كل المال عند أبي كنعان اليمني، وبالطبع لم يكن منهم من جعل هذا المال قرضاً حسناً يرجو منه شيئاً، فقد باعوا أنفسهم لله عز وجل، إذ لم يكن للمال، بل وللدنيا في أعينهم قدراً أو أهمية، بل هو مَنٌّ مِن الله عز وجل أن يجعلهم مجاهدين في سبيل الله، بأموالهم وأنفسهم، عندها كان وجه أبي رغد قد تهلل، وفي نفس اللحظة أمر بعض الإخوة ليرافقوه مسافرين إلى الفلوجة، حيث توجد كمية السلاح المذكورة، فركب معه الإخوة وهيئوا أنفسهم للمسير بالرغم من تأخر الوقت، وكان الطريق محفوفاً بالمخاطر، إلاّ أن تلك القلوب المتعلقة بالآخرة لم يكن يعرف الخوف إليها سبيلاً، عندها أراد أبو دجانة الجزائري أن يذهب معهم فرفض أبا رغد ذلك، فألّح أبو دجانة والدمع يسيل من عينيه، وقال لأبي رغد (دعني أكون معكم، فإن صادفنا عدو جعلت نفسي دونك، فليس مقتلي كمقتلك أنت)!
رباه كم هي صعبة تلك المواقف التي يتنافس فيها الإخوة على بذل الغالي والنفيس في سبيل الله،
يدفعهم لذلك الحب في الله وإخوّة الدين.
مضى ذلك اليوم وحال الإخوة لا يعلمه إلاّ الله، وما زادهم ذلك إلاّ ثباتاً وإقبالاً على الآخرة، ولم تمض سوى يومين حتى عاد أبو رغد ومن معه دون سلاح وبقيتْ مواعيدٌ وكلام عُلِّقت عليها الآمال وليس أمامنا سوى الانتظار، وبعد مجيء أبي رغد أراد ان نقوم بعملية عسكرية ضد الأميركان فقام ببعض الترتيبات واختار الوجهة إلاّ ان الظروف لم تكُن مواتية لذلك فأُلغيتْ العملية، وفي تلك الأثناء كان خبر المعسكر قد تفشى في كل الأرجاء، وأصبح الكل يعرف بأن هناك مجموعة من المجاهدين يتدربون في مكان ما قرب مدينة راوة، لذلك أصبح لزاماً علينا أن نترك المكان قبل ان يصل الخبر للأميركان فيميلون علينا ميلة واحدة.
إلاّ أنه وكأجراء أولي بدأنا بنقل كافة الأسلحة والأغراض إلى موقع أبي عكاشة رحمه الله وذلك لأنه أبعد المواقع عن جهة النهر، ويقع في وادٍ صغير بين بعض المرتفعا ت المحيطة به، وبعد أن أكملنا نقل كافة الأسلحة والأغراض بدأنا ببناء المسجد في موقع أبي عكاشة رحمه الله فكان الإخوة يأخذون أعمدة الخشب والحصير من المسجد الذي في المركز ويبنون بها المسجد الجديد وهكذا، حتى أكتمل البناء ليستقر الإخوة فيه تلك الأيام هرباً من حر الشمس اللاذعة، وكان للسيارة طريق منبسط يصل إلى إحدى المرتفعات المحيطة بالموقع لذلك كان الإخوة مضطرين دائماً للصعود على تلك التلة الصغيرة، وبالطبع كان ذلك مما يزيدهم تعباً في حالة نقل الأغراض أو غيرها خاصة وأن انحدار تلك المرتفعات شديد وقد لاحظتُ أن أبا رغد كان إذا جاء إلى المعسكر يبقى أحياناً عند السيارة لينام هناك وقد عرفتُ أن التعب كان قد بلغ به مبلغا فلا تعينه ساقه على النزول والصعود ففكرتُ بحفر سلم على تلك التلة وفي الصباح وعندما بدأ الإخوة في التدريب استأذنت من أبي يونس لأترك التدريب كي أبدأ بحفر السلم فأذِن لي بذلك فأخذتُ عدة الحفر وبدأتُ بالعمل وبعد لحظات ألتحق بي عبدالقادر السوري فقد كان نشيطاً جداً ولا يمل من العمل، وبعد أن أكمل الإخوة التدريب أنشغل كلٌ بشغله وجاءني أبو سليمان الندي فتعاونّا جميعاً على عملنا ذلك فأخذنا أقساطاً من الراحة نستغلها بشرب الشاي فقد كان أبو سليمان قد اعتاد على الشاي العراقي وتلذذ به وما هي إلاّ سويعات حتى أنجزنا العمل فأصبح السلم يمتد على طول التلة فأختصر ذلك الجهد الكثير على الإخوة و خاصة على أبي رغد.
وفي أحد الأيام جاء أبو رغد إلى المعسكر ظُهراً وكان معه اثنين من الإخوة كانوا قد دخلوا أثناء الأيام الأولى للحرب وأستقر بهم المقام في الرمادي وأخذوا يتنقلون من مكان لآخر حتى يَسّر الله لهم طريقاً للمعسكر، فجاء بهم أبو رغد، وهذان الإخوان هما أبو عماد اليمني وأبو عبد الله اليمني، وكان أبو عماد أسمر البشرة قوي البنية، وكان مقبلاً على الزواج قبل فترة بسيطة من خروجه للجهاد في العراق، أما أبو عبد الله فقد كان ضعيف الجسم وليس بالطويل.
وعندما وصلوا المعسكر قام الإخوة بتسليمهم أسلحة وكذلك عبد القادر السوري، وألحقوهم إلى إحدى المجاميع في المعسكر، وكان عبد القادر يُصِرّ على ان نُخصص له ساعة للحراسة حتى أنه كان يبقى جالساً مع الإخوة في موضع الحراسة قبل ذلك, وكان يحب أن يتعلم كل شيء، فكان فعلاً رجلاً في أثواب صبي، وفي تلك الفترة كان أبو رغد لا يزال دؤوباً في بحثه عن الأسلحة ولم يكن يعرف طعم الراحة على الإطلاق حتى أنه كان لا ينام في اليوم والليلة أكثر من ثلاث أو أربع ساعات، وكما ذكرتُ سابقاً فأنه كان لا يخرج لأي مكان بعيداً كان أو قريباً إلاّ وأخذ عُدة الحرب، وأعتدَّ بكامل عدته وبرفقته بعض الإخوة، مستعدين أتم الاستعداد للمواجهة.
وفي صباح أحد تلك الأيام الخوالي وبينما كان أبو رغد خارج المعسكر جاء أحد الإخوة من أهالي راوة يحمل في سيارته كيساً من الخبز وكيساً آخر يحتوي على عدد من حشوات صواريخ (RBG) يبلغ عددها (26) وكانت هذه كمية خيالية بالنسبة لنا، وقد فرح الإخوة بها فرحاً عظيماً، وكان أيضاً مما أدخل الفرحة إلى قلوبهم هو علمهم بما سيخفف ذلك عن كاهل أبو رغد، وبهذا كان وضع الإخوة يسمح بالخروج لبعض العمليات لذلك كان الإخوة حريصين على استطلاع الأهداف، وفي إحدى المرات وعند عودة أبي رغد للمعسكر بعد صلاة المغرب بقيت السيارة فوق التلة بمكانها المعتاد ولم ينزل الإخوة إلى المسجد، إلاّ إننا أحسسنا بأن هناك أمراً ما، وبعد قليل ناداني أبو حفص النجدي وقال لي تعال معي، فذهبتُ معه إلى حيث أبو رغد، ومعه بعض الإخوة، فأخبروني بأن هناك بعض الآليات تقف عند مفرق الطريق المؤدي إلى مدينة راوة وقد اختار أبو رغد بعض الإخوة لضرب هذه المفرزة، وعلى جناح السرعة تجهز عشرةٌ من الإخوة بكامل عدتهم وركبوا السيارة وتوجهنا إلى مقصدنا، وسارت السيارة تلك المسافة الطويلة، وقبل أن نصل موقع المفرزة وقفت السيارة، ونزل الإخوة، وجلسوا في مكان خفي قرب الطريق، وذهبتُ أنا وأحد الإخوة نسير بقية المسافة مشياً على الأقدام كي نستطلع العدو ونعرف طريقة تواجدهم وانتشارهم ولا زلنا نمشي حتى وصلنا المكان، وشاء الله عز وجل أن نجدهم وقد انسحبوا تاركين المكان، بعدها عُدنا إلى الإخوة، وهم بفارغ الصبر ولما أنبأناهم بنبأ القوم حزن الإخوة لذلك وخاصة أبو حكيم اليمني، وعُدنا بعدها إلى المعسكر وقد وجدنا الإخوة، وبعضهم لم يعلم بخروجنا، كي لا يُلِحّوا بطلب الخروج معنا، ونسأل الله تعالى أن يكتبها لنا غزوة في سبيله.
وبالطبع في غمرة تلك الأحداث لم يكن أمر إخلاء الموقع غائباً عن بال أبي رغد إلاّ أن الأمر لم يكن بتلك السهولة، فالأصل في حالنا هو أن المعسكر أمرٌ طارئ ومهمته تدريب الإخوة على كافة أنواع الأسلحة وكافة أساليب القتال بما في ذلك التدريب الحي على كافة ما تعلموه وكان من المقرر بعد ذلك أن ينتشر الإخوة في المدن، في البيوت، ليقوموا بالعمليات المدروسة ضد الأميركان، وهذا هو أصل الفكرة التي اجتمع عليها الإخوة، إلاّ أن الظروف كان لها مجرى آخر، فأصبح بقائنا في الصحراء هو كل ما بوسعنا! بل وحتى ذلك أصبح متعسراً في الأيام الأخيرة فبعد صعوبة الانتقال إلى المدن، أصبح لزاماً علينا أن نجد موقعاً بديلاً في الصحراء نتنقل إليه ريثما تنفرج الأمور حسب ما هو مخطط لها، لذلك فقد أنشغل أبو رغد كثيراً بهذا الموضوع وذلك لأن البقاء في هذا الموقع أصبح فيه نوع من المخاطرة بأرواح الإخوة، وبالطبع كان عدد الإخوة قد ازداد وأصبح العدد قرابة الخمسين أخاً..
وقد كانت مسألة توفير المياه من أهم الأمور التي تتحكم في اختيار الموقع المناسب إضافة إلى قابلية المكان لاستيعاب هذا العدد الكبير فضلاً عن أغراضهم وأمتعتهم، وبالطبع فإن المناطق التي على ضفاف نهر الفرات لم تكن ملائمة من الناحية الأمنية، واستمرت عملية البحث بشكل مُكثّف مع أن أغلب الإخوة لم يكن لديهم عِلماً بهذه الترتيبات.
وأخيراً لم تذهب جهود أبي رغد سُدى فقد وجد مكاناً، ليس بالجيد، لكنه أفضل الموجود، وقد تفحص المكان جيداً مستعينا برأي الإخوة من ذوي الخبرة كأبي يونس اليمني وغيره من أهل الرأي، عندها أستقر رأي الجميع على الانتقال لهذا الموقع الجديد، ولكن شريطة أن لا يطول بقاء الإخوة فيه لأكثر من أسبوع، ومن ثم يجب نقل الإخوة إلى المدن يتوزعون في البيوت.. وكان هناك أمراً يحرص عليه أبو رغد كثيراً وهو التكتيم الشديد على نبأ الانتقال، فكان حريصاً على أن لا يعلم أحدهم بمكان المعسكر الجديد.
دون تلكؤ أو تردد بدأ أبو رغد بترتيب الانتقال إلى الموقع الثاني وكانت فكرته بأن ينتقل مبدئياً سبعة من الإخوة إلى الموقع الثاني ليقوموا بترتيب الموقع وتهيئته لاستقبال البقية بينما يقوم بقية الإخوة بجمع كافة الأغراض والأسلحة ونقلها شيئاً فشيئاً إلى الموقع الثاني، وفعلاً تم اختيار هؤلاء الإخوة، وكنتُ من بينهم، وكان برفقتي أبو سليمان النجدي وأبو الزبير التبوكي وأبو مصطفى الجزائري وعبد القادر السوري وأبو همام الأردني وأبو بكر القحطاني، فركبنا في السيارة، وكان برفقتنا أبو صهيب النجدي، وأخذنا أمتعتنا وأسلحتنا مع كيس تمر نتغذى به للأيام القادمة، وتحركت السيارة، وبدأنا نبتعد شيئاً فشيئاً عن الموقع يغمُرنا الحزن والأسى لفراق ذلك المكان الذي أحتضن في طياته أجمل أيام ولحظات مرت بنا في هذه الحياة، وإن لهذا المكان مكانة خاصة في قلوبنا، ولا زلت حتى هذه اللحظة لا أجرؤ على الذهاب إليه وهو خالٍ من ساكنيه!
بقينا نسير بالسيارة في عرض الصحراء حتى بدأ يلوحٌ لنا من بعيد مكان منخفض، فيه آثار الحياة باديةً من لون القصب الأخضر، وبعد فترة من الوقت أصبحنا على مشارف المكان، وتوقفت السيارة، ووطئت أقدامنا أرضه، وما ندري ما تخفي لنا الأيام من خَطْبها، وما علم الإخوة أنهم لن يطئوا بعدها أرضاً سوى قبر يحتوي جثمانهم أو جزءاً منه، أما وصف المكان فقد كان على الصورة التالية:
كان المكان عبارة عن منخفضٍ وسط صحراءٍ مستوية تقريباً، وهو عبارة عن ممر ضيق مستو، عرضه ستة أمتار، وبطول أقل من مئة متر، وهذه هي المساحة التي كان يشغلها الإخوة فكانت تتسع لعدد من الإخوة كبير، وعلى يمين ذلك الممر جدار صخري يصل ارتفاعه إلى سبعة أمتار تقريباً وعند رأس ذلك الجدار تعود الأرض مستوية، وعلى يسار ذلك الممر عبارة عن حوض شبه منتظم، عمقه مترين وبعرض خمسة أمتار، وكان في ذلك الحوض عين ماء جارية كانت من أهم أسباب اختيار الموقع، وكان الحوض مليئاً بنباتات القصب والبردي، فكان بذلك المظهر الوحيد من مظاهر الحياة في ذلك المكان، وكلما تقدمنا للأمام يزداد الحوض اتساعاً، ويقل انخفاضه حتى يصبح في نهاية أمره أرضاً منبسطة يملئها القصب الأخضر، وكذلك الجدار أو المرتفع فكلما تقدمنا للأمام قل انخفاضه وانحداره حتى يستوي مع الأرض فالمكان بشكل عام عبارة عن واد طويل يصل طوله إلى مئات الأمتار ولكنه ضيق وصغير سوى في ذلك الموقع يزداد انخفاضاً وأتساعاً، وتزداد كثافة القصب فيه لأن عين الماء الرئيسية تنبع من ذلك المكان، فأختاره الإخوة ليستقروا فيه بضعة أيام ريثما نجد البديل.
وبعد أن وصلنا المكان ووضعنا رحالنا فيه أنزلنا خيمة كنا قد جلبناها معنا، أما أبو صهيب النجدي فقد ركب السيارة وقفل راجعاً إلى الإخوة ليكملوا ما بدأوا به من الأعمال، وهكذا بقينا نحن السبعة لوحدنا لنقوم بترتيب المكان فقُمنا في البداية بتعديل الأرض وتسويتها، ومن ثم قُمنا بنصب الخيمة، وكان أمامنا الكثير من الأعمال لنقوم بها، وقد أحضر لنا الشخص الوحيد الذي يعرف بأمرنا خزان ماء كبير، ومن ثم أحضر صهريج ماء عذب، لأن العين الموجودة في المكان ماؤها ليس عذباً، وفي تلك الأثناء كان أبو رغد يمُر علينا أحياناً قليلة أثناء النهار ليعطينا آراءه في بعض المسائل.
بعد ذلك هيئنا مكاناً للأسلحة كان عبارة عن شقٍ في الأرض بالإضافة إلى تهيئة مكان الطبخ وبعض الأمور الأخرى، وكان أبو صهيب النجدي ينقل إلينا الأغراض شيئا فشيئاً فنقوم نحن بوضعها في المكان المناسب، أما أبو رغد فكان يأتينا ليلاً ليبيت عندنا بعض الأحيان فكان الحال بشكل عام حركة دؤوبة وسريعة في كِلا الموقعين مع التأكيد على سرية الأمر.

