.. || هنـــا أرض الخـــلافة || ..

صليل

. بسم الله الرحمن الرحيم .

__

. | هنا أرض الخلافة للصحفي حسين المعاضيدي | .
__

الحلقة الأولى ؛.

__

 بعد طول إنتظار لأكثر من عشرة أيام على قارعة الطريق مع عشرات العائلات وقفتُ على أعتاب آخر محطة قبل الوصول إلى أول نقطة في أرض قيلَ فيها الكثير ، ونسجت عنها الروايات ، وحيكت حولها الأساطير ، حتى فاقت غرابة حكاياتها قصص الألف ليلة وليلة ..! بضعة مئات من الأمتار ، هي كل ما تفصلني الآن عن أرض الأمل ، كما يحلو للبعض أن يسميها مئات من الأمتار قطعتها سيراً على الأقدام ، وعلى ظهري حقيبة جمعت فيها بعض ملابسي وحذاء خاص بالسير لمسافات بعيدة ، وأدوات أخرى فضلاً عن كاميرا فيديو ، ومثلها فوتوغرافية أحملها بيدي مع جهاز كمبيوتر محمول (لابتوب) ! .

قبل آخر نقطة تفتيش مررت بها سألني أحدهم ، ممن كان يروم دخول أرض الخلافة هو الآخر، عن هويتي فأبلغته إنني أحمل جواز سفر أجنبي ، فأرتعدت فرائصه ، وقال لي : هل أنت مجنون، كيف تدخل أرض (داعش) وأنت تحمل جواز سفر أجنبي ، لقد سمعت من الإعلام عنهم الكثير الكثير .. ربما سيقطّعونك إرباً ويرمون لحمك للكلاب كما يقول الإعلام عنهم ، أو ربما يقايضونك بفدية كبيرة مع دولتك التي جئت منها ، ناصحاً إياي بإخفاء جواز سفري في مكان لا يستطيعوا الوصول إليه ، أو التخلص منه كأسلم إجراء إن كنت مضطراً للدخول .. ثم أضاف : أنا لم أدخل هذه الأرض منذ عدة أشهر ، فلقد (سقطت الموصل) وأنا خارج المدينة والآن قررت العودة لأرى ما حل بمدينتي حيث

اضطررت للعودة بعدما نفذت أموالي خارج البلاد ! حينها عرفت أن هذا الشخص كان يقطن الموصل ، وأنه يريد دخولها اليوم لأول مرة بعد التحرير، لكنه يحمل في رأسه أفكاراً عدة حول ما يجري هناك، وكل ما يحمله قد ترسّخ في ذهنه عن طريق الإعلام اللا منصف المعادي للدولة الإسلامية وأنا أقطع المسافة التي تفصل بين العدوين اللدودين ، سيراً على الأقدام  اختلجت وامتزجت بداخلي مشاعرعدة فهناك وأنا اُغادر آخر نقطة في عالم معروف للجميع ، عالمٌ (شيعي – كردي) يغطيه إعلام تسابق على خدمته في السّراء والضّراء، على الحق وعلى الباطل ، رغم ضآلة الحق عندهم وندرته، وتعاظم باطلهم وقوته ، عالم يراه البعض محكوماً بقانون، في الوقت الذي تحكمه، في حقيقة الأمر، شريعة الغاب، وفساد يغطيهم من رأسهم إلى أخمص أقدامهم.. وقفت هناك وسط تناقضات المشاعر، رغم معرفتي بإن تلك الأرض التي بُتُّ عند مدخل أولى بواباتها لا يمكن أن تغدر، فلقد عايشتها بقلمي، وكتبت عن جنودها ، وعن جهادها ، وعن مشروعها منذ سنين خلت ، ولكن الكتابة شيء ، ودخول أرضها اليوم ومعتركها شيء آخر ..!