وعندما جاء أبو رغد إلينا نهاراً كنا قد هيئنا مكاناً لإقامة المسجد فيه، فسوّينا الأرض وأزلنا بعض الصخور والأشواك، وقمنا بتثبيت تسعة أوتاد خشبية في مساحة لا تتجاوز الثلاثين متراً مربعاً لنرفع عليها سقف المسجد وجدرانه، وبعد تثبيت تلك الأوتاد جاء أبو رغد وأخبرنا بأن نترك المكان على حاله وتحويل مكان المسجد بالرغم من الجهد الجهيد الذي بذلناه في عملنا هذا، وبصدر رحب بدأنا بتسوية مكان آخر بنفس المساحة قرب المكان الأول، لا يفصل بينهما سوى أربعة أمتار، وقمنا بتثبيت الأوتاد مرة أخرى من دون نزعها عن المكان الأول ثم قمنا بعمل سقف للمسجد باستخدام أروقة الخيام التي عندنا مع بعض الحصائر والأشياء الأخرى..

في تلك الأثناء كان الإخوة قد أكملوا تقريباً نقل كل ما بحوزتنا إلى الموقع الثاني وقُمنا نحن بدورنا بترتيب الموقع الجديد، لذلك بدء الإخوة بالتوافد إلى موقعهم الجديد يتقاطرون كقطر الندى فاستقبلناهم استقبالاً حاراً وخلال ساعات أصبح المكان الذي كان رحباً بنا يضيق بالإخوة لولا أن صدورهم رحبة لبعضهم، وكان العدد فوق طاقة المكان.

وعلى كل حال بدأ الإخوة مباشرة بترتيب المجاميع وأستمر العمل مبنياً على أساس النظام، عندها قام أبو رغد بتقسيم الإخوة إلى أربعة مجاميع، المجموعة الأولى وأميرها أبو تمام اليمني، والمجموعة الثانية وأميرها أبو حفص النجدي، والمجموعة الثالثة وأميرها أبو الزبير، التبوكي والمجموعة الرابعة وأميرها أبو عماد اليمني، وقد وضع الأخ أبو حكيم اليمني برنامج عمل منظم لهذه المجاميع الأربعة حيث قَسّم أعمال المعسكر إلى أربعة أقسام:

القسم الأول للحراسة، والقسم الثاني المتابعة، حيث مهمتهم تنظيف المسجد ومساعدة الإخوة في الطبخ، القسم الثالث ومهمتهم توفير مياه الشرب والوضوء للإخوة، أما القسم الرابع فكانت مهمتهم البرنامج الثقافي، حيث يكون عليهم ترتيب الدروس أو الجلسات وغيرها، فكانت كل مجموعة من المجاميع تقوم بأحد هذه الأعمال لمدة يوم كامل، وفي اليوم التالي تبدأ بالقسم الآخر، في تلك الأثناء قام أبو رغد بإرسال أبي وقاص الفلوجي إلى الفلوجة لمتابعة شراء بعض الأسلحة، كما أنبئَنا أبو رغد بنبأ غير سار، فقد أخبرنا بانقطاع الاتصال بأبي قسورة السوري، وخفنا ان يكون قد أُسر، وبعدها تم تأكيد هذا الخبر، فأصابنا لذلك الحزن الشديد لأسر أخينا أبي قسورة.

وفي خضم تلك الأحداث التي كانت سريعة ومتراكمة كان أبو رغد لا يزال مستمراً بذهابه وإيابه من وإلى المعسكر في محاولة لإيجاد حل لهذه الأوضاع الغير ملائمة لبقاء الإخوة في العراء، وبمساعدة بعض المتعاطفين من أهالي راوة أستطاع أبو رغد من تأمين بيت خاص للأخوة المرضى أو الجرحى في حالة الإصابة وكان من نتائج حركة أبي رغد الدؤوبة أنَّ تسعة من الإخوة تمكنوا من تأمين الاتصال مع أبي رغد فتم الترتيب لهم للالتحاق بنا، وبعد انتظار يومين تقريباً غادر أبو رغد عند الضحى، وبعد صلاة العصر لاحت لنا السيارة من بعيد، وكانت تبدو مليئة بالإخوة.
وبعد لحظات وقفت السيارة عند بداية المعسكر فبدأ الإخوة ينزلون منها ووجوههم تتفجر فرحة، كأنهم لا يصدقون ما حولهم، عندها أنهال الإخوة يسلمون عليهم، مهنئين إياهم بهذا الفضل العظيم، وكان هؤلاء الإخوة هم أبو الزبير النجدي وأبو حمزة النجدي وأبو بصير الثبيتي وأبو ريان النجدي وأبو عبد الله المكي وأبو ماهر النجدي وحيدرة السوداني، كما أن أحد الإخوة من الذين تعرّف عليهم أبو رغد في أول أيام الحرب قد يسّر الله أن يلتقي به في تلك الفترة وهذا الأخ هو أبو جابر السوري، ولم تمر علينا تلك الأيام بتلك الأحوال إلاّ والمعسكر أمسى وكأنه جنة الله على أرضه، بالرغم من ضيق المكان، وضعف الإمكانيات، وليت شعري كم كان الإخوة يَحْيون أجمل و(آخر) أيامهم على وجه البسيطة.
كلما تقدم بنا الوقت زاد إقبال الإخوة على الله عز وجل وفي تلك الأيام تحديداً كان الإخوة جميعهم قد تغيرتْ أحوالهم فهذا لا يتكلم إلاّ قليلاً وهذا لا يضحك إلاّ قليلاً وذاك أصبح منهمكاً في خدمة الإخوة ومنهم من عكف على العبادة لا تراه إلاّ ذاكراً أو ساجداً أو راكعاً أو قارئا لكتاب الله عز وجل، فأبو محجن النجدي الذي كانتْ ضحكتهُ البريئة لا تفارق وجهه الأسمر لتملئه نوراً وبِشراً أصبح جُلُّ وقته منقطعاً عن الدنيا وكل ما حوله لا تفارقه العبَرة أو البكاء خوفاً وطمعاً، وأخذ ينأى حتى عن مجالس الإخوة، مفضلاً الانفراد بنفسه، أما أبو مجاهد الشمري فقد كان على عكس أبي محجن النجدي فقد أصبح كثير الكلام والمداعبة للأخوة وسَخرّ كل وقته وجهده لخدمة الإخوة، أما أبو صهيب النجدي فكان حاله لا يختلف عن رفيقه أبا محجن فهما صُحبة منذ أيام الجزيرة وهكذا الحال لكافة الإخوة على الإطلاق لا أستثني منهم أحداً أبو عاصم اليمني وأبو أنس العتيبي وأبو البراء العتيبي وأبو يونس اليمني وكل الإخوة، وكأن كل واحد منهم يتراءى له ما لا يبدو لغيره فيعيش في عالم لوحده لا يشاركه فيه أحد.

في هذه الأثناء كانت هناك بعض الأغراض قد تركها الإخوة في الموقع الأول فأراد الإخوة الذهاب لإحضارها لكن أبا رغد أراد ان يُكلِّف بذلك الإخوة الجدد وذلك ليروا المكان الذي كان يحيى به إخوانهم وكانت هذه أيضاً رغبة في نفوس الإخوة الجدد لشدّة ما رأوا من تعلُّق إخوانهم بذلك المكان، وفعلاً ذهب الإخوة ليعودوا بعد عدة ساعات وهم في قمة السعادة، بعد ذلك جُنّ الليل وكان على الإخوة العودة مرة أخرى إلى الموقع الأول فقام أبو عبيدة الأردني باختيار بعض الإخوة وكنت منهم، وكان معي أبو صهيب النجدي وأبو صقر اليمني وأبو تراب السوري وبلال النجدي وأبو خالد الأردني وأبو بكر القحطاني فركبنا السيارة وسرنا ليلاً، وبعد أن ابتعدنا قليلاً عن الموقع، وكان أبو صهيب هو من يقود السيارة، وأثناء المسير نزل أحد الإخوة من السيارة يهرول مسرعاً، وبدأ أبو صهيب يذهب بالسيارة يميناً وشمالاً فأصابنا لذلك الدهشة دون أن نعرف ما الذي يحدث، عندها هرع بقية الإخوة ينزلون من السيارة وقد عَلت أصواتهم بالضحك، فالخطب الجلل هو عبارة عن حيوان صغير يسمى (الجربوع) يعيش في الصحراء، أعتاد أبناء جزيرة العرب على صيده وأكله، بل وكانوا يخرجون في نزهاتهم إلى الصحراء لمدة أيام يعسكرون في مكان ما يصطادون هذا الحيوان اللذيذ الطعم كما ذُكر لي، فلم أُحاول ان أجرّب طعمه ولا أظنني سأفعل ذلك، وقد كان الموقف في غاية الطرافة والجمال، فقد هبَّ الإخوة يهرولون وراء هذا الحيوان، وأبو صهيب يلاحقه بأضواء السيارة كي يضعف بصره ويكون صيداً سهلاً للإخوة، وقد أجهدهم وبذلوا في صيده جهداً ووقتاً، إلاّ إنهم كانوا مصممين على صيده وتمَّ لهم الأمر بعد عناء..
بعدها تحركتْ السيارة مرة أُخرى نحو وجهتها الأصلية فمضينا في طريقنا حتى وصلنا الموقع الأول فأخذنا ما جئنا لأجله على جناح السرعة ثم قفلنا راجعين إلى الإخوة، وفي الصباح الباكر من اليوم التالي عاودنا الذهاب وكان معنا هذه المرة أبو حكيم اليمني وأبو طارق اليمني، فلما وصلنا إلى الموقع الأول قمنا بأخذ أغراضنا ثم أراد الإخوة ان يتجولوا قليلاً في المكان، فكان منظر الموقع وهو مهجور لا يوصف على الإطلاق، ومع أن الإخوة كانوا لا يزالون أحياءاً على الأرض، وكنت معهم، إلاّ ان صدري قد ضاق لرؤيتي الموقع وهو مهجور، فقد عهدته مليئاً بالحركة والحيوية، ويعج بالإخوة، عند ذلك لم أجرؤ أن أفكر بفراق الإخوة في يوم من الأيام، وكنت أتهرّب من التفكير بهادم اللذات، ومفرق الجماعات، وأشّد ما أحزنني هو منظر المسجد ولم يبق منه إلاّ أعمدة من الخشب خاوية ليس فيها من يملئها بحركته وحيويته ، فحتى الإغراض أحزنني عدم رؤيتها في مكانها بل وحتى الخنادق التي ما هي إلاّ حفرة في أرض لم أتمالك نفسي عندما رأيتها خربة ليس فيها سقف وقد تهدمتْ بعض أطرافها، يا ليتني مُتٌ قبل هذا، فكيف بي إذا ذهبتُ اليوم ورأيت المكان وتجولتُ فيه، لا أظنني أجرؤ على ذلك، ولو دخلتُ إليه لما تمنيتُ الخروج منه، كيف لا وأنا لازلتُ كلما مررتُ قرب رواة ونظرتُ إلى صحرائها هاجتْ الإحزان والذكريات لا أفكر بشيء سوى ذلك الماضي الجميل والمؤلم!
أكملنا عملنا الذي جئنا لأجله وأردنا الذهاب وقبل أن نركب في السيارة كان هناك كمية من البارود مسكوب على الأرض، فأراد أبو طارق اليمني أن يُشعل ذلك البارود فكلما ألقى عود ثقاب أنطفئ قبل أن يبلغ البارود فقال له أبو تراب السوري أقترب منه وأنزل يدك إليه، ففعل ذلك أبو طارق فأشتعل البارود، إلاّ إن لهبته كانتْ كبيرة فغشيتْ اللهبة وجه أبو طارق فهرع الإخوة إليه مسرعين لإنقاذه فخلعنا عنه عصابة رأسه وقد أُصيب ببعض الحروق الطفيفة بجبينه وذراعيه، إلاّ إنه كان يتألم لذلك، فلم أستطيع أن أتحمل منظره وهو يتألم وليس بيدي ما أسعفه به وأخفف آلامه، وبأسرع وقتْ ركبنا في السيارة وعُدنا مسرعين إلى الموقع الثاني فقُمنا بإسعافه الإسعافات الأولية ومن ثم أخذه أبو رغد إلى راوة ليقوم بعلاجه على أكمل وجه، ومن ثم عاد إلينا أبو طارق وهو لا زال يعاني من آلامه، خاصة وأن الغبار والجو الحار لا يعرفان مريضاً ولا صحيحاً.
بالطبع لم يكن بقائنا في الموقع الثاني لأكثر من أسبوع
إلاّ إن كثافة الإحداث وسرعة تراكمها جعل الحديث يطول عند هذه النقطة من الزمان.