ورغم المخاوف التي كان يحاول الإعلام على إختلاف مشاربه وتوجهاته المشبوهة ، وجهلة الناس زرعها في نفوس المشتاقين إلى تحكيم شرع الله من أمثالي ، إلا إنني هناك قد شعرت ولأول مرة بنسمة هواء تأتيني من ذلك الإتجاه ، حيث أرض الوغى والجهاد المقدس ، كنت أتنفس بعمق ، وكإني لم أتنفس هواءاً من قبل ، كنت ابتسم في داخلي ، اشعر برغبة في الجري لاُسابق بعض الناس الذين تقدموني في سيرهم نحو حدود دولة الخلافة ، لكني كنت اُفضّل أن أكون وسط الناس حتى لا اجلب الأنظار ، فالأمتار الأخيرة التي بدأت أشعر إنها الأطول مسافة على وجه هذه الأرض ، أريد إنهاؤها على خير ،  فقد كنت أراها الأخطر في كل رحلتي ،  رغم كل الصعاب التي واجهتها ،  والمخاطر التي جابهتها ، والاعتقالات التي تعرضت لها في رحلتي الطويلة هذه !  وما هي سوى بضع عشرات من الدقائق التي تفصل بين الحدّين ،  كنت أراها دهوراً وأعوام ، حتى وصلت 
لأرض الأحلام ، تلك الأرض التي عشت فيها يوماً ، وتجولت في ربوعها ، ومارست عملي فيها كصحفي وكإعلامي ،  بل وتعاملت مع مجاهديها ، رغم أنف المحتل لأميركي ورغم أنف كلابهم المرتدين والصفويين الخاضعين لسلطة الغزاة ، لكنني قد تركت هذه الأرض منذ سنين طوال ، تجاوزت الثمان ، كارهاً غير راغب ، والجيل الأول والثاني الذي تعاملت معه قد التحق معظمهم بقطار الشهداء ممن بُنيت على جماجمهم وأشلائهم أركان دولة الخلافة التي اُقيمت اليوم ، بفضل الله تعالى ، وجاءت بعد تلك الثلة المباركة أجيالاً جهادية أخرى ، فمن كان صبياً في مقتبل العمر أول الاحتلال ، امسى اليوم رجلاً صلباً ، صلداً ، لا تهزه الشدائد ، ومن كان طفلاً ما يزال لبن أمه الطاهر في فمه ، قد غدى اليوم فتىً يافعاً ، وجندياً لا تفتنه النوائب، مجاهداً في جيش الحق ، جيش الخلافة ينازل الباطل في هذه الحرب العقائدية التي يخوضها المسلمون ضد جموع الكفر والإلحاد والشرك والردة التي تكالبت على أُمة الإسلام من كل حدب وصوب !
كانت عيون الجنود المدججين بالسلاح وبالدروع الواقية والمنتشرين على جانبي الطريق ولمسافة مئات الأمتار ترمقني وكإني وحش كاسر، أو هكذا كنت أشعر وأنا أرقُب نظراتهم نحوي ، كان الشرر يتطاير من تلك العيون الغائرة ، بل كنت ألحظ وأقرأ الخوف والرعب بداخل تلك العيون ، حتى شعرت أن مجرد الإنتهاء من هذه المسافة الفاصلة بين معسكري الحق والباطل إنما هو عيد ، بل ولادة لي من جديد ! وصلت إلى أرض الخلافة وقبل أن اُقبّل ترابها ألتفت خلفي ، وكان يجول في خاطري أن ابصق على كل ما هو خلفي ، لولا بعض الناس الذين لا يزالون يسيرون ورائي ممن كانوا يقصدون وجهتي ، لكني وضعت حقيبتي من على ظهري ، وألقيت بكاميرتي والـ(لابتوب) بجانب الحقيبة وأخذت اُقبّل الأرض ، وأعفر وجهي بتراب أرض الخلافة ..! نهضت بعد طول إحتضان لتلك الأرض التي طال عودتي إليها ، وأخذت الموبايل لأتصل على زوجتي ، التي تركتها مع طفلاي خلفي ، إذ لم استطع إصطحابهم معي إلى أرض الخلافة لصعوبة الإجراءات ، وتعقيدات ما قبل الوصول، فأبلغتها أني دخلت الآن لأخطر أرض ، كما يصفونها ،
ولن يكون بالإمكان التواصل ، فلا إتصالات هناك ولا إنترنت ، ولا أية وسيلة أخرى ، لهذا عليكِ ، كما أخبرتها ، أن تربي لي اُسوداً جائعة ، لا أغنام مدجّنة ، قاصداً بذلك طفلاي اللذين تركتهما خلفي ..! حينما اتصلت على زوجتي كانت تلك الكلمات هي آخر ما سمعتها مني ، واردفتها بـ( إن كتب الله لي العيش ، فسأعود يوماً ، وإن لم أعد فأصبري واحتسبي ، فما خرجت بطراً ، ولا بحثاً عن مجدٍ زائل ، إنما هي حقيقة وواقع مغيب يجب أن أقف عليه بنفسي واستكشف خفاياه ، حتى لا أكون كمن يهذي بما لا يدري ، ويكتب عما يسمعه من أفواه الآخرين ، فلابد أن أقف على مكامن وبواطن الأمور ، بعيداً عن التعصب والتحزب الأعمى، والكذب المفضوح ، والنقل اللا أمين ، وفبركة القنوات ودجلها ! بجواري ، وعلى بعد أمتار من آخر نقاط التفتيش لآخر موقع تابع لسلطة (الشيعة والأكراد) ، كانت هناك مجموعة سيارات أجرة ، بعض سائقيها ينادي : (حويجة .. حويجة) ، وبعضهم الآخر يعلو صوته بـ (گيارة.. گيارة) ، وبعضها ينادي باسم مدن آخرى ، فيما شدني صوت سائق ينادي (موصل .. موصل)! يا لوقع هذا الاسم ..
لم يكن في بالي أن اتجه إلى هذه المدينة فلم أكن قد حددت وجهة لي بعد ، فكل ما كان يهمني حينذاك كيفية الوصول إلى أرض الخلافة .. لكن وقعُ إسم الموصل سحرني ، كيف لا ، وهي التي إنهارت فيها جموع الضلال في سويعات ، فتحررت على أيدي المجاهدين بلمح البصر ..!! لبرهة عادت بي الذاكرة لأيام وساعات تحرير هذه المدينة الإسطورية لحظة بلحظة ، حينها كنت على تواصل مع القنوات الفضائية ، وأزوّدهم بأخبار المعارك أولاً بأول ، فكنت على تواصل مع كثير من أبناء هذه المدينة ، ممن كانوا يزودوني بالأحداث العاجلة حال وقوعها وقوعها ، حتى بدى لكثير من وسائل الإعلام التي كانت تعتمد أخباري إنني كنت في أرض المعركة ، وهكذا كنت أحسب نفسي ! سرت بعد ذاك نحو مصدر ذلك الصوت وهو ينادي: (موصل موصل) ..
وقفت أمام السائق بحقائبي ، خاطبته بحماس : أين سيارتك ؟! أجابني : هناك ، في تلك السيارة ، مشيراً إلى سيارة نوع (كيا) ، تتسع لأحد عشر راكباً ، اتجهت إليها ، وكانت على بُعد قرابة العشرين متراً ، قطعتها بخطوتين ، أو هكذا خُيّل إليِّ ! كانت تلك اشبه ما تكون بالأرض الحرام في المعارك ، كانت أرضيتها غارقة بالنفايات ، فلا أحد من الطرفين المتحاربين يدخلها ، باستثناء المدنيين المتنقلين بين الدولتين بحدودهما الجديدة المؤقتة ، لهذا كانت أرضها أشبه ما تكون ببرميل نفايات ، إذ ينتظر الناس على أديمها أياماً وأسابيع قبل أن يُسمح لهم بالمرور من قبل مناوئي الدولة الإسلامية ، فهؤلاء المناوئون ينظرون إلى من يدخل أراضي الدولة الإسلامية على إنه إرهابي ، أياً كان عمله ، أو مهنته ، أو حجته ، أو إنتمائه القومي ، ما دام مسلماً سنياً ، أو عربياً موحداً ، والحال ذاته ينطبق على كل من يخرج من أرض الخلافة حيث يُعامل هو الآخر على إنه إرهابي ، لا تزال يداه تقطر من دماء جنود الشيعة والكرد ومليشياتهم والمتعاونين معهم أياً كان عمره أو جنسه !
وضعت الكاميرا والـ(لابتوب) بجانبي ، حيث المقاعد التي تقع خلف مقعد السائق ، ثم وضعت حقيبتي في صندوق السيارة الصغير ، الذي بالكاد اتسع لبضعة حقائب ، من على شاكلة حقيبتي ، فيما تم وضع بقية الحقائب فوق قمرة السيارة بعدما رُبطت بالحِبال ، ثم جلستُ منتظراً إنطلاق السيارة نحو المدينة الأكثر رعباً في نظر العالم ، الموصل ! اكتمل العدد ، إلا واحداً ، وما هي لحظات حتى جاءت سيدة تكاد تبلغ الخمسين ، أو أقل من ذلك ، أو ربما تزيد بعام أو عامين ، لتصبح السيارة على أهبة الإنطلاق بعد تمام العدد .. جلست تلك السيدة في المقعد الذي يليني ، ويجاورها شابين في العشرينات من العمر ، وخلفهما عائلة مكونة من رجل وسيدتين ، أما أنا فكان بجواري شابين ، كنت أنا الأقرب إلى باب السيارة منهما ، فيما جلس رجلان في المقعد الأمامي بجوار السائق ، أحدهما كان اُستاذاً جامعياً ، كما تبين لاحقاً ، والآخر رجلٌ في الثلاثينات من العمر .. !
انطلق السائق ، بعدما طلب خمس وعشرين ألف دينار عن كل شخص كإجرة ، فوافق الجميع بلا تردد ، فهي تسعيرة معقولة ، بل ومخفضة ، للذهاب إلى مدينة اسمها كحد السيف ! على بعد مئات الأمتار ، وتقريباً على مسافة كيلو متر واحد أو يزيد بقليل ، وصلنا أولى نقاط التفتيش التابعة إلى دولة الخلافة الإسلامية .. كانت الراية السوداء المنقوش عليها (لا إله إلا الله محمد رسول الله) تعلو جسراً هو بمثابة الحد الفاصل عملياً بين حدود الدولة الإسلامية وحدود أعدائها .. تأملت تلك الراية التي كانت ترفرف بزهو وشموخ في أرض الإسلام ، بعدما كان مجرد رفعها في مكان ما يمثل قمة الإرهاب ، لا بل ويتعرض رافعها إلى الإعتقال والتعذيب ، بل والتقتيل ، من شدة الرعب مما تمثله من إسلام حقيقي تحاول الأمم التي تكالبت على اُمة محمد ، صلى الله عليه وسلم ، محاربته ، وطمس هويته ، وقتل أتباع نبيه ! استغربت بداية الأمر لقرب المسافة التي تفصل الدولة الإسلامية عن عدوها ..
كان الجسر يربط عدة تقاطعات على الطريق ، والذي تعرض إلى القصف ، لا يزال منتصباً رغم عنف الهجوم ، حيث تبين أن الطيران الأميركي والفرنسي والبريطاني والسعودي والأردني والإماراتي والمغربي والإيراني قد قصفه بستة صواريخ ، لم تحدث أضراراً إلا في أجزاءٍ منه ، لكنه على العموم لا يمكن السير من فوقه نتيجة الفتحات والثقوب التي خلفها القصف، والتي ابصرتها من تحت الجسر أثناء مرورنا من تحته ، والذي كان يتوقف تحته أول مقاتل من جيش دولة الخلافة الإسلامية تقع عليه عيناي بعد آلاف الكليومترات التي قطعتها نحو أرض الخلافة الإسلامية !
 كان شكل التقاطع مانعاً صناعياً ، ومصداً ، وساتراً لأي إستهداف قد تتعرض إليه أولى نقاط التفتيش التابعة للدولة الإسلامية ، ما خلا السماء المفتوحة ، التي تبقى أنظار جنود الدولة الإسلامية مشدودة إليها لتفادي أي هجوم بالطيران (الغربي – العربي – الإيراني)..! توقفت السيارة التي نستقلها خلف سيارة كان جنود الدولة الإسلامية يتحدثون مع سائقها ومع ركابها ، فسارعت بحكم قربي من الباب إلى الترجل والإقتراب من السيارة الأولى التي كان عناصر الدولة الإسلامية يقومون بتفتيشها بحكم فضولي الصحفي ورغبتي في مراقبة طريقتهم في تفتيش ومعاملة الناس ، فوقفت بجانب ركاب تلك السيارة دون أن يمنعني عناصر التفتيش من الوقوف معهم !
سأل رجال الدولة الإسلامية ركاب تلك السيارة إن كان هناك من يحمل معه أو في جيبه أو في حقيبته سجائر ، فنفى الجميع ، بضمنهم سيدة ، يكاد عمرها يصل لمنتصف العقد الخامس من عمرها ، إلا إن طفلاً كان برفقة تلك السيدة  راح يستفسر من والدته قائلاً : أمي، أوليس معك سكائر ،  لماذا لا تقولين عندي سجائر !!؟ حينها ضحك رجال الدولة الإسلامية من براءة الطفل ، وأعادوا السؤال ثانية دون أن يحددوا لمن السؤال موجه ، فما كان من السيدة إلا أن قالت : نعم أبنائي ، أنا معي سجائر ! فطلبوا منها على إستحياء أن تُخرجها ، فأبلغتهم إنها تضعها في حزام تربطه حول خصرها ، فطلبوا منها أن تستتر خلف موضع أقاموه من الجدران الكونكريتية المسلحة يلجئوا إليه في حال تعرضهم إلى هجوم الطيران المعادي ، فأتجهت هذه السيدة إلى هذا المكان لتستخرج علب السجائر من حزامها الذي تخفيه تحت عباءتها ، فيما انشغل جنود الدولة مع بقية
الركاب في حديث لم اسمع منه الكثير ، حيث كانوا يتحدثون معهم بهدوء ، وما هي سوى لحظات حتى عادت السيدة ومعها ثلاثة (كلوصات) سجائر ، والـ(كلوص) هي التسمية التي يطلقها العراقيون على كل عشرة علب صغيرة من السجائر توضع في علبة كبيرة .. كانت السيدة تحمل قرابة الثلاثين علبة صغيرة من السجائر في حزامها العريض التي كانت تلفه حول خصرها ، فتسلمها منها أحد جنود الدولة الإسلامية مخاطباً إياها بـ (أمي) دون ان ينظر إليها قائلاً : يا أم ، والله إني لأخجل من محاسبة الشباب على حملهم السجائر، فكيف بك أنتِ .. ثم أضاف : اسأل الله أن يغفر لنا ولكِ ، تفضلي عودي إلى مكانك في السيارة يرحمك الله ! كان ذلك المشهد ، الذي لم يغادر خيالي ، أول موقف أراه وأشهده بنفسي يتعلق بطريقة تعامل جنود الدولة الإسلامية مع المواطنين ممن يسكنون في المناطق السُنّية التي تم تحريرها من سيطرة الشيعة والأكراد ، والحق أقول
إنني كنت اترقب طريقة تعاملهم مع هذه السيدة والحكم الذي يمكن أن يصدروه بحق من يثبت حمله للممنوعات ، ومنها السجائر ، كما هو في قانون الدولة الإسلامية الذي يستند إلى دستور وشريعة الله ، سبحانه وتعالى ، فلم استغرب طريقة تعاملهم الخجولة والتسامحية مع تلك السيدة ، فمن يستمع ويشاهد الإعلام العراقي والعربي والكردي والعالمي يكاد يجزم أن جنود الدولة الإسلامية كانوا سيفصلون رأسها عن جسدها ثم يحرّقونها في إخدود يتم حفره لها بجوار نقطة التفتيش كما اعتدنا على سماع ذلك من الإعلام على إختلاف نِحَلِهِ !! طلب أحد جنود الدولة الإسلامية من سائق السيارة التي تقلنا التقدم إلى الإمام إستعداداً للتفتيش فعدت وجلست في مكاني لتتحرك السيارة بضعة أمتار ليس إلا !
كان الشاب الذي يجلس بجانبي قد اُصيب بنوع من الإرتباك، مثلما لاحظت عليه، فسرعان ما سألني : ما الذي أفعله ..  ما الذي سيحصل لي ، وكلمات أخرى كان يتمتم بها !سالته عن مشكلته ، فقال لي إنه يحمل علبة سجائر في جيبه ، وإنه يخشى أن يعتقلوه بسببها ، فسألني رأيي إن كان بإمكانه أن يرميها من السيارة ، أو يخفيها أسفل المقعد ، فطلبت منه التروي وإلتزام الهدوء ، وإنه ليس هناك ما يستحق القلق .. قلت له ذلك بعدما شاهدت طريقة تعاملهم مع تلك السيدة في السيارة التي سبقتنا ، لكن القلق لم يغادره ، وبقي يرتجف من شدة الخوف ! توقف أمام الباب الجانبي للسيارة أحد رجال الدولة الإسلامية ، وكان شاباً في العشرينيات من العمر .. كان هادئاً بشكل غريب ، والإبتسامة لا تفارق محياه .. بدأنا بالسلام ، دون أن يطلب منا النزول من السيارة ، كما فعل مع السيارة التي سبقتنا ، ثم سألنا إن كان هناك من يحمل السجائر ، حتى قبل أن يسألنا عن هوياتنا التعريفية ، أو عن وجهتنا .. إزداد توتر الشاب الذي يجلس بجانبي ، وكان يكتفي بالنظر إليّ ، ولا يعرف بماذا يجيبهم ، فهم لا يفتشون أحداً ، مكتفين بالسؤال ، لكن الخوف كان قد اطبق على الشاب ، فبادرت بالإجابة نيابة عنه : وهل من عقوبة لمن يحمل !؟ فرد عليّ مبتسماً : لا عقوبة على ذلك ، إن سلّمها طوعاً ! فأجبته : نعم عندنا سجائر ، لكن علبة واحدة .. بهذه الصيغة أجبته ، فرد عليّ والإبتسامة لا تغادر محياه ، بعدما ظن أنني من يحملها : اعطني إياها غفر الله لك ! فطلبت من الشاب الذي كان يجلس بجانبي إخراج علبة السجائر ، فسلمها لي ويده ترتجف من الخوف ، فنظر إليّ رجل الدولة الإسلامية الشاب مستغرباً أن غيري من كان يحملها ، في حين إنني كنت المتحدث بالنيابة ..! أمسك رجل الخلافة علبة السجائر بيده ، ثم ضغط عليها بيديه بقوة ، قبل أن يتجه إلى برميل صغير كانت تشتعل فيه النار على مقربة من الطريق ، فرمى فيه علبة السجائر ، لكنه عاد ليسأل الشاب إن كان يحمل المزيد في حقيبته فنفى الشاب إمتلاكه غير تلك العلبة ، ومصداقاً لقوله طلب من رجل الدولة الإسلامية تفتيش حقيبته ، لكن الأخير أجابه أنه ما من داعٍ لتفتيشه لأنه يثق بصدقه ، لكنه طلب منه الترجل للحديث معه قليلاً ! ترجل الشاب من السيارة ، بعدما تغيّر لونه من شدة الرعب ، فأمسكه جندي الدولة الإسلامية من يد ه، وأخذه لمسافة بضعة أمتار عن السيارة ، فتبعتهما بدوري ، فطلب مني رجل الخلافة العودة ليحدثه لوحده ، فذكّرته بالعهد وبالأمان الذي منحه له قبل إخراج علبة السجائر ، فتبسّم ثانية وقال لي : أنا على عهدي ، لكن يا أخي ، موجهاً الخطاب لي ، كيف لشاب مسلم أن يحفَّ حاجبيه كالنساء هكذا ، فراح يُذكّره بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، المتعلق بالنامصة والمتنمّصة ، ولعن الله لهما ، وبقيت استمع ، مع الشاب ، لحديث ذلك الجندي الذي كان يذكره بعاقبة ذلك ، وإنه لن يعاقبه على ذلك ، لكنه يُذكّره بلعن الله لمن يفعل ، ثم أخذ يربت على كتفه قائلاً له : لا تكررها، فأنت شاب ورجل ، وهذا الفعل لا يليق حتى بالنساء ، فكيف بالرجال من أمثالك ..!
وعده الشاب أنها ستكون المرّة الأخيرة التي يَحفُّ فيها حاجبيه ، مبيناً له عدم معرفته بالجوانب الشرعية في هذا الموضوع ، فأجابه ، بأن عليه أن يَعِدَ الله ، سبحانه وتعالى ، لا أن يَعِدَ عباده ، فأكد الشاب إنه سيلتزم بهذا الوعد ما دام ذلك الفعل يخالف شرع الله سبحانه وتعالى ، ثم سلّم رجل الدولة الإسلامية على ذلك الشاب سائلاً الله له الثبات على وعده ، ثم طلب منه العودة إلى مكانه ، فعاد الشاب وأساريره وقسمات وجهه تتهلل من شدة الفرح ! عدنا إلى قرب السيارة ، وكان في بالي كلام ذلك الرجل الذي كان ينصحني بعدم إظهار جواز سفري الأجنبي أمام سيطرات ونقاط تفتيش الدولة الإسلامية ، وإلا فإنهم سيقطّعونني إرباً إرباً ، كما كان يقول لي ، لكنني قررت خوض أولى المغامرات المُهلِكة ، كما يراها البعض ، فاتجهت إلى نفس الرجل ، الذي كان يتحدث مع ذلك الشاب ، ووضعت يدي على كتفه الذي كان يعلق عليه بندقيته ، ثم سحبته لبضعة أمتار عن السيارة التي كنا نقف بجوارها ، والتي كان بقية عناصر نقطة التفتيش يتحدثون مع بعض ركابها
فقلت له : هل هناك نقاط تفتيش أو سيطرات للشيعة أو البككا أو البيشمركة أو النصيرية سنمر بها في طريقنا إلى الموصل ، فأجابني وإبتسامته متواصلة لم تفارق قسمات وجهه : إطمئن ، لو سرت بعد نقطة التفتيش هذه آلاف الكليومترات من هنا فلن تجد لهم أثراً ، بحمد الله تعالى ومنّه وفضله ، فلا وجود إلا للدولة الإسلامية ولرجالها ومسلميها ! ثم تطرقت إلى أخطر تساؤلاتي : يا حاج ، انا جئت من الخارج ، وانوي الدخول إلى أرض الخلافة ، فما المطلوب مني من أوراق أو إثباتات ليكون دخولي شرعياً إلى أرض الدولة الإسلامية ؟! فأندهش أول الأمر لسؤالي ، ثم سألني رؤية جواز سفري ، فناولته إياه ، ثم ألقى عليه نظرة ، قبل أن يرفع عينه عليّ مخاطباً إياي بالقول : أولستَ مسلماً ؟! اجبته : بلى ! قال : اتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ؟!
اجبته : نعم ، بفضل الله ! فردّ علي : إذن لن تحتاج لجواز سفرك هذا ، ضعه في جيبك ، فجواز سفرك إلى دولة الخلافة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فهي كل ما تحتاجه للدخول إلى أرض الخلافة ! اغرورقت عيوني بالدموع ، وأنا أرى جواز سفري ، الذي يحلم به الكثير من الناس ، لا يساوي عندهم شيئاً ، أمام جواز المرور الإلهي المحمدي الذي سنّته دولة الخلافة لرعاياها من المسلمين ، فشعرت بالعزة ، بل شعرت إنني في حلم لا أريد الإستيقاظ منه ، حلمٌ لم يوقظني منه إلا ذراعي رجل الدولة الإسلامية التي شبكها حولي ، وهو يعانقني ، قائلاً لي : مرحباً بك في أرض الخلافة ! ا.هـ ..
__

الحلقة الثانية ؛.