وفي أحد أواخر هذه الأيام القليلة قام أبو رغد بإرسالي إلى مدينة القائم في مهمة إلى أحد الإخوة فقام بإيصالي من المعسكر إلى مدينة راوة فأخذتُ سيارة أجرة من راوة إلى حصيبة (كما اعتدنا تسمية القائم بهذا الاسم) فهما أسمان لمدينة واحدة، وقد تواعدتُ مع أبي رغد عند الساعة الواحدة ظهراً في مكان معين في راوة ليأخذني إلى المعسكر وذلك بعد عودتي من مدينة القائم، وبعد ذهابي وعودتي سريعاً ذهبتُ إلى ذلك البيت الذي حدده أبو رغد فوصلتُ البيت وطرقتُ الباب ففُتح لي، فسألته عن أبي رغد فأخبرني بأنه موجود، فدخلتُ الدار فوجدتُ أبا رغد وبرفقته أبو تمام وأبو عبيدة الأردني وأبو القعقاع الجزائري، ووجدت معهم في الدار رجلان وشاب لم أكن قد رأيتهم من قبل، وبعد السلام جلس أبو رغد مع هذين الرجلين، وكان يبدو إنه قد تعرف عليهم قبل ذلك اليوم، وكأنهم كان لديهم ما يقدمونه لنا من المساعدة سواء في السلاح أو في غيره، وبعد فترة قصيرة أنهى أبو رغد كلامه مع هذين الرجلين ثم جاء وجلس بقربي مع أبي تمام اليمني، وفي تلك الأثناء كان ذلك الشاب جالساً لوحده طيلة تلك الفترة، وبالطبع لم يكن ذلك الشاب في تصورنا سوى قريب لصاحب الدار، عندها لاحظتُ أن ذلك الشاب أقترب من صاحب الدار وجالسه وتكلم معه بصوت خافتْ وبعدها أقترب صاحب الدار من أبي رغد وقال له (إن “أبا عوف” يريد أن ينضم إليكم في المعسكر لرغبته في الجهاد في سبيل الله) فقال له أبو رغد (جزاك الله خيراً على هذا التفكير، ولكننا لا نستطيع استقبالك الآن، ولكننا سنقوم بفتح معسكر جديد وستكون إن شاء الله أول المشاركين فيه) وبالطبع كان أبو رغد لا يرغب بأن يُدخل أحداً إلى المعسكر، ولأي سبب، لذلك فقد كان جوابه لأبي عوف بغرض إلغاء فكرته بالدخول إلينا.

فسكتْ صاحب الدار لجواب أبي رغد عندها لاحظتُ إن ذلك الشاب عاود الحديث مع صاحب الدار، وكان يبدو عليه أنه ألحَّ عليه بنفس الطلب، فعاود صاحب الدار الطلب من أبو رغد الذي أجابه بنفس جوابه الأول، ومرة ثالثة رأيتُ ذلك الشاب يعاود الحديث مع صاحب الدار فكرر الرجل الطلب مرة ثالثة من أبو رغد، عندها كان الموقف محرجاً جداً بالنسبة لأبي رغد، خاصة وقد كنُّا نتصور بأن هذا الشاب قريبٌ لصاحب الدار، وخشينا أن يتصور أن رفض أبي رغد لطلبه ذلك نابع من عدم ثقة بهم، وبالطبع هذا أمر غير مقبول فكيف يثق الرجل بنا كل الثقة، ويضحي من أجلنا، فنقابله بعدم الثقة به، خاصة وأنه في تلك الأيام لم يكن أحد يجرؤ على التفكير بالجهاد، أو يتعاون مع المجاهدين، بل أنه لم يكن هناك من المجاهدين إلاّ قليلٌ من قليلٍ من قليل، ولذلك وبكل إحراج لم يستطع أبو رغد رفض الطلب للمرة الثالثة، فوافق على مجيء (عبد الرحمن أبو عوف) معنا إلاّ إن أبا رغد أخبره بأنه لا يستطيع أخذه إلى المعسكر الآن، ولكنه سيأتي لأخذه عند الساعة الرابعة فجراً، بعدها خرجنا من ذلك المنزل متوجهين إلى المعسكر، وفي طريق العودة مررنا على أحد الإخوة من أهالي مدينة راوة فقام بإعطائنا كمية كبيرة من مخازن الكلاشنكوف، موضوعةً في خمسة أكياس كبيرة، ومن ثم توجهنا مباشرة إلى المعسكر ووصلنا إلى هناك لنجد الإخوة على ما تركناهم عليه، ومن الجدير بالذكر أن برنامج التدريب وحلقات التحفيظ لم تتأثر بكل ما مرّ بنا من الأحداث وبالرغم من أن الإخوة قد أصبحوا على مستوى عال من التدريب إلاّ أن ذلك لم يمنع من مواصلة التدريبات خاصة بعد وصول الإخوة الجدد أبو بصير الثبيتي ومن معه، وفيهم من وزنه فوق المستوى المطلوب كأبي حمزة النجدي وأبو الزبير النجدي، وعلى كل حال لازالتْ الحركة نشيطة في المعسكر حتى أسدل الليل سترهُ علينا وقد صلى معنا أبو رغد، وبعد صلاة العشاء غادر المعسكر كعادته، خاصة وأنه في تلك الأيام كان قد أتفق مع بعض الأشخاص على صفقة سلاح إلاّ إن الأمر أصبح فيه شبه مماطلة فكان حريصاً على متابعة هذا الموضوع.
بتنا ليلتنا تلك حتى أذن الفجر، فنهض الإخوة للصلاة وكان أبو رغد قد وصل إلى المعسكر قبيل صلاة الفجر بوقت يسير، ولم يلحظ الإخوة بأن هناك زائر جديد مع أبي رغد، فبعد الأذكار وعندما بدأ الصبح يتسلل إلى يومنا ذاك، رأيت (عبد الرحمن) في المعسكر فعرفتُ إن أبا رغد قد جلبه معه قبل الفجر، أما نحن فركبنا جميعاً السيارة وتوجهنا إلى الساحة التي كنا نتدرب فيها وقد بقي (عبد الرحمن) في المعسكر مع بعض الإخوة الذين شغلتهم بعض الأعمال عن التدريب، فوصلنا ساحة التدريب وهي منطقة منبسطة تبعد قرابة الكيلو مترين عن المعسكر وبعد أن انتهى التدريب ركب بعضنا في السيارة عائداً إلى المعسكر، والبعض الآخر اختار العودة ماشياً على الأقدام من باب الإعداد والتدريب، وقبل ذلك بثلاثة أيام كان قد جاءنا إلى المعسكر ضيف جديد وهو أبو مجزءة السوري، وقد كان شاباً طويل القامة، أبيض البشرة، من أصل كردي، وكان من أكثر الإخوة حباً للعمل وبذل الجهد، وقد كان أبو رغد يحبه كثيراً، لأنه يتّسم بالجدية في كل أوقاته..

حينما عُدنا للمعسكر وجدنا أبو القعقاع الأردني وأبو مجاهد الشمري وكالعادة قد هيئوا لنا وجبة الإفطار، وكان برنامج مجموعتنا في هذا اليوم هو الحراسة، فكان الإخوة أعضاء المجموعة يتناوبون على الحراسة ساعةً بساعة في أعلى المرتفع، وكان بقية الإخوة منشغلين كلٌ بعمله، أما أبو طارق اليمني فقد كان لا يزال موجوداً في المعسكر يعاني من آلامه، وكان عندنا في المعسكر بعض الأدوية والعلاجات والعدة الطبية، عندها لاحظتُ (عبد الرحمن) وهو مهتم بأبي طارق يسأله عن موضع الألم وغيرها من الأسئلة، ومباشرة أخذ يُقلّب الأدوية ويتفحصها، وكأنه ذو خبرة بهذه الأمور، وفعلاً قام بتعقيم حروق أبي طارق وأستخدم له بعض الأدوية، وضمد بعض الحروق, فمن المهم أن يكون في المعسكر من يحسن الإسعافات الأولية، وقد أخذ عبد الرحمن (يعرض خدماته)، فما رأى من الإخوة جرحاً أو شيئاً إلاّ هرع في علاجه، وقد كان في يدي بعض الجروح الصغيرة مما يجعل التراب يؤذيها فقام عبد الرحمن بوضع مرهم على يدي وقام بتضميدها، عندها استغليت هذه الفرصة لأسأله عن بعض أحواله، وبالطبع كان كل الظن إنه من أهالي راوة، فسألته إن كان ممرضاً، فأجابني بأنه لا يزال طالباً في كلية التمريض المرحلة الأولى، وعندها فاجئني بقوله إنه ليس من أهالي راوة، وأخبرني إنه يسكن في بغداد في حي الأعظمية، فطار صوابي لذلك، وشعرت بالاستغراب لهذا الخبر، ولازلتُ أستدرجه في الكلام لأعرف سبب، وكيفية وصوله إلى هنا، فعرفتُ منه إنه لا يعرف ذلك الرجل في راوة الذي كان عنده، ولكن (شخصا ما) قد قال له أذهب إلى ذلك الرجل وهو يستطيع أن يوصلك إلى المجاهدين.

فاكتفيت بهذا القدر من المعلومات، وقد أهمني ما سمعتُ، وذكرتُ ذلك لأبي رغد، فلم يكن يرغب ببقائه معنا، إلاّ إن اللوم يقع على الرجل الذي عرّفه علينا، فلم يُبين لنا كل تفاصيله منذ البداية، وكان عليه هو أن يحرص على عدم دخول أحد إلى المعسكر، إلاّ أنهم لم يكونوا قد عرفوا بعد بعض الإجراءات الأمنية الحساسة.

وعلى كل حال فقد اقترحت على أبي رغد أن يطلب من الإخوة في المعسكر الثاني أن يأخذوه عندهم خاصة وأنهم لديهم عدد لا بأس به من الأخوة من سكنة المناطق الغربية، إلاّ ان أبا رغد لم تعجبه الفكرة، ولكنه لم يهمل الموضوع، فقال لي (إننا بكل الأحوال لن نطيل المكوث في هذا المكان، ولن نتأخر فيه، لأكثر من بضعة أيام فإذا انتقلنا، فلن نأخذه معنا) وقد ذكر لي أبو رغد بأن أحد الإخوة قد رأى رؤيا تحذرنا بأن نترك الموقع خلال أسبوع وإلاّ فسوف يُقصف المعسكر، لذلك علينا أن نُعجّل أكثر في إخلاء المكان.

ولا يفوتنا أن نُعرج بالذكر على الإخوة في المعسكر الثاني فقد كانوا كذلك اجتازوا شوطاً من التدريب والإعداد، وقد تزايد عددهم، إلاّ أني في الحقيقة لا أعرف عنهم تفاصيل كثيرة، لأني لم أرَهم إلاّ في بداية إنشاء المعسكر، ولم يكن هناك سوى عدد قليل منهم حينها، وعلى كل حال فقد أمسى علينا ذلك اليوم ولم يتغير من حالنا شيء، وعند الساعة الواحدة ليلاً جاءني أبو أنس العتيبي وأيقظني من نومي لأستلم واجبي في الحراسة، عندها حملتُ سلاحي وصعدتُ فوق المرتفع لأجد أبو مالك الطائفي جالساً ينتظر من يأتي ليتسلّم عنه الحراسة، وفي تلك اللحظة وبينما كان الإخوة يغُطون في نوم عميق، كان هناك صوت طائرة يُسمع في الجو، وكانت تبدو وكأنها قريبة جداً منا، وكذلك لا يبدو إنها تبتعد عنا كثيراً، فبقى صوتها يلازم أسماعي، فتيقنتُ تماماً بأننا نحن المقصودين، وإننا نحن الهدف لهذه الطائرة، وبالطبع لم تكن لدينا بعد تلك الخبرة لنميز أن هذه الطائرة هي طائرة استطلاع من دون طيار، ولكن لا حول لنا ولا قوة، فما الحيلة وأين المفر، وفي تلك اللحظة رأيتُ أضواء سيارة أبي رغد من بعيد، وكان إذا سار ليلاً يشعل أضواء خافته فعرفته بذلك، وكنت أتوقع ان تُقصف السيارة في تلك اللحظة، بعدها وصل أبو رغد للموقع وأخذ مكانه لينام بعد عناء يوم طويل، وبعد ساعة من الزمن انتهت حراستي وجاء أحد الإخوة ليأخذ مكاني فعدتُ إلى فراشي لأواصل نومي حتى صلاة الفجر، بعدها أذن الفجر ليبدأ يوم آخر من أيامنا وقد أخفت الأقدار عنا أن هذا اليوم هو الأخير الذي بقى للأخوة على هذه الأرض في هذه الحياة الدنيا!
__
جُلّ ما كنت أخشاه في نقلي لهذه المذكرات هو وصولي إلى الحلقة الأخيرة التي لم أكن أريد الوصول إليها، حباً بمثل هؤلاء الرجال، ففي هذه الحلقة ينهمر الدمع، وتخنق النفس العبرات، ويسود الحزن، كيف لا وأعداء الإسلام استهدفوا حتى الماء والحجر والشجر في بلاد الإسلام فكيف الحال بالرجال الرجال من أهل الثغور، الذين هم عماد هذه الأمة، وشريان حياتها، وعصب جودها.