__

هممنا بالإنطلاق نحو مدينة الأنبياء ، الموصل الحدباء ، بعد الإنتهاء من المرور في أول بوابة لدولة الخلافة الإسلامية ، حيث تنفس الجميع الصّعداء ، فمن كان الشك يساور خلده انفرجت أساريره ، ومن كان بعض الخوف لايزال في فؤاده زال رانه ، لكن ووسط تلك المشاعر ، التي فوجئ بها ركاب سيارتنا الـ(كيا) من طريقة تعامل رجال الدولة الإسلامية مع الداخلين إلى مضارب خلافتهم ، عاد السائق ليتوقف ثانية أمام شخص ذو لحية خفيفة سوداء ، شابها بعض البياض ، لا يرتدي لباس الدولة الإسلامية المسمى بـ (البزة القندهارية) ، وكذلك لم يكن يحمل سلاحاً ، بل كل ما كان معه ورقة وقلماً فقط ، ظن ركاب السيارة ، وأنا أولهم ، أنه يتبع لنقطة التفتيش الخاصة بالدولة الإسلامية بحكم قربه من نقطة التفتيش ، لولا هيأته التي لا توحي بإنه منهم ، قبل أن يتبين لاحقاً لنا إنه موظف في الدولة الإسلامية يتبع لمؤسسة جباية الضرائب الخاصة بمواقف وكراجات النقل الخاص ..!
سألنا قبل أن يتحدث إلى السائق :  كم الإجرة ، خرس الجميع ، بينهم أنا ، فقد اعتدنا أن نصمت في مثل هذه المواقف قبل زمن تحرير أراضينا من الشيعة والأكراد ، حرصاً على السائق من العواقب ، في حال طلب أجرة فوق التسعيرة المعتادة ، تحت البند العاطفي (صاحب عيال) ، وكإننا ، ومن جهلنا ، نظن أن من له عيالاً من حقه أن يستغل الآخرين، حتى ممن لديهم عيال ، فاتحين بذلك لسائقي السيارات الأبواب على مصراعيها لإستغلالنا ببشاعة ..! أجاب السائق بنفسه على تساؤلات المسؤول عن كراج النقل : تقاضيت منهم خمس وعشرون الف دينار فرد عليه موظف النقل في الدولة الإسلامية : أخي ، السؤال موجه إلى الإخوة الركاب ، حفظك الله ، وأريد ان أسمع التأكيد منهم ، لا منك ! أجابه الجميع ، وبصوت واحد ، شاركنا به بذلك حتى النساء : خمس وعشرون !
إجتمعنا بذلك على أمر الكلام دفعة واحدة ، مثلما إجتمعنا على الصمت جميعنا بلا استثناء ، وهي من الحالات النادرة التي يجتمع فيها أبناء السُنّة والجماعة على أمر واحد ، في ظل تشرذمنا المقيت ، وتفرقنا الذي يدمي القلوب ! كان السائق يحمل بيده خمسة آلاف دينار ليعطيها لموظف النقل الخاص ، لكن الأخير أكد له أن قيمة الجباية هي عشرة آلاف دينار لخط الموصل ، فراح السائق يحلف له بأغلظ الأيمان أنه اشترى السيارة حديثاً ، وأن عليه تسديد فواتيرها شهرياً، وأن العشرة آلاف دينار هي مبلغ كبير وو .. رد عليه الموظف لدى الدولة الإسلامية أن التسعيرة موحدة وعامة ، وبحسب الخطوط ، وأنه لا يستطيع تخفيض السعر لأن تلك أموال المسلمين ..!  إزداد السائق في تشكيه ، فيما أصرّ الموظف على موقفه بإنها أموال مسلمين ويجب جبايتها ، كاملة غير منقوصة ، وإلا فإنه سيدفع نقصها من جيبه ..! أمام هذا الجدال أيقن الكل ، أولهم أنا ، أن موظف الدولة الإسلامية هو من سيمشي كلامه في نهاية المطاف ، قبل أن نُصبح جميعنا في موقف لا نُحسد عليه ، حينما تنازل الموظف عن موقفه ، ولكن ليس بالتنازل عن أموال المسلمين ، بل بالتأكيد له ، مستخرجاً محفظته من جيبه ، إنه سيدفع من جيبه بقية المبلغ ، فأخرج الخمسة آلاف من محفظته ووضعها مع مبلغ الخمسة آلاف التي تقاضاها من السائق كجباية لضريبة النقل وقال له : الله معك أخي .. ثم ابتعد عن الباب ، إشارة منه للسائق بالإنطلاق ! وهنا توقف السائق عن الكلام لبرهة ، وسط صمتنا جميعنا ، وكلنا كان يراقب موقف السائق نفسه ، وردة فعل ه، فما كان من السائق إلا أن قال له : والله لن أرضاها لك ، وهذه الخمسة آلاف الأخرى ، وادعو لنا بسلامة الوصول ..! فتناول المبلغ موظف الدولة الإسلامية بعدما تبادلا إبتسامة الرضا على موقف كل منهما إتجاه الآخر ! ومع قول موظف الجباية التابع للدولة الإسلامية ودعائه لنا(انطلقوا برعاية الله وحفظه) انطلق بنا السائق في طريق لا أكاد اُبصر نهاية له من شدة إستقامته ..
كانت خيوط الشمس حينذاك تغزل سمفونية المغيب الذي طالما افتقدته منذ سنين في بلاد لا تأتي فيها الشمس إلا في بعض أيام الصيف ، حينما تغزوها كزائر خفيف الظل سرعان ما يغادر قبل أن يسعدنا صحبة بالجلوس .. !  يا لمنظر الغروب الرائع الجميل الذي أشهده لأول مرة من أرض الخلافة الإسلامية .. لا أعرف أيهما أضاف للثاني سر ذلك الجمال ، الخلافة وأرضها ، أم الغروب ومنظره ، ذلك التمازج المكاني الزماني جعلني استحضر تلك الأيام التي كنت أحرص فيها في صباي على زيارة ذلك المرتفع المطل على نهر الفرات ، في مدينتي الفائقة الروعة والجمال (بروانة) لأشهد ، وبشكل يومي ، منظر مغيب الشمس من الجهة الأخرى ، حيث يضيف نهر الفرات الذي يفصل بيننا لذلك
 المشهد السرمدي حلاوة وعذوبة وجمال أخاذ ، لكن تلك الحلاوة والعذوبة والجمال وجدتها تذوب في ذلك المنظر الذي كانت ترقبه عيناي لعدة كيلومترات ، وأنا أسير في أول طريق اسلكه بأرض الخلافة ، فقضى ذلك المشهد على ما تبقى من ذكريات الصبا ، بعدما خطفها وأنساني إياها بلا رحمة ! كانت فرحتي عارمة ، ومن شدتها وددت لو إنني أنشد ما كنا نردده في زمن الطفولة في زفات الأعراس وفي السفرات المدرسية (يا سائقنة دوس دوس الله ينطيك العروس) في خطابٍ طفولي حينها لسائق السيارة بالإسراع أكثر لمسابقة بقية السيارات كي تكون سيارتنا في المقدمة لننال شرف التباهي بإننا نستقل السيارة الأفضل ، ونمتلك السائق الأمهر، داعين له الله أن يرزقه العروس ، حتى لو كان متزوجاً ، إهزوجة سرعان ما تأتي اُكلها سريعاً ، وسط حماسة وفرحة وإبتسامة السائق التي كنا نلحظها من مرآته الأمامية العاكسة ، وهو يجتاز السيارات المتنافسة على السير خلف سيارة العريسين كسير الأفعى في الفلا ..! كان الشوق يحدوني للوصول إلى أرض الخلافة ، فالوصول إلى الموصل كان بمثابة أمنية يخاطب صاحبها رب العزّة بالقول: اللهم حقق لي أمنيتي ، وبعدها أقبضني بسلام ، وتلك كانت أمنيتي ، الوصول إلى أرض الخلافة و(موصلها) ، وبعدها ليقبض الله روحي بسلام !
سارت بنا السيارة ، وأول ما وقعت عليه عيناي في طريقنا مناظر لبقايا آليات متفحمة للجيش الشيعي وللبيشمركة الكردية ، متناثرة على جانبي الطرق ، تروي قصص وبطولات خاضها رجال الخلافة وهم يفتكون بجيشٍ ومليشياتٍ ، هي الأكثر دموية على وجه هذه الأرض ، بعد الجيش الأميركي الذي فتك بأراضينا الإسلامية ، وبلدان أخرى خارج منظومتنا الإسلامية ، جيش شيعي ومليشيات كردية هي الأكثر إستهلاكاً للسلاح في العالم اليوم ، سلاح لا يصوب إلا بإتجاه أبناء الإسلام من أهل السُنّة والجماعة وصوب السماء حينما يلعب المنتخب العراقي ، أو تلعب فرق الدوري الكردية مبارياتهم الكروية ، أو حين سماعهم نبأ نجاح صفقات تبادل الأسرى مع الدولة الإسلامية ، أو حين مواسم ختان الأطفال ، أو في زفات الأعراس الشيعية والكردية ، بعدما تناسى أهل السُنّة والجماعة في بلاد الرافدين مواسم أفراحهم بعدما غرقوا في بحور من الدم على أيدي قاتليهم من جنوب العراق المجذوب ، وشماله المجنون ، تماماً مثلما يحدث لأهلنا في الشام على أيدي نصيرية النظام العلوي ، وما يتعرض له أهلنا في (اليمن الحزين) على أيدي حوثة العصر ! 

نصف ساعة من السير ليس إلا حتى حل الظلام ، واضعاً الليل أستاره على تلك المساحات الشاسعة المفتوحة ، لكن نقاط الضياء منتشرة في كل صوب وإتجاه ..!! كيف يقال إذن ، أن الكهرباء تم إعدامها في أراضي الدولة الإسلامية ، وأن الظلام هو صديق ابنائها اليوم ، بعدما استحوذت الحكومة الشيعية والكردية على كل ناتج الكهرباء المحلي والمستورد ، كان هذا التساؤل هو إستفهامي الأول من السائق الذي كان يحاول التخلص من عثرات الشارع وتكسراته عبر قيادة السيارة على طريقة الـ(جاكي) ، والذي أجابني بأن البدائل موجودة ، وأن المولدات الكهربائية قد تأقلم عليها الناس في ظل إنقطاع تام للتيار الكهربائي منذ أشهر خلت ، كعقاب من الحكومة الشيعية والكردية على تحرير أراضي المسلمين من قبضتهم وخروجها من تحت سيطرتهم وسطوتهم ..! كانت السيارات تسير، وكإن هناك حياة في ليل الدولة الإسلامية ، التي لا يعرف ليلها طعم الهدوء كما هو متعارف عليه ، بل وكما هو مستقر في ذهني ، أنا الأقرب إلى متابعة دقائق أمور الدولة الإسلامية وكبيرها ، بحكم عملي الصحفي والإعلامي ، فكيف يستقيم الهدوء مع صخب المعارك وأزيز الرصاص ، وكيف يحل الظلام وسط نيران القصف ووهج القنابل وعصف المكان !!

لكن الهدوء فرض نفسه على جنبات الطرقات وحيث مدّ البصر، ولا يقطع اُنسته ، أو يكسر هيبته ، إلا صوت (هورن) السيارات ومنباهاتها حينما تمر بجانبنا ، والتي يطلقها سائقيها ، كتعبير عن إداء تحية السلام ، وللرد عليها بذات طريقة الإداء من قبل بقية السائقين ! الأنوار تتراقص في الليل ، متقاربة تارة ، ومتباعدة تارة أخرى ، حتى وصلنا إلى أولى المدن التي مررنا بها في طريقنا إلى الموصل الحدباء .. إنها الحويجة.. وما أدراك ما الحويجة .. الحويجة التي إن ذُكرت ، ذُكرت الملاحم والبطولات والأمجاد .. إن ذُكرت الحويجة استحضرَ العدّو الأميركي مرارته فيها ، الحويجة التي كانت طرقاتها تسقي الغازي موتاً في إثر موت ، وهلاكاً يعقبه هلاك ..! إذن نحن الآن في حضرة الحويجة التي سطّرت اسمها ونقشته بقوة في ذاكرة التاريخ والأيام ، كيف لا ، وهي التي أورثتنا قصص بطولات ، وأرث رجال ، تروي تفاصيل حكاياتها الجدات للأحفاد ..!
كان ليل الحويجة صاخباً ، لا تزال الحركة تشهد معظم انحائه ، إن لم يكن كل جزء فيه ، فالسوق يغص بالمتبضّعين ، والمحال التجارية ما تزال فاتحة ذراعيها ، والأرصفة هي الأخرى تغص بالبضائع ، والناس يقفون على جوانب الطريق ملوحين للسيارات بحثاً عمن يُقلهم إلى بيوتاتهم ، بعد إنتهاء يوم عمل طويل ، أو إنتهاء فترة تبضعهم الكباب الذي تنبعث رائحته من المطاعم ، كعطر فوّاح ، ترك أثره على معدتي ، التي راحت عصافيرها تزقزق ، كما يقول أهلنا في مصر.. يا الله ، كم اشتقت إلى كباب أهلي وددت لو أن السائق توقف أمام إحدى هذه المطاعم لأتناول اربعة ، بل اربعون ، بل اربعمائة (شيش) كباب ، ولا أظنني اشبع ، فكيف تعوض مثل هذه الكمية البسيطة سنين غربة اُجبرت عليها ، غربة انهكتني وكسرت ظهري ، غربة حرمتني أجمل أيام عمري على أرضي وبين أهلي ..!
لعنت حينها أميركا ، ولعنت الشيعة ، ومعهم صهاينة الكرد ، ولعنت كل دول الإستعمار والإستكبار العالمي ، لعنت إيران عدوتنا منذ الأزل ، والتي تمنى سيدنا عمر ابن الخطاب رضوان الله تعالى عنه ، رغم أنف من يَسبّه ويشتّمه ويلعنه ، تمنى لو أن بيننا وبين هذه المجوسية جبلاً من نار، ولم ولن انسى لعن خونة أهل السُنّة والجماعة من الصحوات الخسيسة المحسوبة عليهم ، ومن عارات السياسة ممن يدّعون تمثيلنا ، وكيف لي أن أنسى كذلك لعنات تتلوها لعنات ، هي نصيب حكام الدياثة ، الذين سلّمونا لقمة سائغة للشيعة والكرد والنصيرية والحوثة ، ومن قبلهم لأميركا ، لعنها الله ، وكسر صنمها !
كانت المحال التجارية تزينها أنواع المنتجات الغذائية والخضروات وأنواع من الفاكهة المعلقة التي تمنيت لو أني تناولت شيئاً منها ، خصوصاً إنني كنت صائماً ، كون يومي كان خميساً ، ولم أجد ما اُفطر عليه ، نتيجة تسابق الأحداث التي شدتني في أراضي الدولة الإسلامية ، فأنستني حتى جوع الصيام وعطشه ، بل كنت أرفض حتى الطلب من السائق التوقف لشراء الطعام من الطريق كي لا اتأخر عن الوصول إلى سيدة المدن ، ولؤلؤة تاج وقار بلاد الرافدين ، أم الربيعين ، الموصل الأبية ..!
كان المرور في أول مدن الدولة الإسلامية المحررة هو بمثابة إعلان حرب على كل تلك الأكاذيب التي كان الإعلام الفاجر يحاول التكتم عليها ، ويزيّف حقيقتها ، ويسوّقها حول طبيعة الأوضاع في مدن أرض الخلافة ، وهو بذات الوقت كان عتب شديد اللهجة على إعلام دولة الخلافة الإسلامية الذي إنشغل بالمعارك والوقائع الحربية ، عابراً من فوق أهمية كشف حقيقة الأوضاع المعيشية والأمنية التي يعيشها أبناء الإسلام في المناطق المحررة من سيطرة الشيعة والكرد والصحوات ، إلا ما ندر من التقارير ، كي تعرف الشعوب الأخرى ، بل وكي يعرف أهالي بقية المدن التي تنتظر نصيبها من التحرير ، أي خير عميم ، وأمن كبير ، وعيش رغيد ينتظرهم بعد التحرير ، وضع يحاول العدو استغلال عدم تسليط الضوء عليه بكثافة من قبل دولة الخلافة الإسلامية ليسوق الأكاذيب ، ويروج الدّعايات المغرضة الكاذبة ، لتشويه واقع الحال الذي تعيشه مدن الدولة الإسلامية المحررة ، وضع يستغله أعداء الإسلام ليوهموا الرأي العام أولاً، ولخداع أبناء الإسلام الذين لا يزالون يقبعون تحت سيطرة وحكم الطغاة في العراق وفي بقية الأمصار ثانياً، في أن الوضع الإنساني صعب للغاية ، وأن الناس تعيش في ضائقة كبرى ، وأن الجميع فرّ من تلك المدن التي هي تحت حكم الخلافة إلى حيث المناطق التي تخضع لسيطرتهم ، هرباً من الجوع ، والقحط ، وانعدام الأمن ، وهو ما جانبته تماماً الوقائع ، ونفته الحقائق التي لمستها في مروري بأول المدن المحررة التي كانت في طريقي ، وهي مدينة الحويجة ، التي كشفت لي عن أمور زادت من مسؤوليتي في كشفها للعالم ، حتى لا يظن بعض المخدوعين أن كلام الإعلام حقيقة ، فما وجدته في هذه المدينة جعلني أتمنى العيش في جنة الحويجة التي يصورها الإعلام المحلي والعربي والعالمي على إنها الجحيم ، فيا لجمال ذلك الجحيم الحويجي ، إن كان جحيماً كما يدّعي الشيعة والكرد والأعراب ، وأسيادهم !
خرجنا من الحويجة، إذ تأخرنا فيها قليلاً من شدة الزحام ، بعدما امتلئت طرقاتها بأنواع السيارات التي اجهل موديلات وأنواع بعضها ، بعدما تركتُ يوماً سيارة (الأوبل) ومشتقاتها هي سيدة الشارع ، إذ تربعت على عرشه لسنين طوال ، حتى نالت تسمية (همر المجاهدين) في معارك وصولات وجولات اُسود الجهاد في مدن أرض الفراتين ، وبالكاد تمكّنا من سلك الطريق العام الذي من المفترض أن ياخذنا إلى مدينة (الگيارة) ، ومنها هناك إلى حيث أرض المُنى !
عند آخر تقاطع يخرج من مدينة الحويجة ، وحيث يلتقي هناك ثلاثة شوارع ، استوقفتنا نقطة تفتيش كان افرادها يرتدون الزي الإسلامي ، أو ما يسمى بـ(القندهاري) ، اللباس الرسمي لجند الدولة الإسلامية ، وكانوا يستوقفون السيارات التي تخرج من مدينة الحويجة فقط، ولم ألحظ وجود أحد منهم على طريق الدخول إلى المدينة ، ربما لإن تركيزاً أكثر يجري على هوية المتوجهين إلى بقية مدن الخلافة مروراً بالحويجة ، أكثر من الخارجين من أراضي الدولة الإسلامية بإتجاه الحويجة ، على إعتبار أن الحويجة هي مدينة حدودية بالنسبة لدولة الخلافة الإسلامية وولاياتها ، والداخل إليها ليس كالمغادر منها !