والله كم تمنيت أن لا أصل إلى ختام هذه المذكرات لأنها تشعل في الدواخل حرائق لا يمكن إخماد لهيبها، لكن عزائي، وعزاء المسلمين في ذلك أنها تُهيم في النفوس حب الله، وتزرع الأمل بغد قادم يحمل في طياته النصر لهذه الأمة، بعدما رأينا صدق هذه الثلة مع الله، وسعيهم الحثيث لنيل الشهادة، وفدائهم لدين الله بالنفس والبنون والمال والأهلون.

يواصل (أبو حفص العراقي)، تقبله الله، سرد مذكراته عن بدايات العمل الجهادي في العراق بعدما وصل فيها إلى خاتمة تلك المرحلة التي تكللت بنيل الشهادة لتلك الصفوة المختارة من أبناء هذه الأمة في حفلة عرس جماعي، حينما زفوا إلى الحور العين جميعاً في ليلة لم يبصروا نهارها، في طريقهم إلى جنان الخلد، نحسبهم والله حسيبهم، حيث يتحدث (أبو حفص) عن ساعاتهم الأخيرة في هذه الحياة قائلاً:

في هذا اليوم كان كل شيء مميزاً ومختلفاً عن الأيام الخوالي، وكانتْ لهذا اليوم لذة ولذعة غريبتين، فهو لم يكن كغيره من الأيام، فقد حمل في طياته أحداث وأحداث، لكلٍ منها وقفة خاصة في النفس، ويكفيه من الأسى أنه آخر يوم عِشته مع الأخوة، ولم تُبصر عيني أحداً منهم بعده، فلم أُصب بمثل هذا المصاب من قبل، ولا أعتقد بأني سأمر بمثل هذا الشعور مرة أُخرى!

ففي ذلك اليوم قام أبو رغد العتيبي، أمير المعسكر، بنقل أبي طارق اليمني وأبو العباس المالكي، الذي كان لا يزال يعاني من آلامه، مستعيناً بعكازين، إلى البيت الذي أعده للمرضى في مدينة راوة وبعدها أصابت أبو حفص النجدي وأبو البراء العتيبي وعكة صحية، لذلك أضطر أبو رغد إلى نقلهم جميعا إلى بيت المرضى، أما عبد الرحمن فقد قام بالحراسة ذلك اليوم بكامله بناء على طلبه، لذلك كانت حركته نشيطة ويتجول في المكان كما يشاء، وفي ذلك الصباح وصل إلينا نبأ كان له في نفوسنا أشدّ الوقع، فقد علمنا أن الحاج حسن عارف وأبو أحمد كانا يستقلان سيارة مع شخص ثالث، وقد كانوا متجهين إلى ناحية العبيدي في أطراف مدينة القائم لأخذ بعض الأسلحة ونقلها إلى المعسكر الثاني، وعند وصولهم تلك المنطقة قاموا بوضع السلاح في السيارة ثم عادوا من حيث أتو، وفي طريق عودتهم تفاجئوا بأن الأميركان قد نصبوا نقطة تفتيش فُجائية على ذات الطريق الذي سلكوه في مجيئهم، عندها أصبح الموقف حرجاً فلا سبيل للعودة، خاصة وأن الموقف يشير إلى إنهم المقصودين في تلك المفرزة، عندها لم يتبق سوى خيار المواجهة، وكان الحاج حسن عارف الذي يقود السيارة قد أعتاد على حمل مسدس في جنبه، وحينما تقدم نحوهم وأشاروا إليه بإيقاف السيارة، وبكل ثقة واتزان أوقف الحاج حسن السيارة، فتقدم إليه ضابط أمريكي ليتكلم معه، فعاجله الحاج برصاصة في رأسه أردته قتيلاً، عندها انقلبت كل الموازين، وبسرعة فائقة خرج الحاج حسن عارف وأبو أحمد من السيارة فأطلق الحاج الرصاص على الجنود فردوا عليه فأردوه قتيلاً، نحسبه شهيداً، والله حسيبه،

وعند هذه النقطة انتهت كل التفاصيل بالنسبة للحاج حسن، ولا أظنه بعد ذلك مهتم بما خلّفه وراء ظهره من الدنيا وما فيها، أما بالنسبة لأبي أحمد وصاحبه، فلا يزال الموقف في بدايته، فقد تشابكت الأيادي بين أبو أحمد وأحد الجنود، حتى أصابوه بجرح، وأجتمع عليه جنود الاحتلال فأخذوه جريحاً، أما الثالث منهما فقد قفز بسرعة من المقعد الخلفي للسيارة إلى مكان السائق، وقام بتحريك السيارة للأمام بسرعة فائقة، مواصلاً السير، يتسابق مع وابل الرصاص الذي أطلقه عليه الأميركان، وأستمر بالمسير حتى أبتعد عن أنظارهم، ثم قفز من السيارة مفضلاً مواصلة الهروب ركضاً، وقد مكنه الله من الهرب، دون أن يصاب بأذى حتى عاد إلى الإخوة وأخبرهم بالخبر، هذا ما بلغنا من أخبار الإخوة وقد وصل إلينا الخبر صباح هذا اليوم، إلاّ إن هذا الحادث قد حدث عصر الأمس، وبالطبع فقد غير هذا الحادث مجرى الأحداث بكاملها، فأصبح لزاماً على الإخوة تغيير كل الأمور والمعلومات التي يعرفها أبو أحمد، خاصة وأنه لا توجد صغيرة ولا كبيرة إلاّ ويعرفها، لذلك فقد كان وضع الإخوة محرجاً للغاية.

بقيناً نحن في معسكرنا لا نعلم ما حلّ بالأخوة هناك، ولا نملك لهم سوى الدعاء، وأكثر ما يحزننا هو أسر الأخ أبو أحمد، وقبل صلاة المغرب عاد أبو رغد إلى المعسكر فسألناه إن كان هناك جديد حول أخبار الأخوة فلم يكن لديه شئ عن أخبارهم ، وعندها جلس أبو رغد وحاله لا يوصف لما لقيه الأخوة.

عندها جاء إليه (عبد الرحمن) وقال له أن لدي كمية كبيرة من الأدوية والمواد الطبية في بغداد، فإن شِئتَ أذهبُ غداً إلى بغداد لأحضرها لكم مع بعض الأغراض الأخرى التي تحتاجون إليها في المعسكر، عندها لم يتردد أبو رغد في الموافقة على ذلك الطلب لأنها فرصة سانحة للتخلص من (عبد الرحمن) فلن يُدخله مرة أخرى للمعسكر، عندها أخبره أبو رغد بأنه أذا خرج غداً صباحاً إلى راوة فسيأخذه معه ويوصله إلى حيث سيارات النقل إلى بغداد، وتجدر الإشارة إلى أن أبا رغد كان في أيامه الأخيرة يلاقي من التعب ما الله به عليم، فلم يكن أحد منا يلاقي ما يلاقيه حتى الأخوة الذين يرافقونه دائماً في حله وترحاله، وبالطبع لم تذهب جهوده سدى فقد وفر لنا كمية لا بأس بها من الأسلحة، إلاّ إن الأمر الأهم الذي كان يشغل بال أبي رغد هو إيجاد مكان بديل للمعسكر لنقل الإخوة إليه بأسرع وقت، فحتى الصحراء لم يكن فيها مكان ملائم، فضلاً عن أن بقاء الأخوة في الصحراء لا جدوى منه، فهم لم يتدربوا كي يسكنوا الصحراء بل لقتال أعداء الله والتنكيل بهم، فكان هذا الأمر هو الهاجس الأكبر الذي يؤرق مضجع أبو رغد، وبالرغم من عدم الوصول إلى نتيجة إلاّ إن اليأس لم يكن ليعرف طريقاً إلى قلبه، فلم يكِلّ أو يملّ من ذلك، وبعد صلاة المغرب في ذلك اليوم تناول الإخوة وجبة العَشاء، وبقينا ننتظر صلاة العِشاء حتى حظر وقتها، ثم صلينا وخلد كلٌ إلى فراشه، أما أبو رغد فقد هيأ نفسه للخروج، فقد كان قد أعطى مبلغاً من المال لأحد الأشخاص لشراء كمية من السلاح، فتأخر الموعد وكانتْ هناك مماطلة في الموضوع، فأراد أن ينهي الموضوع فأما أن يأتي بالسلاح، أو يعيد المال من ذلك الرجل، فغادر المكان وبينما نحن نيام وقد بلغت الساعة الثانية ليلاً وإذا بي أسمع صوت إطلاق الرصاص في المعسكر فلم أعلم أفي حلم أنا أم حقيقة !؟ وركّزتُ قليلاً فإذا بالأمر ليس حلماً، فقد سمعتُ صوت أبي رغد وهو ينادي الجميع بأعلى صوته وعلى جناح من السرعة نهضتُ من فراشي ولبستُ حذائي وحملتُ سلاحي فركضتُ مسرعاً إلى جهة الصوت والأخوة بين نائم وغير مصدق لما يسمع والبعض يركض إلى أبي رغد منهم من يحمل سلاحه ومنهم من دون سلاح، ولم أشعر بنفسي إلاّ وأنا أقف بين يدي أبي رغد مع بعض الإخوة ورأيت أبو رغد يحمل بندقيته الصغيرة، وقد أشار لأبي يزيد العتيبي بأن لا يسمح لبقية الأخوة أن يحضروا إليه، عندها توقف كلٌ في مكانه ولا أحد يعرف شيئاً مما يدور حوله، وبعد أن رأيتُ ذلك المشهد استنتجت بأن أبا رغد قد قام باستنفار للأخوة ليعرف مدى استعدادهم إذا ما داهمهم العدو،

فبدأ يتكلم كلاماً شديداً على الإخوة الذين تأخروا في الحضور، موصياً الجميع بوجوب أخذ الحذر، وعدم الغفلة عن السلاح، وأن لا نعطي ظهورنا لأعدائنا لنكون لهم لقمة سائغة، ثم دوّن أسماء الإخوة الذين حضورا بسلاحهم وأمتعتهم وقال بأنهم سيخرجون في أول عملية أن شاء الله وقبل أن ينصرف قال أبو رغد (بلغنا بأن الأخ أبو احمد موجود في مستشفى القائم وأن القوات الأمريكية تحيط بالمستشفى، وقد كلفنا أحد الأخوة ليأتي لنا بالخبر اليقين بأسرع وقت، وإذا كان هذا الكلام صحيحاً فلن نترك أخانا بيد الأمريكان وسوف نطوق المستشفى وإما أن يخرج معنا أو نقتل قبله)، فتعالت بعد ذلك التكبيرات الحماسية وارتفعت بذلك معنويات الإخوة.

ولم يغادر أبو رغد مكانه حتى أخبرنا بخبر آخر وهو (إن الطائرات قد بدأتْ تحوم فوق المعسكر الثاني، وأن الأخوة هناك لوحدهم، وليس معهم أحد من الأمراء، ولن نتركهم والطائرات تحوم حولهم، فقد يكون أبو أحمد قد دلّ على المكان نتيجة التعذيب الشديد، أو إنهم أخذوا المعلومة بطريقة أُخرى، ولذلك سنقوم حالاً بالذهاب إليهم ونجلبهم إلينا بسيارتنا حتى نجد حلاً لنا ولهم، فمكاننا ومكانهم أصبح غير ملائم للبقاء)، بهذه الكلمات أنهى أبو رغد الموقف، واعداً إياناً بأنه سيقوم بحالة الاستنفار مجدداً، لكي لا ينام أحدٌ منا، إلاّ وهو آخذٌ جميع عدته، ومرتديا حذائه، ولا يفارق سلاحه مهما كلف الأمر.

بعدها عُدنا نحن إلى الفراش، وعاد أهل الحراسة لحراستهم، وأنشغل كلٌ بشغله، عدا أبو رغد فقد أخذ سيارة (الدانيا) إضافة إلى سيارة (البيك أب) متوجهاً إلى المعسكر الثاني ليجلب الإخوة إلينا بالرغم من أن المكان لا يكاد يستوعبنا نحن، إلاّ أن الضرورة تحتّم علينا أن لا نترك إخواننا لوحدهم.

أذّن الفجر فنهضنا للصلاة، وعندها لاحظنا وجود الزوار الكرام، أعني الإخوة من المعسكر الثاني فلم تحن صلاة الفجر إلاّ وأبو رغد قد أكمل جلب الإخوة بالكامل، سوى خمسة منهم فقد بقوا هناك لحراسة الموقع وما فيه، وكان أحدهم أبو العباس المصري وبعد أن توضأ الإخوة، وقد أخذ ذلك منهم وقتاً نظراً لكثرتهم، أُقيمت الصلاة فتقدم أبو حمزة النجدي ليصلي بنا، وبعد الصلاة أخذ الأخوة يسلم بعضهم على بعض وقد كانوا يجتمعون ببعضهم لأول مرة، وكان من بينهم أبو الحور النجدي، وكان جاراً لأبي رغد في بلاده، وقد رأيتُ عند ذلك بعض الأخوة الذين تعرفتُ عليهم عندما كنتُ في معسكرهم أول أيامه، وكان ممن جاء مع الأخوة أبو سهيل اللبناني، وقد سرتني رؤيته.

بعد ذلك كان علينا أن نتوجه إلى ساحة التدريب فركبنا نحن في سيارة (الدانيا) وتوجهنا إلى ساحة التدريب كالمعتاد، أما الأخوة فقد توجهوا مشياً على الأقدام إلى ساحة تدريب أُخرى، وبعد أن أكملنا التدريب عُدنا سيراً على الأقدام إلى المعسكر، وعندما وصلنا إلى هناك جلسنا، وكان الإخوة لم يأتوا بعد من التدريب، وقد جهز أبو القعقاع الأردني وأبو مجاهد الشمري الفطور، ولا زلنا جالسين نتجاذب أطراف الحديث بينما عاد الإخوة فاجتمعنا سوية، مستأنسين ببعضنا، وأجمل شيء هو أن الصبيّان عبد القادر السوري وأبو سهيل اللبناني كانا قد لزما بعضهما، وظلا طوال اليوم سوية، ولم يفترقا، فهما في نفس السن، وبعد وجبة الإفطار أراد أبو رغد أن يذهب إلى مدينة راوة، فصحبه (عبد الرحمن) ذاهباً إلى بغداد فخرج أبو رغد من المعسكر وقد ترك الأخوة يضيق بهم المكان، إلاّ إنه كان قد حُمِّل ما لا يطيق، فقد أُلقيتُ على كاهله كل الأعباء، فأصبح لزاماً عليه أن يقوم بتوفير المأوى الآمن لقرابة المائة شخص.. وهكذا غادر أبو رغد المعسكر وعند وصوله إلى راوة أوصل عبد الرحمن إلى حيث سيارات النقل إلى بغداد ثم توجه أبو رغد إلى عمله.

لم يتأخر أبو رغد طويلاً في راوة، فعاد إلى الإخوة في المعسكر وكان قد أحضر معه أبو حفص النجدي وأبو البراء العتيبي، وكانا لم يتماثلا للشفاء بعد، وبقي أبو طارق اليمني وأبو العباس المالكي في بيت المرضى، وعندما سألنا أبو رغد عن أخبار أبي احمد أخبرنا بأن نبأ وجوده في المستشفى غير صحيح، ولم يتأخر أبو رغد طويلاً عندنا، فقد غادرنا، وكان يبدو بأن لديه عملا مهما يتعلق بوصول أخوة جدد، وبعد إن غادر أبو رغد بفترة قصيرة رأينا دراجة نارية تسير باتجاه المعسكر وكانت تُقلُّ على ظهرها شخصين، وعندما اقتربت كان أحدهم يلوح لنا بيده فعرفنا أنه يقصدنا، وما هي إلاّ لحظات حتى عرفنا ذلك الشخص، فقد كان أبو وقاص الفلوجي عائداً من الفلوجة، وكان لأول مرة يدخل إلى الموقع الجديد، وعندما نزل في أرض المعسكر أستقبله الأخوة بعد غياب طويل، وكانوا قد تحرقوا شوقاً إليه، وقد تفاجأ أبو وقاص بوجود أخوة المعسكر الثاني فأخبرناه بالخبر كاملاً، وعندما جلس في المسجد ألتف الأخوة حوله، وكان قد جلب معه بعض الأغراض لأبي همام الأردني، منها ثوب جديد، ويشماغ، وحانت صلاة الظهر ولا زال أبو رغد خارج المعسكر، عندها جاء قطيع أغنام ومعه صبيّان على الجانب الآخر من مجرى العين، بحثاً عن الماء والكلأ، ولما رآها أبو أنس العتيبي أعجبه المنظر فطلب مني أن أذهب إليهم لأطلب منهم بعض اللبن، فبدأتُ أولاً بالحديث معهم لمعرفة مكانهم وحالهم وسبب مكوثهم هنا، فتبين أنهم بدواً رُحّلْ يسكنون في خيمة على بعد أربعة كيلومترات تقريباً منا، أما هم فكذلك دفعهم الفضول لمعرفة سبب تواجدنا هنا، وقد استغربوا وجودنا بهذا العدد في هذا المكان،

وبعد أخذ وجذب بالحديث طلبتُ منهم أن يحضروا لنا لبناً، فرحبوا بذلك ووعدونا بذلك في الغد، ثم عدتُ إلى أبي أنس العتيبي وقلتُ له: (أصبر حتى الغد)، وحتى هذه الساعة كلما رأيتُ لبناً ذكرتُ أبا أنس وقد رحل من الدنيا دون أن يتوفر له ذلك الطلب البسيط، واسأل الله أن يكون قد أبدله بنهر من اللبن في جنات النعيم.. بعد ذلك أجتمع الإخوة في المسجد وقد كان أغلب أخوة المعسكر الثاني يجلسون في المسجد نظراً لضيق المكان، فلم يكن في المعسكر سوى خيمتين صغيرتين، وسقيفة صغيرة كانتْ تحوي أغراض المطبخ مع بعض المواد الغذائية، وحتى تلك الخيام الصغيرة لم تكن إلاّ ليتفيأ الأخوة تحت ظلالها أثناء النهار هرباً من حرّ الشمس، وكان منظر عبد القادر السوري وأبو سهيل اللبناني لا يزال يُزيّن المكان، فلا تلتفت إلى زاوية من زوايا المعسكر إلا ورأيتهم سوية، كأنهم من طيور الجنة، تنضح البراءة من وجوههم..

وفجأة أصبح عبد القادر على غير عادته، فلم يعد مرحاً كعهدي به، بل أنه كان ذلك اليوم صامتاً لا يتكلم إلى أحد، وقد أنطوى على نفسه، ولم يأنس سوى بأبي سهيل، ولم يكن عبد القادر السوري الوحيد الذي أصبح على هذه الحال، بل إن أغلب الإخوة كانوا كل واحد منهم يعيش في عالم معزول عن هذه الدنيا وما فيها، وكنت لأول مرة أرى فيها أن من كُتب عليه الموت يتغير حاله لهذه الدرجة.

لا يزال الأخوة بحالهم هذا حتى صلاة المغرب، وبعد أن صلينا وقد بدأ الليل يرخي سدوله علينا جاء أبو رغد إلاّ إن المفاجئة التي لم نكن نعلم بها هو أنه قد أحضر معه ستة من الأخوة الجدد الذين التحقوا بنا لتوهم، فأستقبلهم وأحضرهم إلى المعسكر، ففرحنا لقدومهم وسلمنا عليهم جميعاً، أما هُم فلم تكن صدورهم تتسع لفرحتهم بوصولهم إلينا ومع أني سلمتُ عليهم جميعاً إلاّ أنني لم أُميز أُشكالهم بسبب اختلاط الظلام، غير إن أحدهم كان طويلاً أكثر من البقية، وكنتُ أنتظر النهار بفارغ الصبر لأراهم وأتعرف عليهم وأعتقد بأن أحدهم كان أبنَ عم لأبي عاصم اليمني.

في ذلك اليوم كان برنامج مجموعتنا المنهاج الثقافي فطلبنا من أبي حكيم اليمني أن يلقي درساً على الإخوة، فأشار علينا بأن نجمع الإخوة في المسجد ويقومون بإنشاد الأناشيد، خاصة وأن في مجموعتنا أبو عاصم ولا أجملَ من صوت أبي عاصم، عند ذلك ذهبتُ وجلستُ عند أبي رغد وكنتُ أرى في وجهه الشحوب الشديد وقد أثقله التعب فجلستُ معه مع بعض الإخوة، تكلمنا في بعض الأمور.. في تلك اللحظات كان جميع الأخوة مجتمعين في المسجد ولا يكاد يحتويهم، فبدأ أبو عاصم بالإنشاد وكنتُ أسمعه يُنشد بكل حماس، وقد انهمرت الدموع من عينيه، فيما أخذ الإخوة يرددون معه وينشدون، فعلتْ الأصوات مع النشيج والبكاء، وكان الموقف أعجبُ ما رأيتُ في المعسكر، وكأن الأمر ليس مجرد جلسة إنشاد، فلم أعهد الإخوة بهذه الحال منذ أن عرفتهم، حيث كانت أحاسيسهم ومشاعرهم مشدودة مع الموقف، والذي يميزهم هو إنهم كانوا وكأنهم يجلسون ليودعوا بعضهم، فلعلهم شعروا بقرب الرحيل، فالدموع منهمرة، ولا أدري أهي دموع الفرح، أم غير ذلك، وكان ذلك سراً لم أنتظر طويلاً لاكتشافه!!
لم يزل الإخوة على حالهم حتى حانت صلاة العشاء عندها أنفض المجلس وتهيأ الإخوة للصلاة وكان أبو رغد ينوي الذهاب إلى راوة ليلتقي بذلك الرجل الذي أعطاه المال لشراء السلاح، ولم يكن أبو رغد ينوي أن يصلي العشاء في المعسكر فقال للأخوة الذين سيذهبون معه بأن لا يصلوا في المعسكر وكان أيضاً سيأخذ معه أبو حفص النجدي وأبو البراء العتيبي، فذهبتُ وأخبرتهما بأنهما سيذهبان مع أبي رغد إلى بيت المرضى، لذلك فقد حملا سلاحهما ووقفا عند أبي رغد بانتظار الذهاب، وقبل أن يذهب أبو رغد قال له أحد الإخوة من المعسكر الثاني بأن عليه أن يترك أبو يونس اليمني في المعسكر، فمن الخطورة أن يكونا سوية فإذا أصاب أحدهما مكروه كان الآخر سالماً مع ضرورة بقاء أمير للمعسكر، فأجابه أبو رغد قائلاً (أن كل واحد من الأخوة في المعسكر أمير بحد ذاته، وأن الأخوة على مستوى عال من الإدراك والشجاعة فلا حاجة أن يبقى أحدنا معهم طوال الوقت)، وهكذا غادر أبو رغد المعسكر برفقة أبي يونس اليمني وأبو حكيم اليمني وأبو عبيدة الأردني وأبو القعقاع الجزائري وأبو وقاص الفلوجي وأبو عمر النجدي وهم على أتم الاستعداد للقاء العدو في أي مكان وزمان، وبالطبع كان برفقتهم أبو حفص النجدي وأبو البراء العتيبي لإيصالهما إلى بيت المرضى، فغادر الأخوة المعسكر ولم يخطر ببالهم إنها ستكون آخر لحظاتهم فيه وأنهم لن يطئوه مرة أخرى، ولو علموا ما أخفتْ لهم الأقدار لبقوا سوية مع إخوانهم.

أما نحن فقد اجتمعنا للصلاة وصلى بنا أبو حمزة وقنتْ في صلاته، وأطال الدعاء، فكان مما دعا به(اللهم خذ من دمائنا اليوم حتى ترضى)، وبعد الصلاة ذهب الأخوة إلى حيث مكان نومهم، غير إن الأخوة في المعسكر الثاني لم يكن لهم مكان سوى المسجد، فكانوا مستقرين فيه، وبعد أن خلد كلٌ إلى فراشه بقيتُ واقفاً قليلاً مع أبي صهيب النجدي، وكان في ذلك اليوم في غاية الفرح، فقد أخبرني بأنه أتصل بأهله وأخبروه بأن أحد أخوته قد رُزق بمولود ذكر، وأنهم أسموه على أسم أبي صهيب، بعدها بقيتُ واقفاً قليلاً والأخوة في فراشهم وكان أبو يزيد العتيبي لا يزال مستيقظاً فجلستُ عنده مع أبي صهيب قليلاً ثم تركناه لينام نومة لم يستيقظ منها أبداً، ولم يبق أمامي سوى أن آوي إلى فراشي كبقية الأخوة، وبالطبع كان الجميع مستعدين للاستنفار، فقد أمسك كل واحد منهم بسلاحه ولبس حذائه وكل تجهيزاته.

وإلى هذه اللحظة، وهذه النقطة من الزمن، توقف كل شيء، وانتهت كل آلامهم، ولم يبق شيء من مشاكلهم، وبإغماض أعينهم أنجلت كل الهموم والأحزان، لينتقلوا إلى عالمهم الذي يسعون إليه، ولم يصبهم بعد ذلك تعب، ولا نصب، ولا حرّ، ولا زمهرير، بإذن الله عزّ وجل، وعند هذه اللحظة هبط السكون، وخيم على المعسكر، ودخل المكان بأكناف الطمأنينة والسكينة.

في تلك الليلة من يوم الخميس، الموافق 13/6/2003م وبعد أن نام الإخوة جميعهم، كنت آخر من خلد إلى فراشه، بعد أن جلست قليلا مع أبي صهيب النجدي، ثم أغمضت عيني وأنا ممسك ببندقيتي، وآخِذاً كامل عدتي، ومتجهزاً لاستنفار أبي رغد المرتقب، وبعد أن علت المعسكر سحابة من السكون والطمأنينة، لم يطُل هذا السكون طويلاً، بل لم يدرك أحدنا أن هذا السكون والهدوء أنما هو الذي يسبق العاصفة، فقد أستمر هذا الهدوء حتى جاءت الساعة الواحدة والنصف ليلاً، ودون استئذان، وعلى حين غرة، شق هذا الهدوء والسكون صوتٌ مدوٍ لم يكن بالحسبان، ولم يعرف أحد منا ما الذي يحدث، فحتى الذي رأى بعينيه ما حدث لم يكن ليصدق عينيه، إلاّ إنه لا سبيل لتكذيب السمع والبصر في آن واحد، فقد كان هذا الصوت عبارة عن انفجار كبير كان من نصيب سيارة (لدانيا) التي في المعسكر، إلاّ أن الأخوة لم تكن لديهم فرصة للتفكير بما يحدث، بل إنه لم يكن هناك حاجة للتفكير، فقد بدأت الإنفجارات تتوالى بكثافة وبكل بشاعة، عندها نهض الأخوة جميعهم مذعورين لا يعرفون ما يدور حولهم، ثم حدثت جلبة، وعلت الأصوات والصيحات، فقد تبين أن هذه الإنفجارات إنما هي قصف جوي من الطائرات الحربية، ولم يترك القصف فرصة للنجاة لأحد، فقد كانت الصواريخ تنهال على الأخوة في كل أرجاء المعسكر، وكان للمسجد منها نصيب الأسد.