إقترب من الباب أحد الرجال ، كان متوسط الطول ، يضع عوينات طبية ، ملتحٍ ، لم أرَ على وجهه إبتسامة كذاك الذي رأيته في أول بوابات دولة الخلافة ، بخلاف الهدوء الغريب الذي كان عليه .. ! سألني قبل غيري ، بحكم جلوسي على مقربة من الباب الجانبي الذي يُفتح بطريقة الـ(سلايد) : إلى أن الوجهة ، بإذن الله ؟! إلى الموصل ، إن شاء الله ..  تلك كانت إجابتي ! فرد عليّ : حياكم الله ! ثم نظر إلى الشابين الجالسين بجانبي فطلب منهما إبراز هويتيهما ، فأخرجا له هوية الأحوال المدنية ، أو ما تسمى في العراق بـ(الجنسية) ، فتفحصهن ، قبل أن يعيد تسليمهن إليهما ..! 

ظننت حينها إنه استثناني من المطالبة بهويتي ، لكنه وجه إليّ كلامه بعد ذاك ، مخاطباً إياي بالقول : وأنت يا حاج !؟ حينها سلمت له جواز سفري ، والذي كنت قد اخرجته من جيبي ووضعته في يدي حتى قبل أن يفتح رجل الدولة الإسلامية باب السيارة حينما استوقفنا ، ولا أعرف صراحةً ما سبب إستعجالي إخراج هويتي وجواز سفري بهذه السرعة ، وقبل أن يسألني حتى ، ربما من ترسبات الماضي البغيض الذي يوجب علينا الركوع والسجود للشيعي والكردي ، وربهما الأميركي ، في نقاط تفتيشهم الوحشية ، التي اعتدنا شرب الذل والهوان فيها ، نحن أبناء السُنّة والجماعة ، قبل أن تتحرر أراضينا اليوم ..!
سألني بعدما أمسك جواز سفري وفتحه بين يديه : هل أنت عراقي ؟ اجبته بـ نعم ! ثم أضاف بعدما رفع النظارة عن عينيه قليلاً ليتمعن في الجواز أكثر ، مستعيناً هذه المرة بمصباح يدوي كان يحمله بيده ، وليس على ضوء السيارة الداخلي، كما فعل قبل ذاك حينما أراد التأكد من هويات من سبقوني .. ثم كرر سؤالي : أين وجهتك ؟!
ولأن وجهتي لم تكن محددة بمدينة بعينها ، أو بولاية دون غيرها ، كانت إجابتي على تساؤله بقولي : وجهتي أرض الخلافة ! ففهم من إجابتي إنني إنما جئت إليها مهاجراً أو هكذا ظننت، خصوصاً بعدما رد عليّ بالقول : قد وصلت ! ثم اعقب ذلك بسؤال ، في وقت كان لا يزال يستمر في تفحص جواز سفري : ماذا تعمل ؟! أجبته على الفور ، ودون تردد : صحفي وإعلامي ! 
وهنا رفع عينيه بإتجاهي .. ثم تراجع بضع خطوات إلى الوراء ، وجواز سفري في يده ، ليمسك جهاز الراديو بيده ويبدأ يتحدث مع شخص آخر قائلاً له : صلني بالشيخ .. بعدها بلحظات تحدث مع شخص آخر بشأني قائلاً له : هناك صحفي جاء من الخارج ينوي التوجه إلى الموصل .. مع إنني ذكرت له أن وجهتي أرض الخلافة لكنه اعتمد على وجهة جميع ركاب السيارة إلى الموصل على ما أظن ، ليحدد هو بدوره وجهتي نحوها ، ولم يخطئ .. ثم أضاف : كيف نتصرف ، وما هو الموقف من الصحفيين ؟! جاءت الإجابة من ذلك الشخص الذي ناداه بـ(الشيخ) بوجوب إنتظار مجيئه شخصياً إلى نقطة التفتيش ، وهو ما دعا رجل الخلافة الذي استوقفنا أن يطلب من سائق السيارة بالتوقف إلى جانب الطريق، ريثما يصل المسؤول الأمني عن نقطة التفتيش ! ركن السائق السيارة على بُعد أمتار عدة من جانب الطريق ، وأوقف السيارة ، ثم أطفئ محركها ! كان صوت رجل الدولة الإسلامية وحديث (الشيخ) على مسمع مني ، ومن جميع ركاب السيارة ، فأخذ بعض الركاب يتهامسون ، في حين علا صوت تلك السيدة ، التي كانت تجلس خلفي، قائلة لي بصوت مرتجف : ولدي ، لماذا اخبرتهم بإنك صحفي ، سيأخذونك الآن !! قالتها بلهجة بغدادية صرف ( يمة ليش كتلهم أتة صحفي، هسة ياخذونك) !
كانت تلك السيدة ترتعد من شدة الخوف ، وكانت تردد (يمة يحرسك الرحمن) و( سور سليمان) وغيرها من الأدعية التي تتردد على لسان كبيرات السن ، بغض النظر عن شرعيتها من عدمه ، ثم أخذت تهمهم بقراءة آيات من القرآن الكريم من شدة خوفها عليّ ، خصوصاً أن الأم العراقية ليست كسائر الأمهات ، فأغلب أمهات بلاد الرافدين عُرفن بفرط عاطفتهن حتى على أبناء غيرهن .. وهنا ما كان مني إلا أن اُطمّئنها ، وأنا اترجل من مكاني إلى خارج السيارة ، بأن لا شيء يدعو للخوف ، وبأنهم سيتأكدون من الاسم ثم نواصل طريقنا ، بمشيئة الله .. لكن السيدة أبقت على لومها لي ، وبذات الوقت على ادعيتها التي لم تنقطع ، فيما واصلت المسير بدوري نحو رجل الدولة الإسلامية الذي قطع الطريق بإتجاه غرفة صغيرة تسمى عند أهل العراق بالـ (كابينة) وضعت عند نهاية الجزرة الوسطية عند حافة التقاطع ، فيما بقي رجل آخر يستوقف السيارات الخارجة من المدينة ، والتي لا يعرف هوية أو وجوه أصحابها ، في وقت كان يكتفي برد السلام على بعض أصحاب السيارات ، ممن كان يعرفهم ، إذ يرد عليهم منادياً إياهم باسمائهم، ما ترك إنطباعاً لديّ أنه من أبناء المدينة نفسها ..!
كان يجلس عند باب تلك الغرفة ، (الكابينة) الصغيرة ، التابعة لنقطة التفتيش ثلاثة رجال ، ركنوا أسلحتهم بجانبهم وهم يتناولون طعام العشاء في ظلمة لا تخفف من شدة وطئتها الحالكة إلا أنوار السيارات القادمة من كلا الإتجاهات الثلاث ، ما منعني من معرفة ماكانوا يتناولونه ، لكني ميّزت الوعاء الذي كان يحوي الطعام ، إذ كان (منسف) صغير ، ما جعلني اُرجح الرز كطعام لهم ، خصوصاً إننا في العراق من عادتنا تناول الطعام في مناسف عندما نكون في مجاميع ، صغيرة كانت أو كبيرة !
قال لي أحدهم : تفضل معنا ! شكرته ، ثم توقفت بجانب الرجل الذي كان يمسك بجواز سفري ، حيث كان يقف على مقربة من بقية زملائه ، والذي خاطبته بالقول : أنا الإعلامي والكاتب الصحفي (حسين المعاضيدي) يا حاج ، فهل من مشكلة في الأمر !؟ فرد عليّ بغياب إبتسامته وبهدوئه الذي لم يفارقه : سيأتي الشيخ الآن أخي ، وهو من سيتحدث إليك ..!
اكتفيت بكلامه هذا ، ولم أواصل الحديث معه ، لأني شعرت أن الأمر لم يعد بيده ، بل بيد من سيأتي لمقابلتي ، فهو من سيبُتُ في أمر الصحفيين من أمثالي ..! حينذاك داهمني شعور أن هذه الليلة ستطول على غير العادة معي ، وأخذت أفكر في كيفية مواصلة مسيري نحو الموصل ، في حال تأخر وصول ذلك (الشيخ) واضطر سائق السيارة لمواصلة رحلته نحو الموصل مع ركابه دوني ، فمن غير المنطقي أو المقبول مني أن اجعلهم يتأخرون لساعات في حال تأخر وصول الشيخ فترة طويلة ..!
كنت أهم بالتوجه إلى سائق السيارة لأطلب منه إنزال حقيبتي وإكمال رحلتهم ، وهو ما أخبرت به رجل الدولة الإسلامية الذي كان لا يزال ممسكاً بجواز سفري بيده ، لكنه طلب مني التأني لأن الشيخ لن يطول وصوله ، وقبل أن يختمَ عبارته توقفت سيارة بيكب ، أو ما تسمى عند أهل العراق بـ(دبل قمارة) ، في الجانب الآخر من الشارع ، على مقربة من سيارة الأجرة الـ(كيا) التي كنا نستقلها ، وكان يقود تلك السيارة رجل ملتحٍ ، يقترب من العقد الرابع من العمر،  نحيف الوجه قليلاً .. توجه إليه رجل نقطة التفتيش وسلّمه جواز سفري ، ثم نادى عليّ (الشيخ) ، وهو يجلس في السيارة : تعال إلى هنا من فضلك يا حاج !
سرت إليه بخطوات سريعة ، بعدما شعرت بإرتياح من طريقة مناداته لي ، شعور قتل ذلك الخوف من التأخر عن رفاق رحلتي إلى الموصل .. سلّمت عليه ، ومدّ لي يده للسلام فزادني إطمئناناً ..! سألني أولاً ، وهو يقرأ في جواز سفري : في أي قناة تعمل !؟ أجبته ، إجابة الواثق من نفسه ، فمثل هذه المواقف تعلمت منها ، بحكم عملي وطبيعته ، أن من يخاف فيها يهلك : أنا كاتب المجاهدين ومناصرهم حسين المعاضيدي ! استقر نظره على وجهي بعدما كان يتنقل ببصره ، أول الأمر، ما بين جواز سفري ووجهي ، ثم قال :
والله والنعم ! ثم واصلت : تستطيع التأكد من شخصي عن طريق الإنترنت ، فستجد فيه مقالاتي وكتاباتي مقرونة بصوري ، فضلاً عن لقاءاتي المتلفزة !
فأجابني : ما من داعٍ ! قالها بحماسة ، رافقتها هزّة خفيفة برأسه ، دون أن يخبرني إن كان قد عرفني أم لا .. ثم أردفها بالقول : وإن شاء الله وين ناوي تروح .. ذكرها باللهجة العراقية ، كتعبير عن الأستفسار عن وجهتي ..!؟ قلت له : الموصل ، بإذن الله ! فقال : محروس بالله ، توكل على الله ..! ثم خاطب مسؤول نقطة التفتيش الذي كان يقف بجانبي ويستمع لحديثنا : دّعه يمر يا حاج ، قبل أن يختم معي بالقول ، وهو يسلّمني جواز سفري : إن شئت البقاء معنا فمرحباً بك بين أهلك .. فتبسم قلبي قبل وجهي فأجبته ، وباللهجة العراقية : والله وعشرة نعم منك ومن وجهك الطيب .. لكني عزمت التوجه إلى الموصل .. فرد عليّ مُنهياً اللقاء بالقول : إرشد (أبو علي) توصل بالسلامة .. و(أبو علي) هي الكُنية لمن يحمل اسم (حسين) في العراق ، فكل (حسين) هو (أبو علي) ، والعكس صحيح !
عدت إلى السيارة بعد أن صافحته، يتبعني رجل الدولة الإسلامية ، ذو العوينات الطبية نفسه ، وما أن وصلت إلى السيارة حتى أخذ الجميع يهنئني على السلامة ، وعلى رأسهم السيدة التي كانت خلفي ، والتي وجدتها لا تزال مستمرة في الدعاء .. فخاطبتهم بالقول : كان الأمر بسيطاً ، تأكدوا من الاسم ليس إلا ، فيما بقيت السيدة تلومني على إبلاغهم بحقيقة مهنتي ..! توقف جندي الدولة الإسلامية عند الباب ، وقبل أن يغلقه أمسك بحافة الباب ، ثم أخذ ينظر إليّ قبل أن يسألني : يا أمي : لماذا لا ترتدي الحجاب الشرعي !؟
استغربت لسؤاله ، فوضعت نظارتي الطبية على عيناي لأتأكد من أن نظره موجه نحوي ، فتأكدت ، فظننت لوهلة أن خطباً ما أصاب نظارته ، أو أن مشكلة ألمت ببصره ، بعدما تأكدت من سلامة بصري ونظارتي ..!
أجبته مستغرباً : عفواً ، أتتحدث معي !؟ فرد عليّ ، وهو لا يزال غارقاً في بحر هدوئه الغريب ، مع إبتسامة خفيفة ظهرت على قسمات وجهه لأول مرة ، فهمت منها إنها إبتسامة إعتذار، فقال : أتحدث مع الأخت التي تجلس خلفك ! قالت السيدة : أتقصدني أنا يا ولدي !؟ أجابها : نعم أنتِ ، حفظك الله ! ثم كرر السؤال عليها ، دون أن يشيح بعينيه عني ! فردت عليه ، مؤكدة له في ذات الوقت : أنا محجبة يا ابني !! فقال لها : أتحدث عن الحجاب الشرعي الذي يغطي الوجه ، (الخمار) يا أمي ! فردت عليه بصيغة اللوم : أنا إمرأة كبيرة في السن ، وأنت مثل حفيدي يا ابني !
فرد عليها بأدبٍ جّم : إنه شرع الله يا أمي ..!  ثم أضاف : هل هذا الذي بجانبك أبنك .. قالها وهو مستمر في التحديق نحوي !؟ فردت عليه ، بعدما خفّضت من نبرة صوتها قليلاً : لا والله يا ولدي ، فأنا لوحدي ، لكن معي هؤلاء الذين في السيارة ، وجميعهم بمثابة إخوتي !؟ صمت لبرهة ، وكأنه يستوعب صدمة الجواب ، قبل أن يعود ليسألها مجدداً عن وجهتها والمدينة التي جاءت منها : فأكدت له أنها (موصلّية) ، وإنها تنقلت بالطائرة لأكثر من مكان ، وأنها استقلت سيارتين قبل سيارة الأجرة تلك ، والتي كنا نجلس فيها في طريقنا إلى الموصل ، وإنها في الطريق منذ ثلاثة أيام !
فأنّبها هنا بشدة على خروجها بلا محرم، ثم سألها إن كان زوجها حياً أم لا ، فأكدت له إنه على قيد الحياة ، فقال لها : وكيف يسمح لك زوجك بالخروج لوحدك والتنقل هكذا في ظل هذه الظروف التي يخشى فيها الرجل على نفسه ، كيف له أن يفعل ، ألا يتقِ الله فيك ؟! قالها بغضب هكذا ، وبحرقة ! أجابته أن زوجها مريض ولا يقوى على السفر ، وأنها اضطرت إلى السفر نتيجة مرضها هي الأخرى وحاجتها لرؤية الأطباء ! سألها كذلك إن كان بيتها في الموصل أم في مدينة أخرى ، فأشارت له أن سكناها حالياً هو في العاصمة بغداد حيث تركت زوجها هناك ! ثم واصل حديثه معها، حديث يحمل بين طياته ألم، أكثر مما هو إستغراب، ألم على واقع حال أُمة باتت تسير فيه المرأة المسلمة ليل نهار، وتقطع مئات، بل آلاف الأميال، دون أن يكون برفقتها محرم، أو تعير لهذا الجانب أي اعتبار! قال لها بعدما خاطبها هذه المرة بـ(يا أخيتي) :
إن كان زوجك لا يخاف عليك، فنحن نخاف عليك ، وإن كان زوجك لا يهتم لأمرك، وتركك تخرجين لوحدك بلا محرم ، فنحن يهمّنا أمرك ، ولا يحق لنا تركك تسيرين بلا محرم ، لكن ما عسانا نقول إلا (لا حول ولا قوة إلا بالله) .. ثم واصل : والله لن ينصلح حال الأمة إلا بصلاحنا نحن .. والإثم جلّه في رقبة زوجك ، الذي سمح لك بالخروج بلا محرم ، وفي هذا الظرف العصيب جداً الذي نعيشه ، غفر الله لك ، ولزوجك !! سألها في نهاية الأمر عن سبب توجهها إلى نينوى دون غيرها .. فأكدت له إنها في زيارة لأبنتها التي تسكن الموصل .. فقال لها ، وعيناه صوب عيناي أنا طوال الوقت : قلتِ إنكِ خرجتِ للعلاج ، والأن تؤكدين أن زيارة ابنتك من أخرجتك ، قالها بصيغة (ما ينبغي لنا أن نكذب ونحن أهل إسلام) .. ودون ان ينتظر سماع الجواب ، أغلق الباب بعدما قال للسائق ، ولنا ، بصيغة الدعاء توصلون بالسلامة !
وقبل أن تتحرك عجلات السيارة في رحلتنا صوب مدينة الأنبياء ، أدركت إنني في الزمان والمكان الصحيحين ، زمان ترقبنا حلوله طويلاً، زمان نجد فيه من يحرص على أنفسنا وعلى أعراضنا ، أكثر من حرصنا نحن على أنفسنا وعلى أعراضنا ، ومكان بحثنا عنه كثيراً كثيراً في زوايا وخفايا الوجود ، يحكمنا على اديمه رجال أشداء على الكفار ، رحماء بينهم، رجال يخافون الله ، ويقيمون شرعه فينا ! ا.هـ .