ونظراً لضيق المكان، وكثافة السكان، وضراوة القصف لم يتمكن الأخوة من الخروج من المعسكر، فقد كانت لكل بقعة من المعسكر نصيبها الوافر من الصواريخ، فكانت تلاحقهم، فإذا أعطوها ظهورهم استقبلتهم غيرها بوجوههم، وخلال لحظات أصبحتْ الأشلاء والدماء والأطراف المتطايرة تملأ المكان، ولم تُسمع الصيحات بعد ذلك، سوى بعض الأنين عند أثنين أو ثلاثة من الإخوة تأخرت عنهم الحور الحسان، وبالرغم من انقطاع الصيحات إلاّ إن دوي الصواريخ لم ينقطع، وبعد هذا القصف البشع خَيّم هدوءاً آخر على المكان، ولم يبق هذا الهدوء طويلاً، فما هي إلاّ دقائق حتى عادت الطائرات المروحية وبدأت تقصف المكان بالصواريخ، وأستمر القصف لمدة ساعتين لم تترك مكاناً فيه إلاّ وألقت فيه صاروخاً، وأن دلَّ هذا على شيء فإنما يدل على جبنهم وبشاعتهم عليهم لعنة الله، وبعد أن أستمر القصف وقتاً طويلاً بدأت المروحيات بتمشيط المكان بالمدافع الرشاشة، واستمرت الطائرات بالتمشيط في المكان طولاً وعرضاً، خوفاً من أن يكون هناك ناجٍ من بين الأخوة، ولم ينقطع التمشيط إلاّ عندما بدأت الشمس بالشروق، وبعد ان أشرقت الشمس توقف القصف والتمشيط، إلاّ إن الطائرات ظلت تملأ السماء، فلا يغيب منظرها عن البصر، وكان تواجدها كثيفاً جداً وبالعشرات، وعند الساعة السادسة والنصف تقريباً دخلت المدرعات والآليات إلى المكان، وانتشر الجنود وبدأوا بإطلاق الرصاص على جثث الإخوة من شدة رعبهم، وبقي الوضع على هذا الحال حتى كانت الساعة التاسعة صباحاً، عندها سمعتُ صوت اشتباك وإطلاق صواريخ الـ (RBG)، مع زخات الـ (BKS)، واستمرت هذه الأصوات لدقائق طويلة ولكنّها صمتت ولم تستمر..

بديهياً عرفتُ بأن أبا رغد قد اقتحم على العدو، وأشتبك معهم في عرض الصحراء وسط جموعهم، وعندما انقطعت أصوات الاشتباك عرفتُ بأن أبا رغد ومن معه لن تتوقف نبضات رشاشهم حتى تتوقف نبضات قلوبهم، فترسخ في يقيني أنه ومن معه قد لحقوا بالإخوة..
وهكذا بقى الأمريكان في الموقع والطائرات الحربية تحلّق في الأجواء، أما المروحيات فكانت قريبة جداً من الموقع، وأستمر الوضع هكذا حتى وقتُ المغرب حيث أنسحب الأمريكان من الأرض ولا زالت طائراتهم تجوب المكان.

كل ما سبق ذكره كان مما وعته ذاكرتي ورأته عيناي مما حدث، فالأمر بكل تفاصيله هو أن طائرات حربية بدأت تقصف المكان بعد إن أستمر القصف لفترة طويلة ولم تُبقِ على أحدٍ من الإخوة، إلاّ تسعة منهم كنت عاشرهم، وكنتُ أنا وأثنين من الإخوة بقينا في نفس الموقع ولم يكن أحدنا يعلم بالآخر، فعن نفسي لم أكن أظن بأن أحداً من الإخوة قد نجا من القصف، وكذلك بقية الإخوة، وكان أثنين من الإخوة وهما أبو الحور النجدي وأبو أيوب النجدي قد ركضوا خارج الموقع واستمروا بالركض خلال أودية أو شقوق صغيرة جداً فتعقبتهم الطائرات المروحية وبدأت تطلق عليهم الصواريخ، حتى ظنّوا بأنهم مُدركون، فلم يكن أمامهم سوى أن يختاروا الموت سُجّداً، فخروا لله ساجدين منتظرين ما ينقلهم من هذه الحياة الدنيا إلى دار الآخرة، ولكن كانت المعجزة، أو المفاجأة، سمِّها ما شئت!! فقد تركتهم الطائرات لشأنهم واستدارت عنهم لتبحث عن ضحية أخرى، ولم يصدقوا ذلك ثم بعدها نهضوا ليواصلوا انسحابهم، وقد يَسّر الله لهم طريقاً إلى أن أصبحوا على مشارف راوة فآواهم رجل عنده.

أما الخمسة البقية من الناجين فكانوا نائمين في أعلى المرتفع عند موقع الحراسة وهم أبو تمام اليمني، وأبو صقر اليمني، وأبو فياض، وأثنين من الأخوة الأنصار من أبناء المنطقة، وكان معهم أبو تراب السوري، وعندما بدأ القصف أنفجر بقربهم صاروخ لم يكن يبعد عنهم أكثر من متر واحد، ودون شعور أخذ أبو صقر اليمني يصرخ بأعلى صوته (أين الشظايا؟!!) أي لماذا لم تقتله الشظايا، باحثاً عن الشهادة في سبيل الله، عندها أنسحب الإخوة الخمسة، أما أبو تراب السوري، فقد ركض إلى الأمام ليأخذ (صاروخ ستريلا) فعاجلته الطائرة بصاروخ أرداه قتيلاً، وقد وجد الإخوة جثته فيما بعد وثغره ضاحك، وليس مبتسماً فقط، ووجهه أبيض، تماماً كالقمر في ليلة بدره، أما الإخوة الخمسة، فعند انسحابهم اكتشفوا بأن القوات الأمريكية قد قامت بإنزال كثيف جداً في المنطقة المحيطة بالمعسكر، وكان عدد الجنود والآليات كبير جداً، حتى إنهم لم يكونوا يبعدون عن الإخوة أكثر من خمسة وعشرين متراً، إلاّ إن الله أعمى أبصارهم، كما أعمى بصيرتهم، ولا زال الإخوة يمشون خفية بين شقوق الأرض حتى يَسّر الله لهم الطريق إلى راوة، وما يزيد من صعوبة الانسحاب إن الأرض منبسطة وليس فيها تضاريس وعرة، إلاّ إن الله قد كتب لإخواننا النجاة من قبضة الأمريكان تلك الليلة، وكان من الأمور التي تجدر الإشارة إليها هو أن ثلاثة من الإخوة، منهم أبو الزبير التبوكي، وأبو سليمان النجدي، وأحد الإخوة، كانوا يركضون ثلاثتهم وقد لحقت بهم طائرة مروحية، فقامت بالتمشيط عليهم، فأصابت أبو سليمان، والأخ الثالث، فسقطا على الأرض أما أبو الزبير التبوكي، فلم يُصب بأي أذى، إلاّ إنه رمى بجسده على الأرض وبقي لا يتحرك كي لا تكتشفه الطائرة بأنه لازال حياً، وبقي على حاله إلى أن أشرقت الشمس ودخلت المدرعات فتقدم إليهم جندي أمريكي فقام بإطلاق الرصاص على رأس أبو سليمان النجدي وعلى الأخ الثالث، أما أبو الزبير التبوكي فلم يطلق عليه الرصاص إلاّ إنه حمل حجراً بيده وضربه على رأس أبي الزبير ليتأكد من إنه مقتول، فلم يتحرك أبو الزبير ولم يتألم لتلك الضربة، عندها ذهب عنه ذلك الجندي وتركه لحاله، فبقى أبو الزبير في مكانه لا يحرك ساكناً حتى انسحبت القوات الأمريكية عند المغرب فأغاثه أهالي راوة.
أما أبو رغد فعندما كان مع الإخوة في بيت المرضى، وعند الساعة الواحدة والنصف، سمعوا دوياً هائلاً، اهتزت له أرجاء المكان، حتى ظنوا أن بيتهم قد قُصف، فحملوا سلاحهم وخرجوا من المنزل فلم يروا شيئاً، وعندما توالت أصوات الإنفجارات مع أصوات الطائرات التي تملأ المكان علموا إن القصف في الصحراء، وبالطبع ليس هناك في الصحراء ما يدعو للاستهداف سوى الإخوة، عندها، وبدون تفكير، أمر أبو رغد الإخوة بحمل السلاح وركوب السيارة للذهاب إلى الإخوة، إما لإنجادهم أو لملاقاة نفس المصير، إلاّ إن أبا العباس المالكي وبعض الإخوة المرضى ألحّوا على أبي رغد والأخوة بالبقاء وحاولوا ثنيه عن عزيمته فلم يقدروا على شيء، إلاّ إن أبا العباس وبعد جهد جهيد أستطاع إقناع أبو رغد بأن القصف يستهدف الموقع الأول، خاصة وإن الموقع الثاني لازال جديداً ولم يعرف أحد بشأنه، عندها أطمئن أبو رغد وعلم بأن الإخوة بخير، إلاّ إنه لم يستطيع النوم فبقى طوال الليل يدعو للأخوة، ولم يستطع أحد من الإخوة النوم كذلك، فبقوا كلهم يجتهدون بالدعاء للأخوة في المعسكر، وعندما أصبح الصباح علم أبو رغد بالمفاجأة الغير سارة وهي أن المدرعات كان اتجاهها صوب الموقع الجديد، عندها صُدم أبو رغد بهذا الخبر، فتيقن أن كل القصف في الليلة الماضية إنما كان على الإخوة، ودون تردد قال أبو رغد للأخوة (أني ذاهب إلى الموقع وسوف أقتحم على الأمريكان وأقاتلهم، فمن أراد منكم أن يبايعني على الموت فليركب معي في السيارة، ومن أراد البقاء فليس لي عليه أمر أو نهي)!
فكان الإخوة أشدُّ منه حماساً وشوقاً للقاء ربهم، ففضلوا الذهاب والانغماس في الأعداء وقالوا، إما أن نفك الحصار عمن بقي من إخواننا، أو نذوق ما ذاقوا، فلا حياة بعدهم، بل إن الإخوة المرضى قد همّوا بالخروج معهم، لولا إن أبا رغد أمرهم أن يبقوا رغما عنهم.

وسلّم الإخوة على بعضهم سلام المودع للمودع، وكان موقفاً لا تستوعبه القلوب، فتخيل كيف يودع الأخ أخاه وهو يعلم إنه ذاهب إلى حيث لا عودة، فعجباً كيف يصبر بعضهم على فراق بعض!!

وقام أبو رغد بتسليم كل الأوراق وما كان يحمل في جيبه وتفاصيل العمل لأبي العباس المالكي، وأوصاه بمواصلة المسير، وقال له بأنه يحلل الإخوة ويبيحهم، وقد أطال أبو حكيم اليمني وهو يحتضن أبا العباس المالكي ويكلمه بكلام يداعب القلوب، وبالرغم من شدة وطأة الموقف وصعوبته إلاّ إن الابتسامة لم تكن لتفارق ثغورهم، وكانوا في أشد الفرح لأنهم مقبلين على لقاء ربهم واللحاق بإخوانهم، أما أبو عمر النجدي فكان نائماً في تلك اللحظات، فأفاق ضاحكاً وقال للأخوة (لقد رأيتُ في منامي بأني دخلت الجنة، فرأيت أبا عكاشة اليمني جالساً متكئاً، فوضعتُ يدي على كتفه، فألتفت إلي واحتضنني، وقال لي مرحباً بك يا أبا عمر)!! فلم تكن الرؤيا بحاجة إلى تأويل في هذه اللحظات، ومباشرة ركب أبو رغد في السيارة، ومعه أبو يونس اليمني، وأبو حكيم اليمني، وأبو عبيدة الأردني، وأبو وقاص الفلوجي وأبو القعقاع الجزائري، وأبو عمر النجدي، وحاول بعض أهالي راوة أن يقنعوا الإخوة بعدم الذهاب، فقد انتهى كل شيء بنظرهم، أما الإخوة فقد كانت لهم نظرة أُخرى للموقف!!

وأنطلق الأبطال إلى ساحة النزال، ولهم هدير كهدير الرعد، كالليث يمشي واثق الخطى لا يهاب نباح الكلاب، ولا زالت السيارة تمشي بالإخوة حتى اقتحموا وسط الأعداء، فنزلوا من السيارة، وانتشروا سريعاً، وبدأ إطلاق النار من الطرفين، وقد أشتد النزال، وأثخن الأخوة بأعداء الله حتى أسقطوا لهم طائرتين، وأحرقوا بعض المدرعات، واستمرت المواجهة لأكثر من نصف ساعة، لتسكت بعدها بنادق الأخوة، ولتهدأ دقات قلوبهم، وينتقلوا إلى عالم آخر، ليلحقوا بإخوانهم مقبلين غير مدبرين.

وهكذا انتهت حياة ثُلّة من الأبطال الذين آن للتاريخ أن يذكرهم، فبعد أن جابوا مشارق الأرض ومغاربها شاء الله أن تكون آخر لحظاتهم في هذا المكان، وبهذه الطريقة المشرفة.

ولا أغادر هذا المقام حتى أذكر رؤيا لأبي العباس المالكي يقول فيها: (عندما ذهب الإخوة بقينا نحن الأربعة في البيت وقد كان الأخوة برغم حزنهم العميق على فراق الأحبة إلاّ إنهم فرحين بما نالوا من الأجر إن شاء الله، حتى إن أبا البراء العتيبي لا تفارقه الضحكة بالرغم من مقتل أخيه أبو يزيد العتيبي، فضلاً عن بقية الأخوة) ويضيف أبو العباس المالكي: (عند هذه اللحظات لم أشعر بنفسي إلاّ وأنا نائم فجاءني ملكين أثنين عن يميني وعن شمالي فحملاني وطارا بي، فلما وصلنا السماء الأولى فُتح لنا، وهكذا الحال للثانية، حتى وصلنا باب الجنة، ففُتح لنا، فدخلتُ ورأيت شيئاً ما رأتْ عيني مثله، ولا خطر على قلبي، فرأيتُ الأخوة يلعبون عند النهر، وكان أبو رغد العتيبي والأخوة الستة معه يجلسون على مائدة لوحدهم، عندها رأيتُ أبا عكاشة اليمني يجلس متكئاً على أريكة فسلمتُ عليه، فقال لي إن الأخوة ضيوف عندي وقد جاء أبو رغد ومن معه لاحقاً)، ويواصل أبو العباس المالكي وهو يروي تفاصيل الرؤيا قائلاً: (رأيت عبد القادر السوري يمشي، فسألتُ أبا عكاشة اليمني إلى أين يذهب عبد القادر !؟ فقال لي: لا أحد يعرف رقم هاتف أهله ليبلغهم باستشهاده، لذلك فأنه ذاهب إلى أُمه في الرؤيا ليبلغها بذلك، وبعد ذلك جاءني الملكين وأرادا أن يأخذاني معهم، فبكيتُ ولم أرغب بالذهاب، فهمس أبو عكاشة اليمني بأذني بكلمات، فضحكتُ لقوله، وذهبتُ مع الملكين، وعُدنا كما أتينا، حتى أعاداني إلى حيث أجلس).