__

الحلقة الثالثة ؛.

__

سارت بنا السيارة، بعدما غادرنا مدينة الحويجة الشماء بإتجاه الحصن المنيع لدولة الإسلام ، الموصل العصية ، وكأن السائق ، وهو يقود سيارته ، يحفظ الطريق ومطباته عن ظهر قلب ، طريق امتد تحت جنح ظلام لا يخفف من وطئة سواده سوى تلك الأنوار المتقطعة لمصابيح أنارت بيوتات على جانبي الطريق ، والتي تزداد غزارتها كلما اقتربنا من المدن ذات الكثافة السكانية ..! كان الشاب الذي برفقتنا ، والذي تعرض إلى المسائلة في أول سيطرات ونقاط تفتيش دولة الخلافة الإسلامية ، يمتلك خطاً هاتفياً، يطلق عليه (شبكة أثير) الشيعية ، والتي كانت تعمل بتقطع ، بعدما توقفت بشكل تام شبكة (آسيا سيل) ، التي تعود ملكيتها إلى الأكراد ، في ظل غياب أي شبكة للأتصالات تعود ملكيتها للسُنّة العرب ، وكانت السيدة التي برفقتنا تستأذن الشاب بين الفينة والإخرى لإجراء مكالمات بعد توقف هاتفها عن العمل ، وأحياناً تحاول إرسال رسائل إلى عائلتها في بغداد تبلغها بإنها بخير ، وإنها في الطريق إلى الموصل ، وأن كل الأمور تسير على خير ما يرام ، فيما راح الشاب يخاطبنا بإن هاتفه في خدمة الجميع !
مررنا بنقطة تفتيش جديدة ، توقف السائق خلف سيارة كانت تسبقنا ببضع مئات من الأمتار قبل توقفها في نقطة التفتيش التابعة لرجال الدولة الإسلامية ، حيث لم يعد يفصلنا عنها سوى ثلاثة إلى اربعة أمتار ، وحينما تجاوزت نقطة التفتيش ، بعد أقل من دقيقة من توقفها، جاءنا دور المرور .. توقف السائق أمام رجل الخلافة ، الذي كان كاشف الوجه، مُلتحٍ، في نهاية العشرينات من العمر ، اطلق علينا السلام أولاً ، ثم تبسّم مع السائق ، وراح يمازحه قليلاً .. !
كانت لكنته من تلك المناطق (شمال صلاح الدين، أو جنوب الموصل) ، إنها لهجة مميزة ، وجميلة في نفس الوقت ، هي أقرب للبدو منها للحضر ، ما اجمل لغة البدو التي كان أبي يتحدث بها، كيف لا ، وأبي بدوي حد النخاع ، رعى الأبل حتى بلغ اشده ، ثم احترف الزراعة ، قبل أن تجبرتنا ظروف الحياة ، وذهاب أراضينا التي أغرقتها مياه سد حديثة (سد القادسية) إلى السكن والإقامة في المدن والتي صعب على أبي التأقلم عليها ، فبقي يتحدث بلسانه البدوي ، هذا الذي اعشقه وأحاول التحدث به مع أبنائي رغم صغر سنهم .. بل إنني أتذكر كيف أن زملائي في مهنة الصحافة ببغداد كانوا يلقبوني بـ (البدوي) وذلك لطبيعة وتركيبة شخصيتي ، التي نأت بنفسها عن عالم التحضر والتمدن الزائف ، رغم عملي في بلاط صاحبة الجلالة حيث سلطة الإعلام الرابعة ، والتي ما عادت ذات جلالة ، تماماً مثلما ما عادت سلطة رابعة ، بل مسخرة أولى وثانية وثالثة فرابعة ، في ظل حكم الشيعة ، ونفاق الكرد ، وعهر حكام الخليج وبقية بيادق أميركا وإسرائيل وإيران !
كان رجل نقطة التفتيش يتحدث إلى السائق ، فيما كنت أنا غارقاً في تأمل جمال مخارج حروفه وكلماته ولفظه .. قال للسائق : ما هوية زبائنك من الركاب ؟!  فرد عليه السائق، الذي ينتمي لذات المناطق كما تبين من لهجته في الحديث : إنهم يتوزعون بين موظفين وطلبة ، دون أن يتم التطرق إلى وجود نساء بيننا .. فرد رجل نقطة التفتيش : وهل بينهم (جنود مرتدين) !؟ فأجابه السائق بإنه يستطيع التأكد بنفسه ، لكنه أكد له إننا مررنا بأكثر من نقطة تفتيش ، وقد تم التأكد من هويات الركاب جميعاً ! فأجاب رجل الدولة الإسلامية ممازحاً الرجل الكبير في السن الجالس بجوار السائق : لكني أظنكم جميعاً جنود، وهذا العم في (الصدر) هو قائد المجموعة ، و(الصدر) عندنا في العراق هو من يجلس بجانب السائق ، متصدراً الركاب .. فضحك الرجل الخمسيني أو الستيني الجالس بجوار السائق ، ورد عليه :
أعوذ بالله ، لست إلا اُستاذاً جامعياً .. ! قالها ثم اطلق ضحكة طويلة ، ضحك لها الجميع ، فيما لا زلت أنا اتأمل طريقة حديث رجل الدولة الإسلامية ، والحق أقول لا أعرف إن كانت لهجته من سحرتني ، أم عذوبة تعامله مع الناس هي من أبهرتني !! أنتهى الوقوف أمام نقطة التفتيش بضحكات وأبتسامات من الجميع ، وربما هناك من كانت ضحكاته لا تخرج من كل قلبه ، حيث شعرت أن هناك البعض لا تزال مخاوفه من نقاط تفتيش وسيطرات الدولة الإسلامية حاضرة ، وخصوصاً السيدة البغدادية الموصلّية الأصل ، والتي تذمرت من كثرة نقاط التفتيش على الطريق ، مع إنها لا تمثل شيئاً أمام عددها أيام ما قبل التحرير المبارك .. شعرت بدوري بالإستفزاز من كلام السيدة ، فتدخلت هذه المرة وبشكل عصبي ..! كانت السيدة تجلس خلفي ، فأخذت اتحدث بصوت عالٍ ، وأقول ساخراً ، نعم ، من حقنا التذمر هكذا ، فقد كان الشيعة يستقبلوننا بالورود في سيطراتهم ونقاط تفتيشهم ، وكانوا لا يبصقون في وجوهنا ، ولا يهينوننا ، ولا يدوسون على رؤوسنا بأحذيتهم ، بعدما تمكنوا منا ، ولم يغتصبوا نسائنا ، ولم يقتلوا أولادنا ، ولم ييتموا أطفالنا .. !
نعم من حقنا التذمر من عدد السيطرات ونقاط التفتيش، التي ما وجدت إلا لحمايتنا ، فنحن لا نرضى بمن يحمينا ويخاف على أعراضنا أكثر منا ، ويدافع عنا بشراسة ، نعم نحن لا نستسيغ أن نرى من يسهر الليل كي نعيش بأمن وأمان ، نعم لإننا لا نرضى إلا بالذل ، وبالمهانة ، وبالعيش في كنف زنادقة الشيعة وملحدي الكُرد في ذل وإهانة .. لنتقِ الله جميعاً، فهؤلاء ما خرجوا إلا حينما اُنتهكت أعراضنا ، وسُبيت نسائنا ، وأبيدت مدننا ، وتسلط المجوس ، ومن حالفهم ، على رقابنا ، فأستعبدوا حتى الأجنة في بطون الأمهات !دبّ الصمت بعد كلماتي هذه في السيارة ، وخشي الجميع الرد ، ربما لأنهم ظنوا إنني ، وبطريقة حديثي تلك ، أحد رجال الدولة الإسلامية ، شعرت بهذا من طريقة صمتهم ، فللصمت حديث لا يفقه لغته أياً كان .. ! واصلت الحديث دون توقف ، فلقد وجدتها فرصة لأخبرهم ببعض ما كان يجري لأهل السُنّة والجماعة في معتقلات الشيعة والكرد وأسيادهم الأميركان .. وكثير منهم يعلمون ويدركون ..  قلت :
يا من تتذمرون ، هل سمعتم بما حدث لرجالنا ولنسائنا في المعتقلات ، سأحكي لكم موقفاً واحداً ، رأيته بنفسي ، لتعرفوا لماذا نبصق على المجوس ، ولماذا هم يحاربوننا ولماذا يريدون إعادة احتلال أراضينا المحررة ، لقد كانوا في المعتقلات يحضرون المرأة ذات الأربعين عاماً ، مع طفلتها ذات الأحد عشر ربيعاً ، ثم يخيّرون السيدة (السُنّية) بين إغتصابها ، أو إغتصاب طفلتها ، وكانت المسكينة ، وبعد بكاء مرّ،  تفضل أن يتم إغتصابها على حساب إغتصاب طفلتها .. !  كنت أتحدث ، وكان صوتي يرتفع شيئاً فشيئاً ، وكنت أومئ بيداي شمالاً ويميناً ، رغم أن أحداً لم يكن يراني ، بسبب الظلام الذي كنا نجلس في عتمته ، اللهم إلا من كان يجلس بجانبي حيث كانت يداي تمسهم دون دراية مني .. كنت اُردد :
هل تعلمون ، يا من لا تقبلون إلا بحكم مليشيات وجيش الشيعة وبيشمركة الكرد ، أن المرأة السُنّية هذه حينما اختارت أن يتم إغتصابها مقابل عدم إغتصاب طفلتها ماذا فعلوا معها ؟!! لقد أقدموا على إغتصاب الطفلة أولاً ، ثم تلا ذلك إغتصاب الأم نفسها ، أربعة كلاب اميركية متوحشة تناوبوا على إغتصاب الأم وطفلتها ، وهل تعلمون من كان يمسك بالأم وطفلتها حين الإغتصاب !! مجموعة من شرطة وجيش الشيعة ممن كانوا يعينون الأميركان ويساعدونهم على إذلال وتركيع أهل السُنّة والجماعة ..  كل هذا يفعلوه أمامنا وأمام أعيننا ليقولوا لنا بعد ذلك : من لا يعترف بالتهم المنسوبة إليه سنعتقل عائلته ونحضرها هنا ونفعل بها ما فعلنا بهذه (العاهرة) كما يسمونها، وحاشاها.. !
كان بدني يقشعر وأنا أتذكر ذلك الموقف الذي لا يغادر مخيلتي أبداً، وكيف له أن يُغادرني وهو ينام ويعشعش ويتنفس ويأكل ويشرب معي ، ينام في فراشي ، ويعشعش في عقلي، يتنفسني قيحاً ، ويُؤكلني زقوماً ، ويُشربني سماً ..! إنه الحقد الفارسي المجوسي الأعمى على أمة الإسلام ، اُمة السُنّة والجماعة ، لهذا يسعون إلى إستعبادنا ، أو إبادتنا بأحسن الأحوال ، بمساعدة ومشاركة القريب والبعيد ، ولأجل ذلك لن يتخلوا عن نواياهم تلك حتى يحققوها ، أو يبادوا !! صمت الجميع ، وخرست الألسن ، ومنها لساني الذي انعقد بعد ذلك ، بعدما اطلقت لدموعي العنان وسط ظلام المكان وضجيج محرك السيارة ، الذي كان متأثراً بنوعية البنزين المصنع محلياً في المصافي البدائية التي بدأت تكتظ بها مدن الدولة الإسلامية ، بعدما اتلف الشيعة والأكراد وطيران الغرب والخليج جميع المصافي التي تخضع لسيطرة دولة الخلافة عن طريق طيرانهم الذي لا يغادر سماء تلك المدن ، ولكن فوق غيوم تقترب من القمر كما نراها نهاراً ، وبإرتفاعات مجهولة ليلاً !
استمر الصمت هكذا حتى قطعه إشارة شاب ، لم يبلغ العشرين من العمر ، أومأ إلينا ونحن نقترب من جسر يرتفع بالطريق حتى يربطه بطريق آخر ، توقف السائق وخاطبه الشاب، الذي كان يحمل بندقية ويضع لثاماً على وجهه ، بالقول ( رحم الله والديك أخ ي، حينما تصل إلى نقاط التفتيش أنر مصابيح السيارة من الداخل قبل الوصول بقليل) ، فاعتذر منه السائق وأخبره أنه يعرف بهذه الملاحظة ، إلا أن النسيان هو السبب ، مع إنني حَمّلتُ نفسي مسؤولية ذلك ، بعدما فتحت جروحاً ربما تناسى بعضنا بعض مواجعها بحديثي عما كان يجري لأهل السُنّة والجماعة في معتقلات الأميركان والشيعة والبيشمركة ..! كنا نمر بجسور وأودية وتعرجات وتموجات أرى بعضها من مصابيح السيارة التي كانت تكشف لنا مساحة من الطريق في ذلك الظلام الدامس ، في حين إنني كنت استكشف بعضها الآخر من صوت مرورنا فوقها أو بجانبها ، أو من تمايل السيارة بنا يميناً وشمالاً ..! 
إقتربت الساعة من الثامنة في آخر ليلة من العام 2014م ، ولا زلنا نسير في طريق لم اسلكه منذ سنين خلت ، حينما كنت أتجول في ربوع تلك المناطق لأنقل حقيقة الخسائر الأميركية في صلاح الدين والموصل ، وهو ذات الشيء الذي كنت افعله في الأنبار، يوم كنت أتعامل مع العديد من القنوات التلفزيونية المحلية والعربية والأجنبية ، فبعض تلك التقارير كانت تذهب إلى قناة الرافدين ، وبعضها الآخر أذهب به إلى قناة الشرقية والزوراء ، ولاحقاً الرأي ، وبعضها الآخر إلى قناة الجزيرة ، وبعضها إلى شبكة الأنبي سي نيوز ، ووكالة الأسوشيتدبرس والعديد من الجهات الإعلامية الأخرى ، يوم كانت تحرص على نشر ما تتعرض له قوات الاحتلال من خسائر موجعة ، أو تقوم ببث معاناة المناطق التي تخضع لسلطة المنطقة الخضراء وقادتها ، سواء من البنتاغون أو من فيلق القدس الإيراني ، ببركة السياسيين ، الذي استبسلوا في تثبيت دعائم الاحتلال (الأميركي – الإيراني) لأرض الرافدين ، قبل أن تتبدل مواقف بعض تلك الجهات الإعلامية والقنوات لتصبح مواقفها تباع وتشترى ، وسياستها الإعلامية تخضع لمن يدفع أكثر !
كنت احفظ هذه المناطق وهذه المدن عن ظهر قلب ، لكني الآن لا أعرفها ، فلقد تركت سنوات الاحتلال الأميركي القاسية آثارها عليها ، وليكمل مسيرة إنهاكها الاحتلال الشيعي الإيراني لها .. لم تكن آثار الاحتلال بادية لي نتيجة الظلام ، لكني كنت اُحسها ، فهي عندي بمثابة جسد وروح ، تتألم أكثر من ألمنا ، وتتوجع أكثر شدة من توجعنا ، فهي تعاني كما نعاني ، كيف لا ، وهي قد اُغتصبت من قبل خنازير اميركا وكلاب إيران ، تماماً مثلما تم إغتصاب أعراضنا على أيديهم ، وهي جائعة حد الشبع ، ومريضة بداء أنهكها مثلما أنهك المرض والجوع فلذات أكبادنا وأمهاتنا وأبائنا ، هذه الأرض المعطاء انتخت اليوم وهي تنادي (واوجعاه) ، فهب لتحريرها رجال ، قال عنهم العالم كله إنهم وحوش بهيئة آدمية ، وها أنا اليوم آتيهم ، من آخر الدنيا ، لأنقل للعالم حقيقتهم ، وسأكون منصفاً ، حتى لو وجدت عندهم من السوء ، فأقسم بمن نصرنا في بدر يوم كنا أذلة ، إنني سأتحدث به ، وانطق واجهر به ، ولن اخشاهم ، أو اخشى غيرهم ، ما دمت أفعل ذلك لله ، ونصرة للحق ، وكشفاً للواقع ، وتبياناً للصدق الذي غيبه الإعلام وتجاهله ، بل وشوهه !
واصلنا المسير ، حتى بتنا على مشارف (الگيارة) ، التي وصلناها اللحظة ، نعم هذا مفرق طرقها ، وهذا جسرها الذي يتفرع منه عدة جسور وطرق إلى مناطق أخرى ، وهذا الجسر الذي قال عنه هذا الصباح مراسل قناة العربية (الإيرانية المجوسية) إنه بيد البيشمركة الكردية الآن ، وأنه تم تحريره وإستعادته في معركة ضارية مع (د ا ع ش) ، على حد وصف هذه القناة التابعة إلى ( معس ) ، والمسمومة بِسُمّ إيراني ، من ذاك الذي نُقّع به الخنجر الذي غُرس في ظهر سيدنا علي ، رضي الله عنه وأرضاه ، وهو ذات السم الذي غُمس به الخنجر الذي استقر في جنب سيدنا الفاروق عمر بن الخطاب ، محطم اُسطورة الجيش الكسروي الذي كان لا يقهر ، أبا حفص الذي اطفأ عهده نار المجوس إلى الأبد، وسُمّ قناة العربية هو ذات السم اليهودي الذي وضع في طعام الرسول الأكرم محمد ، صلى الله عليه وسلم، قبيل وفاته ، بأبي وأمي هو !