أما أنا فلا أدري، أأقول أني نجوت، أم إنهم هم الناجون، فقد بقيت جريحاً طريحاً في موقع المعسكر حتى غروب شمس ذلك اليوم وكانت قصة بقائي دون قتل أو اعتقال من اغرب أحداث القصف حسب اعتقادي.

ومن الغريب أيضاً أنني في ذلك النهار الذي سبق ليلة القصف كنت قد أتممت كتابة وصيتي فوضعتها في ظرف رسالة وكتبت عليها اسمي ووضعتها مع بقية أغراضي إلا ان القنابل والصواريخ قد أخطأتني وأصابت وصيتي فتمزقت الوصية بينما بقيت أنا حياً!
وهكذا انتهت تفاصيل القصف بما تحمل من أحزان وقد ذهب ضحيته قرابة التسعين أخاً، أما ما كان من (عبد الرحمن) فعندما أوصله أبو رغد رحمه الله إلى راوة غيّر وجهته ولم يذهب إلى بغداد، بل عاد وجلس في بيت أناس كان قد تعرّف عليهم مسبقاً، وبعد القصف كان (عبد الرحمن) المتهم الأول لكل ما حدث مِنْ قِبل مَن نجا من القصف، وشاع هذا الأمر عند الناس، ولما وصل هذا الخبر إلى (عبدالرحمن) قام يبكي، ويقسم بالله إنه ليس له يد في كل ما حصل، وقد خضعتْ ورقت قلوب هؤلاء الذين هو عندهم، فصدّقوا كلامه، وأوصلوه إلى بغداد فبلغ بذلك مأمنه، وبالطبع كان هذا التصرف أخرقاً، وغير مقبول من هؤلاء، ولكنها العاطفة العمياء التي تسيطر على البعض، فأُفلت بذلك (عبدالرحمن)، لكنه لم يفلت من قدر الله.

لا حاجة لوصف ما كان عن حال الإخوة الذين نجوا من القصف، أو الذين كانوا خارج المعسكر، وكان من قدر الله أن أبا محمد اللبناني لم يكن في المعسكر عندما جاء أبو رغد رحمه الله وأخذ الإخوة، فقد كان ذاهباً إلى القائم مع أبو العباس المصري، والذي كان طالب علم متمكن، وعندها بلغهم نبأ القصف، وأول ما سأل عنه أبو محمد اللبناني هو ماذا فعل أبو تمام اليمني، فلما أبلغوه بنجاته من القصف حمد الله على ذلك، ثم سأل عن بقية الإخوة، وبعدها سأل عن أبنه، وفلذة كبده، محمد (أبو سهيل)، رحمه الله، فأخبروه بمقتله، فسجد شكراً لله تعالى، بعدها هرع الجميع وذهبوا إلى مدينة راوة ثم التقوا بالأخوة أبي تمام ومن معه، وبعد انسحاب الأمريكان من الموقع جاءوا إليه مع أهالي راوة ليروا ما حل بالأخوة، فكان أمراً غاية في البشاعة والقسوة، فالكثير من الإخوة أصبحتْ أجسامهم عبارة عن أشلاء، وبعضهم لم يُبقِ لهم القصف أثر، وبعد إن أكمل الإخوة دفن القتلى في مقبرة مستقلة في راوة، ألتم الشمل مرة أُخرى والجراح تملأ القلوب، وأصبحتْ البداية من جديد أمراً غاية في الصعوبة، وأصعب شيء هو إيجاد المأوى الآمن للأخوة، وعندها كان أبو محمد اللبناني قد تصدر أمر الإخوة، وكان يمثل روح الجماعة.

بالطبع كان أهم ما يشغل الأخوة هو الوصول للشخص الذي أرتكب هذه الجريمة، وبالرغم من توجيه أصابع الاتهام لـ(عبد الرحمن) إلاّ إنه كان من المعلوم إنه ليس إلاّ ذَنَبٌ خبيث لرأس أخبث، فكان معرفة هذا الرأس هو ما يشغل بال الأخوة، ولا أريد هنا ان أخوض في بعض هذه التفاصيل التي لا أرى من ذكرها فائدة سوى أن عبد الرحمن كان فعلا هو من ألقى بعشرين قرصا للتتبع أثناء حراسته ليوم كامل، ولكنه كان أيضاً ينفذّ أوامراً لأطراف أخرى بالتأكيد.

عاد عبد الرحمن إلى راوة بعد أكثر من شهر من القصف، وذهب إلى أحد الأشخاص ليسأله عمن نجا من الأخوة، بحجة رغبته في لقائهم، ولكنه سرعان ما غير رأيه، وقرر العودة إلى بغداد، غير أن ذلك الشخص قام بتأخيره بحجة تأمين سيارة ذاهبة إلى بغداد، ثم قام بتسليمه للإخوة، حيث ركب عبد الرحمن مع اثنين من الإخوة في سيارة (بيك أب) وساروا في الصحراء بحجة إيصاله إلى تلك السيارة الذاهبة إلى بغداد، بينما كان أبو محمد اللبناني يختبئ في حوض السيارة الخلفي، وبعد مسيرة ليست بالقصيرة أحس عبد الرحمن بالخوف، وفي منتصف الطريق أوقف الإخوة السيارة وانزلوا عبد الرحمن، وظهر أبو محمد اللبناني فأُسقط في يد عبد الرحمن، وعلم أنه وقع في الفخ، مع أنه لم يكن قد رأى أبو محمد اللبناني من قبل، ثم قام الإخوة بتقييده ووضعه في الحوض الخلفي، وبقي معه أحد الإخوة، بينما سارت السيارة إلى مشارف مدينة القائم عبر الصحراء، وعند وصولهم إلى المكان المطلوب نزلوا جميعا واقتادوا أسيرهم إلى مكان التحقيق، فحقق معه أبو محمد اللبناني، وكان أول سؤال وجهه له أبو محمد هو: (أين زرعوا لك جهاز التتبع)؟!
فأنكر عبد الرحمن هذه المسألة، ثم وأثناء التحقيق تبين صدق ظنهم، وتأكدت شكوكهم به، فقد كان هو من أرتكب هذه الجريمة، وقد أخذ مقابل ذلك عشرين ألف دولار، وكانت اعترافاته كالتالي:

أسمه (عبد الرحمن لؤي) وهو من سكنة بغداد، منطقة الاعظمية، قرب جامع عبد العزيز العمري، وأبوه مهندس يؤم الناس في الصلاة في الجامع، وكان من مواليد 1982 ويدرس في كلية التمريض جامعة بغداد المرحلة الأولى.
وعندما سُئل عن سبب وكيفية دخوله المعسكر ووضعه للأقراص قال: (أعطوني عشرين قرصاً، وأعطوني عشرين ألف دولار، ودلّوني على كيفية الدخول للمعسكر، وقالوا لي بأن أضع الأقراص وأخرج من المعسكر، وبعد إن خرجتُ بقيتُ في راوة لأعرف النتيجة، وكنتُ قد ألححتُ على أبي رغد بأن يعيد المرضى إلى المعسكر كي يلاقوا ما سيلاقيه البقية).

وعندما سُئل عن كيفية القصف أجاب قائلاً (أن الطائرات الحربية قد بدأت تقصف المكان، ثم توالت بعد ذلك المروحيات وقصفت المكان أيضاً، ثم قامت بتمشيطه، ومن ثم دخلت القوات البرية) وأعجب العجب وأغرب الغرائب هو ما أعترف به بعد ذلك وهو (بأنه يهودي !!) وهو يعيش في العراق منذ حرب عام 1991 و قد دخل هو وعائلته من الكويت بعد اجتياحها.

كما أن عبد الرحمن، بعدما أعترف بفعلته، لم يعترف على بقية عناصر الشبكة، ليواصلوا العمل من بعده، وكان مراوغا شديداً، والغريب في الأمر أنه وبالرغم من اعترافه بجريمته إلا أنه كان يرفض إعطاء أسماء الأشخاص الذين يتعامل معهم وكان يحرص بشدة على عدم إعطاء المعلومات، لولا حنكة أبو محمد اللبناني التي انتزعت منه كل شيء، وفي نهاية الأمر بدأ عبد الرحمن يتكلم ببعض الوضوح فلم يبق له الأخوة خياراً آخر.

إلاّ إن أبا محمد لازال مُصراً على سؤاله الأول وهو أين زرعوا جهاز التتبع، فأراد أن يوهمه وقال له بأن الطائرات بدأت تحوم فوق المكان فلا شك أنك تحمل جهاز تتبع، ولا زال عبد الرحمن يراوغ في الإجابة عن هذا السؤال، عندها سأل أبو محمد الإخوة وقال لهم (أين حذاءه) فقالوا له في السيارة، فأحضروه وفتشوه، فلم يجدوا فيه شيئاً، ثم ألقوه على الأرض، وبعد لحظات نظر أحدهم إلى الحذاء فرأى فيه قطعة من الجلد مخلوعة في أسفل الحذاء الأيمن، فقال للأخوة (إن جهاز التتبع كان مزروعاً تحت هذه القطعة فخلعها وألقى بالجهاز في السيارة لكي يعثر الأمريكان علينا بعد قتله)، فوافقه الأخ الذي كان معه في الحوض الخلفي وقال: (نعم والله لقد كان يلعب بحذائه وهو مقيد في السيارة) وبسرعة ذهب الأخوة إلى السيارة ولم يتركوا فيها زاوية إلاّ وفتشوها، فكان الأمر كما توقعوه، فقد عثروا على جهاز تتبع صغير جداً لونه أصفر، ملقى في حوض السيارة، وبدون تفكير قام الأخوة بأخذ الجهاز إلى مكان بعيد جداً و قاموا بإتلافه.

وهنا لم يبق أمام (عبد الرحمن) خيار سوى أن يقدم لهم القربات، وهي المعلومات المهمة التي يحتاجها الإخوة، فما أبقى في جعبته شيء إلاّ وأخرجه، بما في ذلك أسماء شركائه في العمل، وقد تولى بعض الإخوة في بغداد العمل على التحري والتأكد من صحة تلك المعلومات وقد أكدوا تورطهم في العمالة لصالح الأمريكان والموساد، فذاقوا من نفس الكأس التي ذاقها (عبد الرحمن)، أي أن ما أدلى به عبد الرحمن كان كلاماً واقعياً وليس من باب إرضاء المحقق، بالرغم من أنه كان لا يدلي بالمعلومة إلا إذا طفح كيله.

وهنا بقي سؤال أخير وُجِه لـ(عبد الرحمن) ألاّ وهو: (لماذا أتيت هذه المرة)، فأجاب: (أرسلوني مرة أخرى لأتتبع أخبار البقية الذين نجوا من القصف)، عندها قالوا له ألم تكن تتوقع أن نمسك بك، ونقتص منك، فأجاب (كنت أظن أنني إذا جئتُ إلى أهالي راوة سيستقبلونني بالترحيب ويعتقدون بأنني من بقية المعسكر وسوف يتعاطفون معي خاصة وأنني برّأتُ نفسي أمامهم عندما اُتهمت بعد القصف مباشرة)، ولم يعلم ذلك المنافق الملعون إن الحيلة لم تعد لتنطلي على الأخوة فقد كُشفتْ كل الحقائق، ولكنها عناية الله عز وجل وحكمته، التي أرادت أن تشفي صدور الأخوة، وخاصة أبو محمد اللبناني، الذي قطف ذلك الملعون ثمرة فؤاده، وبذلك انتهى كل الكلام، ولم يبق إلاّ القصاص، وقد أخذ أبو محمد يتكلم معه ويقول: (هل تعلم أنك قتلتْ تسعين مجاهدا ً، وهل تعلم أنك قتلتْ معهم طفلين، وهل تعلم إن أحد هذين الطفلين هو أبني) فلم يكن ذلك الشيطان يملك جواباً، ثم انتهى كل شيء بتكبيرة أبي محمد اللبناني حينما جز عنقه.

كما تمكن الأخوة من أسر ضابط المخابرات الإسرائيلي الذي كان يقف خلف عبدالرحمن، وكان هو صاحب المخطط من أوله إلى آخره والمسمى (أبو معاذ)، الذي تمكن الإخوة من التوصل إليه واعتقاله وأخذه إلى مكان بعيد، وقبل أن يصلوا المكان المحدد أوقفوه في منطقة وسط الطريق وقاموا بتغيير ملابسه، خشية أن يكون هناك جهاز تتبع أو ما شابه ذلك، وهذا إجراء أمني جيد، وبعدما وصل الإخوة إلى مكانهم المطلوب قاموا بتقييده، وأستمر التحقيق معه لمدة ثلاثة أيام، دون أن يعترف بأي شيء، بعد ذلك قام أبو تمام اليمني وصلى ركعتين، وأخذ يدعو الله ويلح بالدعاء حتى انهمرت دموعه باكياً بأن يبين الله لهم أمر هذا الرجل، وأن يُظهر صدقه إن كان صادقاً، وأن يفضحه بلسانه إن كان كاذباً، وهنا كانت المعجزة، بل كانت الدهشة في كل ما تحمله الكلمة من معنى، ومن دون أي سؤال، أو محاولة من الأخوة لانتزاع الإجابة، نطق ضابط الموساد بلسانه وبكامل عقله، ولكن بأي شيء نطق، وبأي الحقائق أقر؟!