ما هذا ، الجسر يقف فوقه مجموعة من رجال الدولة الإسلامية ، لكني سمعت هذا الصباح في نشرات الأخبار ذلك الذي اسميه إسطوانة الغاز ، مراسل القناة التي صح فيها القول (العبرية) ، المسمى (أحمد الحمداني) يقول أن البيشمركة اصبحت على مشارف الموصل ، بعدما استعادت السيطرة على جسر الگيارة ، بل والسيطرة على الگيارة ذاتها ، بل وزاد على ذلك قولاً أن من يسيطر على ذلك الجسر إنما يسيطر على محافظات ثلاث : ديالى ، وكركوك ، ونينوى ، وربما نسي محافظة صلاح الدين هي الأخرى ، مع أن الجسر من الناحية الإستراتيجة لا يمثل شيئاً ، كونه جسراً يربط مجموعة طرق ، ولكل طريق من هذه الطرق طريق بديل ، ما يجعل السيطرة عليه لا تقدم ولا تؤخر على أرض الواقع ، أو في ميدان القتال شيئاً .. !!
سألت رفيق رحلتي الشاب الجالس بجانبي ويدعى (حازم) : أوليس هذا هو الجسر الذي قالت عنه قناة العربية أنه بيد البيشمركة ؟! فرد عليّ بالأيجاب ، وقال ألم اقل لك إنهم يكذبون ، حيث كنا نتحدث في ذلك الصباح ، حينما كنا نجلس على قارعة الطريق بإنتظار أن يتم السماح لنا بالعبور من مناطق سيطرة الشيعة والكرد إلى أراضي الخلافة الإسلامية ، إذ كذّب صاحبي هذا الصباح تقارير قناة العربية واوصفاً إياها بـ(اليهودية) ! ولكن ، وبالرغم من ذلك ، ما قصة المحافظات الثلاث التي يتم السيطرة عليها بالسيطرة على هذا الجسر ، وما قصة السيطرة عليه وهو لا يزال بيد رجال الخلافة الإسلامية ، الذين يحكمون السيطرة عليه بقبضة حديدية .. هذه القصص الخرافية اترك الإجابة عليها لمراسل قناة العربية نفسه المدعو (أحمد الحمداني) ، لعله يأتينا بالجواب الشافي من فوق فنادق أربيل التي يبث منها تقاريره عن ساحات معارك تبعد عنه مئات الكيلومترات فيقيناً إنه ، كما قناته ، يعرف أكثر !!!
تجاوزنا (الگيارة) التي كان ليلها حياً ، فباعة البنزين لا يزالون يفترشون الأرصفة الجانبية ، والحال نفسه ينطبق على باعة الأطعمة والفاكهة ، ومطعم هنا ومطعم هناك ، لا يزالوا فاتحي أبوابهم للمسافرين ، فيما كانت دوريات الدولة الإسلامية تنتشر، ليس في (الگيارة) فقط ، بل على طول خط السفر، بعضها نراه ، وبعضها على شكل كمائن متحركة أو ثابتة، تحسباً لأي طارئ ! بعبورنا لمدينة الكيارة بدأ العد العكسي لوصولنا لمدينة الرماح، موصل الجهاد ، بل إننا بتنا على مشارفها ، حيث أخذ الطريق يرتفع تارة وينخفض تارة أخرى ، فتموجات الطريق تخبرك بإنك أمسيت الآن على مشارف الموصل، ولا حاجة بك لأن تسأل أأقتربنا أم لا يزال هناك طول في الطريق ، فكما هو (الهوبر) دليل (الكمأ) لمن يعشق جني الكمأ من الصحاري والقفار، فإن تموجات الطريق دليل إقتراب الموصل منا ، أو إقترابنا منها، لا فرق ، ما دام سيجمعنا بها اللقاء بعد فراق وغياب ، وها هي أولى تبشاير اللقاء ، بوابتها التي تنتصب في أقصى جنوبها الشرقي شامخة في عزّ وثبات !
ابصرت بوابتها كاملة ، رغم ظلام الليل ، فإضواء السيارة تنير لنا ظلام المكان ، وأي مكان ، بوابة تعلوها راية العقاب بلونيها الأسود والأبيض ، لا إله إلا الله محمد رسول الله راية دولة الخلافة الرسمي ، راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وراية الخلفاء من بعده ، راية الإسلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، شعور لا يوصف ، وفرحة لا تتسع الدنيا بأكملها له .. !
توقفنا أمام جندي يرتدي بزة (قندهارية) سوداء ، يكسو رأسه شعر كث طويل ولحية ، وكإنها جزء من سواد ذلك الليل المدّلهم ، وعيناه كانتا تتقلصان وتكبران بحسب شدة نور مركبتنا.. سلّم علينا بوجه بشوش ، رغم ملامح التعب الذي كان بادياً على قسمات وجهه التي كانت تبرز وتختفي وسط الظلام والنور .. سألنا أولاً عن وجهتنا ، والمدينة التي أتينا منها ، ثم سألنا عن باقي نقاط التفتيش ، وكيف هو حالهم ، ثم سألنا عن طريقة التعامل معهم ، فنطق الجميع ، وكل بعبارة ، فمنهم من قال ( بارك الله فيهم.. لم يقصروا) ومنهم من قال (الله ينصرهم) ، ومنهم من قال (والنعم منهم) ، أما أنا فاكتفيت بالصمت ، ولا أعرف سبباً لصمتي ، لكني ربما أردت معرفة ما سيقوله عامة الناس عنهم في حضورهم والغياب !
ختم رجل بوابة الموصل كلامه بالقول : مرحباً بكم ، وحياكم الله بين أهليكم ، وكانت لكنته وهيأته تدل على إنه من أرض الحجاز بجزيرة العرب ، تلك الأرض المباركة التي تغذي سوح الجهاد بقوافل من المجاهدين الأشداء ، لله درّهم من اُسود جائعة تسعى لإعادة هيبة غابرة ، وأمجاد أمة ضائعة ! أخذ المسافرون معي يحمدون الله على سلامة الوصول ، وبدأوا في جمعِ إجرة السيارة .. وجمعُ إجرة السيارة يعني أن الرحلة باتت على مشارف الإنتهاء ، ما يعني أنهم ضمنوا الوصول سالمين إلى ديارهم ، مع أنه ما يزال هنالك عدة كيلومترات قبل الوصول إلى المدينة ، قضيناها في جمع إجرة السيارة بهدف تسليمها للسائق ، فقمت بدوري بإخراج مبلغ شخصين لدفعها عني وعن الشاب الذي كان برفقتي ، فقد قضينا معاً عدة أيام في إنتظار أن يُفتح الطريق إلى أراضي الدولة الإسلامية قبل أن يتم السماح لنا بالعبور .. رفض صاحبي أن أدفع عنه إجرة السيارة وطلب أن يدفع هو بالمقابل عني وعنه ، وهنا تدخل السائق محاولاً فض النزاع ، فقال (لا تختلفوا، دعوها على حسابي) ، فضحكنا ثم شكرناه ، ثم أجبرت رفيق سفرتي على التنازل والقبول بمبدأ الدفع عنه ، رغم إكثاره من قول :
أنت لست من الموصل ، وأنت ضيف علينا ، وغيرها من العبارات التي توجب على أهل الدار ، كما يقول ، القيام بواجب الضيافة ، لكنه اشترط عليّ للقبول بالدفع نيابة عنه أن اكون ضيفه الليلة ، وأنام عنده في داره ، مؤكداً لي أن عائلته ستكون مسرورة إن حللت عليهم ضيفاً ، فمن عادة العرب عندنا إن حل ضيفاً في بيت حلّت معه البركة ، كما يقال ، لهذا تجد كثير من الناس يتسابقون على إستقبال الضيوف ، ممن يعرفون أو لا يعرفون ، طلباً للفوز بالبركة ..! تذكرت في نفسي ما كان يشاع عن أهل الموصل ، ووصّمهم ظلماً وجوراً بالشح ، فما كان من ذلك الشاب ، وموقف السائق ، وبقية الركاب الذين تعالت أصواتهم طالبين مني أن اكون ضيفاً عليهم يفند كل تلك الإتهامات ، بل إن أحدهم قال لي إنه سيكون ضيفاً عند اقرباء له ، وحبذا لو شاركته ضيافتهم لأنهم سيسعدون بذلك كثيراً .. شكرتهم جميعاً ثم وعدت ذلك الشاب المهندس (حازم) أن اكون ضيفه ، إن قررت المبيت عند أحد .. !
بدأ الركاب في النزول ، حيث طلب أحد الركاب إنزاله في أول مدخل الموصل ، ثم راح يودعنا وكإننا من عائلته ، كانت اربع ساعات ، إن لم تكن قد إقتربت من الخمس ، تلك التي قضيناها في الطريق كفيلة أن تجعل منا عائلة واحدة ، غريب ذلك ، لكن هي ميزة العاطفة التي يمتاز بها قسم كبير من أبناء الرافدين ، فبمجرد أن تستلطف شخصاً ما ، أو تشعر بالراحة إتجاهه ، حتى دون معرفتك به ، فبأمكانك أن تأخذ ملابسه منه حينها إن شئت ، ويكون مستعداً ليقف معك مهما كلف ذلك ، دون أن ينتظر منك شيئاً بالمقابل ، وقد زادت هذه العاطفة في السنوات الأخيرة ، خصوصاً بعدما بات أهل السُنّة والجماعة في العراق يتعرضون للإستهداف من أمم الأرض جميعها ، ويشعرون بإنهم غرباء ، فقربتنا (غربتنا) هذه من بعضنا كثيراً ، وهذا ما لمسته في هذه الساعات التي قضيتها مع أبناء ديني في أول سيارة استقلها بأرض الخلافة الإسلامية !
وصلنا إلى وسط الموصل ، كانت الكهرباء قد قُطعت عن عدة أحياء من تلك التي مررنا بها ، لكن بعضها اُنير بواسطة المولدات الأهلية على ما يبدو ، فقد لاحظت إقتصاداً في عدد المصابيح الخارجية للدور والعمارات ، والحال نفسه ينطبق على مصابيح الشوارع التي قُطعت الكهرباء عن بعضها ، فيما لا تزال الإنارة ترسم لوحة ليلية لشوارع أخرى..! كانت السيارات تملئ الشوارع ، وحركة الناس لا توحي أن هناك برداً يمنع الحركة ، خصوصاً إننا في رأس السنة الميلادية ، ما يعني أن الشتاء الآن يكاد يكون في منتصفه، أو انقضى ثلثه الأول في أقل تقدير ، لكن ، وبكل الأحوال ، هي ليست تلك الحركة التي عُرفت الموصل بها قبل سنين طوال ، يوم كنت أحب ليلها أكثر من نهارها لشدة روعة جماله الناطق ، جمال اُمسيات ملاح ، وليل لا يعرف النوم حتى طلوع الصباح .. !
توقفت السيارة أمام أحد المطاعم الكبرى في وسط الموصل ، لم أكن أدري أين أنا ، فعتمة الليل أضاعت عليّ الطريق والأحياء والمناطق التي أعرف ، كما أن الاحتلال الأميركي والشيعي والكردي قد غير الكثير من ملامح الموصل الحدباء ، وربما فرحة اللقاء بحبيبتي الموصل هي من غيرت في ذهني رسم خارطة المدينة ، حتى ما عدت أدري أفي جانبها الأيمن أنا ، أم الأيسر ! لكن أياً يكن، فليس ذات أهمية وجودي في يمينها أو الشمال ،ما دمت على أرضها المباركة أرض الأنبياء ، أرض الأتقياء ، أرض الصالحين .. أرض المجاهدين !
كنت أول المترجلين من السيارة بحكم جلوسي على مقربة من الباب ، ثم تبعني البقية في النزول ، الجميع كانت عيونهم على الحقائب ، إلا أنا فلقد كنت منشغلاً في النظر صوب تلك البنايات التي تحيط بي ، والتي اُنير بعضها بمصابيح خفيفة، فيما بقي بعضها الآخر منتصباً وسط الظلام ، وليس العيب فيها ، بل العيب والعار على من سرق حقها في الكهرباء ، من شيعة وكرد ، قبل أن يسرقوا حق أهلها في الحياة ! كنت أحمل كاميرتي بيدي ، والتي تحرجت من استخدامها قبل معرفة القوانين ، فلا أعرف أن كان مسموحاً إلتقاط الصور ، أم أن ذلك ممنوعاً في أرض يترصدها القريب والبعيد ، وكنت كل ما وثقته حينذاك بعض الصور في لحظة دخولي أرض الخلافة ، أما اللابتوب فقد وضعتها على كتفي منتظراً أن يأخذ كل مسافر حقيبته لألتقط حقيبة الظهر التي أحملها معي !
أخذ المسافرون يوقفون سيارات الأجرة (التاكسي) ليذهب كل واحد إلى بيته ، ووقفت السيدة التي كانت برفقتنا ، والتي جاءت إلى الموصل دون أن يكون أحد برفقتها ، وأخذت تشير لسيارات التاكسي ، وكلما توقفت سيارة رفض سائقها أن يَقلّها إلى بيتها ، ما دعا بعض المسافرين ، ممن كانوا برفقتنا ، للإقتراب منها سائلين إياها عن سبب رفض أصحاب التاكسيات أن يَقلّوها إلى حيث تريد ، فأكدت إنهم يخشون أن تتم محاسبتهم من قبل مفارز الدولة الإسلامية ، كونهم يقلّون سيدة بِلا مِحْرَمْ معها ، إذ أن ذلك يُعدُّ مخالفة شرعية ، وهو ما دعا أحد الرجال ممن كانت معه سيدتين إلى التطوع بإيصال السيدة إلى دارها ، حيث ستكون برفقة تلك العائلة المكونة من ثلاثة أشخاص ، إمرأتين وذلك الرجل ، وحينها لا خوف عليها من أي شيء ، واستقلت تلك العائلة سيارة تاكسي مصطحبين معهم تلك السيدة ، التي كانت بِلا مِحْرَمْ ، بهدف إيصالها إلى دارها بأمان ، وبلا إحراجات الطريق ! تفرق جميع المسافرين بين هذه التاكسي وتلك ، فيما عداي أنا وصاحبي ، الذي أصرّ أن أرافقه إلى داره للمبيت ، فطلبت منه مهلة بضعة دقائق لأقرر ذلك من عدمه .. استغرب طلبي المهلة أول الأمر، لكنه اكتفى بالقول لي : حسناً، أنا بالإنتظار !
نظرت شمالاً ثم يميناً ، وكنت أبحث عن تواجد للمجاهدين من رجال الدولة الإسلامية على مقربة منّا ، فلقد اقسمت على نفسي أن لا تمر هذه الليلة إلا وأكون برفقة اُسود الجهاد، كي تكون آخر ليلة لي في هذا العام مع المجاهدين ، ويكون أول يوم لي في السنة الجديدة في مضاربهم أيضاً ، بعدما اعتدت أن أقضي مثل هذه الليلة خلال السنوات الماضية متحسراً على ساحة افتقدتها ، بعدما أشار عليّ إخوة الجهاد أن أكون إعلامياً مناصراً ومسانداً لهم من الخارج ، حينما اصبح من النادر أن تجد إعلامياً أو صحفياً ينصف المجاهدين ، أو يقدم لهم مساعدة ، أو دعماً إعلامياً ، أو ينقل عنهم حقيقة ما يجري على الأرض ، فخضعت حينها لذلك الرأي ، مكرهاً غير راغب ، وهاقد حانت ساعة العودة إلى هذه الأرض ، وتقبيل تلك الأيادي والأقدام التي لطالما أغبرت في سبيل نصرة الإسلام ، دين الحق ، هذا الذي يعاديه الروم ، ويحاربه الفرس ، وينكل به اليهود ، ويتجرأ عليه البوذ ! على بُعد قرابة المائة متراً ابصرت سيارة تتبع إلى الشرطة الإسلامية متوقفة في تقاطع يلتقي عنده عدة طرق .. كانت الإشارة الضوئية (الترفكلايت) ، التي تتوسط ذلك التقاطع ، متوقفة بسبب إنقطاع الكهرباء ، ومع أن إنارة المطاعم وبعض البنايات كانت تنير الشارع بإتجاهيه ، إلا أن سيارة (النجدة) التابعة إلى شرطة الدولة الإسلامية كانت تستقر في منطقة شبة مظلمة ، لكني اُبصر بجانبها من بعيد ناراً خفيفة الوهج، فقررت التوجه إلى رجال الشرطة الإسلامية لعلي أجد عندهم مبتغاي !
قلت لصاحبي الموصلّي ، المهندس (حازم) : سأعود إليك بعد قليل .. إنتظرني هنا .. وكان يقف أمام المطعم مباشرة ! ردّ عليّ بإبتسامة خفيفة ، ترافقها علامات إستفهام كانت بادية على وجهه : سانتظرك هنا للصباح ، ولن أذهب بدونك اليوم ! شكرته على كرمه ، وذهبت سيراً على أقدامي بإتجاه دورية الشرطة الإسلامية عند التقاطع ، وحقيبتي على ظهري ، حاملاً بيدي الكاميرا ، فضلاً عن (اللابتوب) المتدلية من كتفي .. كنت أجد خطواتي بطيئة جداً ، فأخذت أحثها وأمدّها ، وكإنني إن تأخرت عنهم فسيسرقهم مني أحد ماوصلتهم وكانوا يجلسون على كراسي ثلاثة ، فيما كان هناك كرسياً شاغراً .. بادرتهم بالسلام ، فخرج في ذلك الوقت رابعهم من السيارة التي كانت متوقفة بجانبهم ، تحت مظلة تحميهم من عيون طيران إيران والغرب والخليج والأردن والمغرب ، وبقية الحلف الستيني الشيطاني، الذي لا يغادر سماء الموصل الصامدة !
رد عليّ الجميع السلام ، وكانوا يجلسون حول (چولة) وضعوا فوقها أبريق شاي ، زاد الفحم الذي يغطيه لذلك الليل سواداً ..  والـ (چولة) هي الصديقة الوفية للعائلة العراقية الفقيرة ، فهي تمثل إحدى أهم أدوات الطبخ والتدفئة في البيت العراقي ، وعادة ما يتم الإعتماد عليها بشكل كلي في البيت ، كونها تعتمد على النفظ الأبيض الذي هو أرخص من بقية أنواع الوقود ، ويمكن تصليحها بسهولة مهما كان حجم أعطالها، لكن المشكلة معها إنها تحول البيت إلى قطعة من السواد ، بفراشه وأثاثه وأمتعته ، بل وحتى الملابس والوجوه والإنوف ، ما يجعل الحاجة مُلحّة إلى أنواع خاصة من المنظفات ، كي يتم التخلص من آثارها التي تخلفها على كل ما يحيط بها ، ومن شدة سوء حالها ، اطلقوا الـ (چولة) كوصف على من يحمل رتبة (نائب ضابط) في الجيش العراقي السابق ، كون صاحب هذه الرتبة معروف بإنه إن لم يجد من (يحرقه) أمام مرؤوسيه ، فإنه يقوم بإحراق نفسه ، وكذا حال الـ (چولة) التي تحرق نفسها وما حولها من شدة الدخان ومخلفاتها الفحمية !