قال لهم وبالحرف الواحد (أنا من دبر قصف المعسكر)، وهنا نزل هذا الكلام كالصاعقة على الأخوة، وما كادوا يصدقون ما سمعوا من هول المفاجأة، وقد أعادوا عليه السؤال، فأعاد عليهم نفس الكلام: (أنا من دبر قصف المعسكر)، إلاّ إن هذه لم تكن المفاجأة الوحيدة التي فاجأهم بها،فما خفي كان أعظم، حيث فصّل كل كبيرة وصغيرة أخفاها في جوفه النتن، كان أفظعها إنه يهودي الأصل، وأنه من يهود اليمن، سكن أجداده الشام، فأظهر الإسلام وأبطن اليهودية، وإنه هو من أرسل عبد الرحمن من بغداد ليضع عشرين قرصاً في المعسكر، وأنه صديق حميم لعائلة عبد الرحمن، ويحمل رتبة ضابط في الموساد الإسرائيلي ويتكلم العبرية بطلاقة!!
و(أبو معاذ) هذا كان ظاهره بين الناس أنه حلاق، وكان قد درس علوم الشريعة الإسلامية لمدة سبع سنوات في لبنان، وفي لبنان تعرف على الشخصية السياسية والعسكرية اللبنانية المعروفة (العماد ميشيل عون) والذي جنده لمصلحة الموساد، بعدما أدخله إلى إسرائيل، فأندرج في سلك الموساد، وقد سافر إلى عدة بلدان منها إيران، وفلسطين، ولبنان، وتل أبيب، وسوريا، والعراق، وقد كان يدخل إلى الأراضي العراقية منذ عام 1997 بطرق غير قانونية ليقوم بتنشيط بعض الشبكات، وكان على تواصل واتصال في تلك الفترة مع عائلة (عبد الرحمن)!
وقد حاول بعض الأخوة أن يبحثوا له عن أوليات في المعهد الشرعي الذي درس فيه بلبنان فلم يجدوا له أثراً، فكان شخصية غامضة، مبهمة، وقد حدد له الأخوة بعض الأسئلة وأجابهم عليها ومنها الهدف من هذا العمل الذي قام به، فكان جوابه: أن هذا العمل هو جزء بسيط من مخطط كبير، يهدف إلى جعل العراق محرقة للمجاهدين، حتى إذا ما توسعتْ إسرائيل إلى إسرائيل الكبرى فلن تجد أمامها ما يعيق تقدمها.

ثم سألوه عن العمل الذي كان ينوي القيام به بعد الانتهاء من قصف معسكر راوة، فأكد أنه كان يسعى إلى اختراق جماعة أنصار الإسلام ومحاولة التغلغل في صفوفهم، وقد ثبت ذلك لدى الإخوة، فقد تعرفوا فيما بعد على أخوة كانوا في أنصار الإسلام، فسألوهم عن هذا الشخص، فأكدوا بأنه جاء إليهم وعرض عليهم تقديم الدعم المادي وجلب المقاتلين إلى العراق، إلاّ أنهم لم يطمئنوا إليه موضحين بأنهم كانوا ينوون الاستفسار عنه، إلاّ إنه ذهب ولم يعد ثانية.

أما نهاية هذا المنافق فكانتْ شاهداً آخر يشهد على حاله الذي مضى وصفه، فقد أراد الأخوة أن يقتصوا منه فيقوموا بقتله في نفس مكان المعسكر، ثأراً لإخواننا، وفي نفس اليوم الذي كانوا ينوون أخذه لقتله هناك، وبعد صلاة الفجر بدأ ضابط الموساد أبو معاذ يحتضر، ويبدو أنه شارف على الموت، فخرجتْ روحه الخبيثة وهو يتمتم عند الاحتضار (موساد.. إسرائيل.. موساد.. إسرائيل )، ولا يزال يرددها حتى خرجتْ روحه إلى غضب الله وسخطه، وفي نفس اللحظة التي خرجتْ روحه تيبس جسده على الفور، وإزّرق لونه، وظهرتْ عليه علامات التسمم، وقد كانت إحدى يديه مرتفعة، فكلما أرادوا أن ينزلونها خرج منه خوار، كخوار الثور، وذلك بسبب تيبس جسده فتضغط يده على رئتيه فيخرج الهواء من فمه فيصدر هذا الصوت، وعندها بكى الأخوة بُكاءً مُرّاً لانتهاء تفاصيل تلك المأساة، وقد تمثلتْ أمامهم دماء إخوانهم، وكيف فضح الله ذلك الخبيث، بعدها أخذ أبو تمام اليمني يدعوا والإخوة يؤَمّنون على دعائه، فدعا الله أن لا يجعل له في الأرض قبراً، عندها جاء أبو محمد اللبناني فرأى ما حدث، وكان ينوي نحره بيديه، اقتصاصاً لإخوانه، ولأبنه محمد رحمهم الله جميعاً، فلما رأى جيفته المزرقة قال: (أن بعض العملاء المهمين تزرع لهم المخابرات سناً مسموماً، حتى إذا ما أُلقي عليه القبض قتل نفسه، فلعل هذا العميل لم يشأ أن تكون نهايته على أيدي المسلمين، ففضل الانتحار أو لعله كان يرجو مخرجا من قبضة الإخوة فجعله القرار الأخير).

عندها حاول الأخوة فتح فمه ليتأكدوا من الأمر، فلم يقدروا على ذلك فتركوه، وحاولوا أن يحفروا له حفرة يلقونه فيها فما استطاعوا، لصلابة الأرض، وحاولوا ثانية في أماكن أُخرى ولا نتيجة، فقالوا: لعل الله استجاب لدعوة أبي تمام اليمني، عندها ذهبوا بالجيفة إلى حيث شاء الله، وقد ذهب أحد الإخوة إلى ذلك المكان بعد عام، فوجد جمجمته ولم يتبق عليها شيء، وعندما حركها سمع فيها صوتاً، فنظر بداخلها فوجد دماغه وقد صار أسوداً، منكمشاً، بحجم قبضة اليد، وكأن الدود يأبى أن يأكله، لما فيه من اعتقاد وأفكار خبيثة، وحُقَّ له ذلك!

وبكتابتي لهذه السطور أُشارف على نهاية ملحمة من ملاحم الرافدين، وأسال الله تعالى أن تكون سُنة سار على آثارها من لحق بركب الجهاد فيما بعد، وإذ أطوي هذه الصفحات في مخيلتي، فأنني لا زلتُ أُعالج آلاماً كلما إلتئمتُ عادتْ لتنزف من جديد، ولكني أُعزي نفسي بأن مثل هؤلاء لا أتمنى لهم سوى الجنة، سائلاً الله عز وجل أن يبلغهم أعلى منازل الشهداء.

وكلما حزنتُ على فراقهم جميعاً وما حلّ بي من الآلام، أقول الحمد لله الذي لم يبتل بعضهم بفراق بعض، فاصطفاهم جميعاً في قافلة واحدة من قوافل الشهداء، وأود أن أذكر في نهاية هذه القصة ما آل إليه حال البقية، فقد شاءت حكمة الله عز وجل أن ينتقل الأخوة إلى مدينة الموصل بعد فترة من القصف.

فأما أبو حفص النجدي وأبو البراء العتيبي وأبو صقر اليمني فقد سلكوا أقصر الطرق إلى الجنة ولحقوا بإخوانهم بالعمليات الاستشهادية، وكانوا من أوائل من نفذ العمليات الاستشهادية في العراق.

أما أبو طارق اليمني فقد أنتقل من الموصل إلى ديالى لغرض معين حيث أعُتقل لثلاثة أشهر من قِبل الأمريكان، ولم يعرفوا هويته، ثم فرّج الله عنه ليدخل مدينة الفلوجة مع أخيه (أبو المرضية) بعد المعركة الأولى مباشرة، ثم ذهب في عملية في محافظة ديالى ليلحق بالركب من هناك.

أما أبو قسورة السوري فتم الإفراج عنه، وشاء الله أن يكون هناك اتصال بينه وبين أبو محمد اللبناني، وتم التنسيق بينهما فدخل إلى العراق مرة أخرى حتى حانت غزوة شرطة الفلوجة فقضى فيها نحبه رحمه الله.

أما أبو أسامة الزهراني فقد كان ينوي القيام بعملية استشهادية، ووصل إلى الهدف ببضعة عشر متراً إلاّ إن العملية ألغيتْ لوجود مدنيين على مقربة من الهدف، ثم جاء أبو العباس المالكي وجاء به إلى الفلوجة وأستمر فيها حتى قُتل في قصف أبي غريب مع الشيخ أبو أنس الشامي رحمهم الله.

أما أبو العباس المالكي فبعد قصف المعسكر كان لا يزال يمشي على عكازين لألم في ركبته، فغادر العراق لغرض العلاج، فسمع به بعض أقاربه فذهبوا إليه، وأعادوه معهم إلى بلاد الحرمين، وزوجوه من قريبة له، ثم قامتْ الحكومة السعودية باعتقاله لبضعة شهور، ثم يسر الله له طريقاً إلى العراق بمعجزة، حتى وصل إلى الفلوجة، وقد التقيت به هناك بلقاء حميم، وقد كان دخوله للعراق متزامناً مع دخول أبي أُسامة الزهراني، وقد ذهب إلى أبي أُسامة في الموصل ليجتمعا سوية في الفلوجة ليصبح أبو العباس أو (أبو رغد) كما أخذ يكني نفسه أسداً من أُسود الفلوجة، حتى جاءت تلك اللحظة التي لبى فيها داعي الحق، ليغادر من هذه الدنيا برصاصة قناص محتل..

أما أبو تمام اليمني فقد أستقر في الموصل مع أبي العباس المصري ( كان في المعسكر الثاني) وقد تزوج أخت أبي العباس المصري، وظل يقاتل هناك حتى قام الأمريكان بمداهمة منزلهم، واشتبكا معهم بقتال عنيف، ثم قضوا نحبهم، وقد رحلت معه زوجته، التي كانت تقاتل معه، فأبتْ أن تسلم نفسها لأعداء الله فريسة سهلة.. أما أبو الزبير التبوكي فقد ظل في الموصل ينازل أعداء الله حيناً من الدهر، حتى اصطفاه الله عز وجل، أما أبو الحور النجدي فقد أنتقل إلى أفغانستان، فلا أعلم عن حاله شيئا بعد ذلك..

وأخيراً لم تبق من تلك الطائفة، وتلك القافلة سوى كاتب هذه الكلمات، الذي يكون قد لحق بهم، إن شاء الله، وأصبح إما في قبر يضمه، أو بلا قبر كما أرغب، حينما تقرؤوا هذه الكلمات.وهكذا لحق الأخوة بالأخوة ليجتمعوا إن شاء الله في خير دار عند خير جار، فلا أدري أهنيئاً لهم الجنة، أم هنيئاً للجنة بهم، وقبل أن أغادر هذا المقام أحببت أن أُعلّق تعليقاً بسيطاً فلن أقول إن كل شيء قد انتهى، بل على العكس فأن انتهت حياة الأخوة على وجه الأرض فإن هذه النهاية الجزئية إنما هي في حقيقتها بداية للحياة الأبدية، التي ما خرجوا من ديارهم وأهليهم إلا طلباً لها، وبحثاً عنها، وكذلك فقد كانت بداية لصحوة غَشتْ قلوب وعقول الكثيرين في هذا البلد، فأشعلتْ بدمائهم ناراً تلظى على أعدائهم، لا يزالون يكابدون حرها ولهيبها لغاية كتابة هذه المذكرات، ولن تفارقهم حتى يفارقوا هذه الأرض الطيبة.

__

انتهت المذكرات التي كان ختامها مسك، شهادة بإذن الله، وكشف لمخططات الموساد والسي آي إيه، وانتهى كلام الأخ (أبي حفص العراقي) الذي كان آخر من فارق هذه الحياة من تلك الثلة المباركة، ليغادرنا إلى حيث الخلود الأبدي، بإذن الله، مع رفقته وصحبته في الجهاد، بعدما وثق لهذه المرحلة المهمة من تاريخ الجهاد في بلاد الإسلام، في أرض العراق، التي كانت ولا تزال تلتهب سعيراً تحت أقدام الصليبيين، ومن لف لفهم ووقف في خندقهم، وأعتذر إلى الأخ (أبي حفص) لإدغامي بعض التفاصيل، التي وجدت في إماطة اللثام عنها ما لا يخدم المسيرة الجهادية، إلى جانب بعض التفاصيل التي تتعلق بسلامة بعض مما كان على تماس مع الأخوة، أو على معرفة بهم، لضرورات ومحاذير أمنية، معاهداً إياه الاحتفاظ بالنسخة الأصلية من المذكرات وإعادة نشرها بكامل تفاصيلها يوم ما، لأن الكثير من التفاصيل التي لم تر النور، ولم أنشرها، هي مهمة ولا يجب إهمالها على المدى البعيد، حفظاً للتاريخ، وحفاظاً على أرث هذه الأمة ومنجزات أخوة الجهاد فيها.

ولا أريد ان أغادر هذا المقام قبل أن أشكر حرص العشرات من المنابر الإعلامية والمواقع الجهادية وأصوات المقاومة على نشر هذه المذكرات وحرصها على إيصال صوت هذا البطل وقصة مجموعته الجهادية، التي كانت نواة لجهاد أعاد للأمة هيبتها، وللإسلام عافيته، رغم تخاذل المخذلين، وإرجاف المرجفين، وخيانة الخائنين، وخنوع الخانعين، وتواطؤ وصمت بعض العلماء العاملين على هدم الدين.

وأخيراً أقول:
ما أسعد هذه الأمة بمثل هؤلاء، وما أسعدنا نحن في بلاد الرافدين يوم أصبحنا أنصاراً لإخوتنا المجاهدين المهاجرين، الذين رووا بدماهم الزكية الطاهرة ثرى أرض الفراتين، قبل أن يصبحوا ثريات في سماء الوجود.

__
              حسين المعاضيدي
__
.
.
.
Advertisements