قال أحد رجال الشرطة الإسلامية ، ممن كان يتدفأ على تلك الـ (چولة) : تفضل حياك الله!أجبته : هل لي بسؤال ؟! رد عليّ أحد الرجال الأربعة من خلف لثام كان يضعه ، رغم الظلام الذي كان يغطي المكان: فقط سؤال ! تفضل ، نحن بخدمتك ! إجبته وكإنه نطق جُرماً بحقي : معاذ الله ، بل أنا من يخدمكم يا تيجان الرؤوس ، إنما جئتكم من آخر الأرض ، من الطرف الثاني للعالم ، لأنقل للعالم واكشف له حقيقة ما يشاع ويروج ويفترى به على دولة الخلافة الإسلامية ، وكذلك لأعطر انفاسي بنسيم وجودكم على هذه الأرض ووو… وذكرت له أشياء أخرى أتحفظ عن ذكرها هنا ، فلي في زيارتي مآرب أخرى، فليس كل ما في الجوف يقال !
نهض الرجال الثلاثة ووقفوا على أقدامهم ، فيما إحتضنني الرجل الذي ترجل من دورية الشرطة الإسلامية ، وتناوب الجميع على إحتضاني ومعانقتي ، فيما كنت اُقبّل رأس كل واحد منهم بعد الإنتهاء من المعانقة ، ولو سمحوا لي لقبّلت أقدامهم قبل رؤوسهم، فالشرف كل الشرف في أن يتعفر وجهي بالتراب الذي تطأه قدم مجاهد خرج ليقاتل في سبيل الله ! كاد قلبي ، ومن شدة الفرح ، أن يطير أو يتوقف ، حينما وجدت نفسي وسطهم وهم يحتفون بي على طريقتهم الخاصة !
سألني أحدهم : كيف وصلت إلى هنا يا أخي ؟! قلت : قصة طويلة سأكتب عنها يوماً !! قال : تكتب !! وماذا تعمل بالتحديد يا أخي حياك الله ؟! ذكرت له إنني صحفي وإعلامي..
أجاب : ما شاء الله ! قلت له ولبقية رجال الدورية : أسمعتم بالصحفي حسين المعاضيدي ؟! صمت الجميع ، وكإنهم يحاولون إستذكار الاسم ، فسارع أحدهم للقول : أعرف حسين المعاضيدي الذي يكتب في المنتديات الجهادية ، فلقد كنت أحرص على القراءة له منذ زمن ما قبل الفتح ! وكان يقصد بزمن الفتح،  وقت تحرير مدينة الرماح ، الموصل الحدباء ، من سيطرة الشيعة والكُرد ! فقلت له ، ولبقية زملائه من رجال دولة الخلافة : وهاقد أتاكم كاتب المنتديات الجهادية بنفسه إلى ساحة جهادكم ! فأخذ ذلك الرجل الذي عرفني ، يكبر الله وحمل بندقيته ، التي كان يركنها على حافة الكرسي ، بيد واحدة ، وانطلق إلى حافة الشارع الثاني ، بجوار عمود الإشارة الضوئية ، بعدما قطع الشارع الأول بخطوتين ، وهو ينادي باعلى صوته : باقية .. باقية.. دولة الإسلام باقية ! ثم اعقبها بالتكبير ثلاثاً : الله اكبر .. الله اكبر .. الله اكبر
في هذا الوقت إنشغل بقية الرجال الثلاثة في إعادة إحتضاني من جديد ، بعدما علموا مهنتي الصحفية ، ونصرتي لهم منذ أمد بعيد ، ووصولي إلى أرض الخلافة .. ثم عاد ذلك المجاهد ليحتضنني ، وكإني أخ له انقطعت عنه أخباره منذ قرون ، والآن قد عاد ، وهو ما أحسسته بداخلي نحوه ! كانت الدموع تنهال من عيناي بغزارة دون أن يلحظوا ذلك بسبب ضعف إنارة المكان .. تمنيت حينها لو إنني ما وافقتهم يوماً واطعتهم على الخروج من ميدان الجهاد ، ولبقيت في سوح الوغى ، فمرارة ذلك لا يعرفها إلا من فقد لذة الجهاد ، حتى وإن كان بمهمة إعلامية مفروضة عليه .. !
تمنيت في تلك اللحظات لو إنهم تركوني وانفضّوا من حولي لأبكي بصوت عالِ وحرقة كبيرة .!  احسوا بدموعي ، وقالوا لي كفكف دموعك قد وصلتنا ، فقلت لهم إنما هي دموع الفرح، مع إنها قبل أن تكون دموع الفرح إنما كانت دموع الحرقة على ما فات ! قلت : سأستأذنكم الأن ، ثم أعود إليكم بعد قليل ! قالوا لي : إلى أين يا حاج ؟! قل لنا ونحن نأتيك بما تريد ..!! أجبتهم : لي رفيق سفر ، موصلّي ، طلب مني أن أكون ضيفه الليلة ، إن لم أجد مكاناً لي ، وسأذهب إليه لأعتذر عن مرافقته ، بعدما وجدت مكاني الذي كنت أبحث عنه منذ سنين ! سألوني : هل دفعت إجرة التاكسي أم لا ؟! استفهمت منهم عن الغاية من السؤال فأجابوني : كي ندفعها نيابة عنك ! توقفت ، وقبل أن اُجيبهم قلت في نفسي ، يا الله ، أي حال هذا الذي أنا فيه ، حُسن اُستقبال ، وفيض كرم ، وحميمية لقاء ، وعذوبة لسان ! أجبتهم :
وعشرة نعم منكم يا أحبتي ، قلتها هكذا بصيغتها العراقية المعهودة ، ثم أضفت عليها : جزاكم ربي الجنان على عظيم كرمكم ، لقد دفعت الإجرة ، ومعي ما يكفي من المال ، يا رعاكم الله ! ثم عدت راكضاً جهة صاحبي ، (ابن الموصل) ، بعدما وضعت حقيبتي وكاميرتي وحاسوبي (اللابتوب) بجوار الكراسي التي كان يجلس عليها رجال الدولة الإسلامية الاربعة ، وقبل أن أصل إليه قابلني ، صاحبي الموصلّي، في منتصف الطريق ، بعدما ترك حقيبته في الطرف الآخر من الشارع ، وبادرني بالسؤال قبل أن أصل إليه بخطوات : طمني ، ماذا يجري ، هل من مشكلة ؟!
وكان يستغرب ذهابي إلى دورية الشرطة الإسلامية ، وقرأت في عينيه الكثير من التساؤلات .. فقلت له : أشكر لك كرمك وما غمرتني به من طيب ، وأعتذر منك لإنني لن استطيع مرافقتك ، فلقد وجدت ضالتي التي جئت أبحث عنها من مسافة آلاف الكيلومترات ، فلقد وصلت إلى أهلي هنا ! كان ينظر إليّ وهو يحاول فهم الموضوع ، وما أن أتيت على ذكر وصولي لأهلي حتى رفع عينيه بإتجاه رجال الدولة الإسلامية ، الذين كانوا على مسافة خلفي ، وأخذ يهزُّ رأسه ، تعبيراً عن فهمه للموضوع .. وبغض النظر عما فهمه من صيغة كلامي ، أجابني وهو يشبك ذراعيه حولي محتضناً إياي ومودعاً : نصركم الله ! ثم أضاف عليها : أتمنى أن التقيك يوماً .. فأجبته على الفور : اسمي (حسين المعاضيدي) ، إبحث عني على الإنترنت وستجدني ، إن شاء الله تعالى .. في رعاية الله ، وليحفظك ربي ، ثم غادرني ، فيما قفلّتُ راجعاً بسرعة إلى حيث تواجد رجال دورية الشرطة الإسلامية !
قبل أن أجلس على الكرسي الذي دعوني للجلوس عليه ، طلبت منهم إفساح المجال لي لتأدية سجدة شكر وحمدٍ لله على ما أنعم به عليّ ، وحينما سجدت ، سمعت أحد رجال الدولة الإسلامية وهو يبكي ، ومع إنني لم اسأله عن سبب بكائه ، لكنني شعرت بشدة فرحه بوجودي بينهم ، مع إنني كنت حينها أكثر أهل الأرض والسماء فرحاً بوجودي بينهم هناك ! كنت حينذاك أشعر إنني كطفل حصل من أبيه على نقود في صبيحة العيد ، إختلطت دموعي بضحكاتي ، قلبي يكاد يخرج من بين أضلعي ، وكإنني ولأول مرة أرى مجاهدين في سبيل الله ، مع إنني عملت بمعيتهم ردحاً طويلاً من الزمن، لكنه ربما الشوق الذي طفح بي كيله إلى تلك الوجوه الباسمة التي افتقدتها كل هذه السنين !
جلست على أحد الكراسي الأربعة ، فيما بقي الجميع في حالة وقوف ، وأخذ آمر الدورية ينادي بالجهاز إلى جهة أخرى ، مُبلغاً إياهم أن الصحفي والإعلامي حسين المعاضيدي جاءهم من أوربا ، وأخذ يسألهم عن الإجراءات المتبعة في إستقبال المهاجرين والمناصرين والصحفيين ، فجاءه الرد ، على مسامعي ، بالترحيب بي أولاً ، ثم طلب التأني حتى يتم الإتصال بمن يعنيهم الأمر ، وانتهى الإتصال عند هذا الحد ! بعدها إجتمع الأربعة حولي ، وبدأت الأسئلة تنهال عليّ ، وكانت جميعها عن الصحافة والإعلام والتصوير والإصدارات ، وكيفية وصولي ، والعقبات التي واجهتها والكثير من الأسئلة التي قضيت قرابة النصف ساعة وأنا أحاول تلخيص إجاباتها !
قلت لهم ، دعوني أقول لكم شيئاً ، العالم كله منشغل بفتوحاتكم ، وغير مصدق ما يجري من إنتصارات كاسحة على أيديكم ، رغم ضخامة عدة وعدد العدو وكثرة تحالفاته ، وحق لكم أن تفخروا بذلك ، وحق لنا أن نفخر بكم، واعلموا أن جميع المسلمين الموحدين في العالم إنما انظارهم شاخصة نحوكم ، ويترقبوا بشغف أنباء انتصاراتكم وفتوحاتكم ليثلجوا بها صدورهم ويغيضوا ببشائرها أعدائهم وأعدائكم ! رد عليّ أحد المجاهدين الأربعة ، وكان شاباً في منتصف العشرينات ، نفر من البصرة الفيحاء بإتجاه الموصل الحدباء ، في أعقاب الفتح المبارك ، يوم تم سحل الجيش الشيعي والبيشمركة الكُردية على أيدي اُسود الإسلام ، لينضم هذا الشاب من الجنوب إلى خندق مجاهدي الشمال .. قال لي : والله إننا نلقنهم هنا كل يوم دروساً في فن الحرب ، ولو تراهم كيف يهربون من أمامنا كالجرذان حين إشتداد المعارك وتعاقب الصولات لعرفت كيف أن الله معنا ، وهو عضيدنا وناصرنا !
ثم دخل على خط الحديث رجل ، يقترب من الخمسين عاماً ، كان يضع بندقيته في رقبته حتى وهو جالس على الكرسي ، فأضاف على كلام زميله : اُنظر ، أنا في عقدي الخامس، واسكن مدينة تلعفر ، وقبل أسابيع قُتل أخي في إحدى المعارك مع البيشمركة بعد قصف الطيران الأميركي له ، وفي رقبتي الآن سبعة عشر شخصاً ، أمي وأبي ، وعائلة أخي المقتول ، وزوجتي وأطفالي ، تركتهم والله بلا معيل ، وقد تركت لهم الله ، فوالله لن أخذل ديني ، ولن أخذل اُمتي ! كان يتحدث وقشعريرة تنتاب كل جسدي سببها ضآلة ما أنا فيه ، وضحالة ما أقدمه من نُصرة إعلامية مقابل ما قدمه ويقدمها أمثال ذلك المجاهد الخمسيني الذي تميزت شخصيته بالبساطة ودماثة الخلق والنبل الرفيع ، إلى جانب بركان القوة الذي يغلي مرجله بداخله !
كنت استمع إليهم وكإنني في حلم ، بل وكإن الملائكة هي من تحفني وتحيط بي وتحادثني وليس آدميين من جنس البشر .. تحول ذاك البرد الليلي ، الذي كان ينتابني أول نزولي من السيارة ، إلى حرارة يكاد يحترق منها قلبي الأن وأضلعي التي تحيطه كسوار حول معصم ! قال لي جليس ثالث ، وهو مجاهد من أحد أحياء مدينة الموصل : نعم نحن شرطة إسلامية ، ولكننا بنفس الوقت نقاتل في مختلف الجبهات ، هل تصدق إننا من حرر جبل سنجار ، فقد قامت الشرطة الإسلامية بصولة على الجبل وحررناه في ظرف ساعات ، بمعونة من الله ، ولو رأيت كيف يهرب من نجا من البيشمركة من أمامنا لعرفت كيف أن جيشاً سماوياً ربانياً يشارك في القتال إلى جانبنا ! ثم أضاف مجاهد آخر ، هو من أبناء الموصل أيضاً ، كان يجلس بجانبي :
لا توجد عندنا شرطة إسلامية ثابتة ، حيث يتم إستبدالنا بإستمرار ، لإن الجميع يريد المشاركة في المعارك وفي الفتوحات ، وفي الدفاع عن حدود دولة الخلافة ، فرغم أهمية وجودنا في الشرطة الإسلامية لكن شوقنا للمعارك يبقى أكبر ! أراد أحد المجاهدين أن يصب لي الشاي ، فتذكرت إنني لا زلت على صيامي ، ولم اُفطر بعد ، رغم غياب الشمس قبل ساعات ، فطلبت منهم الماء لاُفطر ، فتفاجئوا من تأخر إفطاري ، فما شعرت إلا بأحد المجاهدين وقد إندفع راكضاً بإتجاه المطعم الذي توقفنا قبالته بسيارة الأجرة التي كنا نستقلها أول الأمر ، ليحضر لي فطوراً من ذلك المطعم دون أن يخبرني حتى بنيته هذه ، فيما سارع مجاهد آخر لتقديم الماء لي في قدح بلاستيكي متوسط الحجم .. كنا نجتمع حول تلك الـ(چولة)التي بالكاد تُدفئ نفسها من ضعف نارها ، واشحت بنظري صوب تلة كبيرة تنتصب بجانبنا ، غطى الظلام على كثير من تفاصيلها، قلت لهم :
أوليست هذه التلة التي يقال عنها إنها للنبي النبي يونس عليه السلام ، فاكدوا لي صدق توقعي ، وكيف لا أعرف هذه التلة التي لطالما زرتها واطلعت بنفسي على ما كان يجري فيها من شرك وطواف حول قبر زعموا إنه مرقد للنبي يونس، عليه السلام ، مع أنه قبر لقسٍ نصراني ، دُفن في كنيسة اُقيم على انقاضها جامع ، إدّعى القائمون عليه ، زوراً وكذباً ، إنه بُنيَ فوق قبر النبي يونس عليه السلام ، فأخبرت أولئك المجاهدين بقصة ذلك المقال ، الذي كتبته موضحاً فيه ملابسات هذا المزار ، وشرحت فيه حقيقة من يسكن هذا القبر ، ومشاهداتي لما كان يجري فيه قبل الاحتلال ، وحتى بعد سنوات الاحتلال يوم كنت دائم الزيارة والتواجد في مدينة الموصل الأبية ، بحكم تجوالي الإعلامي وقتذاك .. وأضع هنا رابطاً للمقال الذي وضعت فيه بعض النقاط على بعض الحروف، حول حقيقة هذا القبر، وصواب فعل الدولة الإسلامية بإقدامها على إزالته من الوجود توحيداً لله،  وحفظاً للعقيدة السليمة من الزلل والزيغ والإنحراف ، بعد القدرة والتمكين : https://justpaste.it/k1f8
 وفجأة جاء لرجال الدولة الإسلامية الذين كنت اُجالسهم اتصال يعلن فيه المتصل عبر جهاز اللاسلكي (الراديو) حالة النفير ، والإستعداد لموقعة قادمة ، فتقافزت الاُسود الثلاثة التي كانت بقربي ، وكل ذهب مسرعاً إلى جهة آخذين في جمع أغراضهم وحاجياتهم وهم يتباشرون .. ! لم أفهم الأمر ، فما الذي جرى ، أو يجري حولي ، سألتهم : ما الذي يحدث يا إخوة ؟! قال لي الرجل (العفري) ، كما يسمى أبناء تلعفر ، والذي كان يتحرك في حماسة لم أرَ مثلها قبل ساعتي تلك :
نفير نفير ! تساءلت : وماذا يعني ذلك ، خبّرني بالله عليك ؟! سابقه بالإجابة مجاهد آخر ، سبقه في جمع أغراضه : ستكون هناك صولة على ملاحدة البيشمركة هذه الليلة ونحن سنشارك فيها ، قالها وكإنه كان ينتظرها بفارغ الصبر منذ سنين وعلى أحرِّ من الجمر ، مع إنه أكد تواصل الملاحم والصولات التي يشارك فيها ضدهم وبشكل يومي !
عاد ذاك الشاب المجاهد ، ابن نينوى ، من المطعم الذي قصده ليأتيني بالفطور وهو يعدو مسرعاً ، ولا أعرف كيف علم بأمر الصولة وهو هناك ، ربما من جهاز اللاسلكي الذي كان يحمل واحداً منه هو الآخر !
قال لي : يا حبيب : هذا فطورك واعذرنا من التقصير .. ! كانت رائحة الكباب العراقي تفوح من الكيس النايلوني الذي خلّفت فيه حرارة الخبز أثراً ، وضعتُ الكيس الذي يحوي طعام فطوري على الكرسي ، ولم أتمكن حتى من شكرهم على كرمهم وطيبهم وحفاوتهم بي من فرط فرحتهم بذهابهم إلى موقعة جديدة .. فواصلت اسئلتي لهم ، وسط الإرتباك الذي كنت فيه أنا ، لا هم : متى سيكون نفيركم إلى المعركة ؟! أجابني من أحضر طعام الإفطار : الآن ، وسنكون بإنتظار سيارة خاصة تُقلنا إلى حيث بقية المجاهدين .. ثم أضاف أمير المجموعة ، الذي كان أول من انهى إستعداده للذهاب : كم نتمنى لو إنك ترافقنا ، فتشارك في معاركنا مع أول وصولك ، وتصوّر بكاميرتك هذه هزائم البيشمركة والمرتدين .. !
ابديت له إستعدادي للمشاركة والذهاب برفقتهم في معركتهم هذه وتصوير وقائعها ، لكنه ابلغني أن الأمير لن يقبل بهذا قبل الحصول على الموافقات الخاصة ، حفاظاً عليك  وحماية لك ، كما قال ! خاب مسعاي ، وذهبت محاولاتي أدراج الرياح ، لكني أتفهم موقفهم ، فمثل هذه الأمور لا تأتي على هذه الشاكلة ، فلقد عملت سنيناً في هذه المهمة الصحفية الجهادية ، واُدرك تماماً أن القيام بها يتطلب الكثير قبل الوصول إلى نيل هذا الشرف العظيم !
لم يتطلب الأمر أكثر من دقائق لتصل السيارة التي جاءت لتقلهم ، وقبل وصولها استقبلها الليوث مسرعين ، وما هي سوى لحظات حتى اصبحوا بداخلها ، وحتى قبل أن تتوقف من شدة لهفتهم على المشاركة في الصولة على جموع البيشمركة الكردية .. !  بقيت متسمراً في مكاني ، منذهلاً من هول ما أراه من همة وتسابق على المعارك ، مع أن أحدهم يدرك تماماً إنها ربما ستكون معركته الأخيرة قبل أن يلتحق بمن سبقه ممن رووا بدمائهم الزكية الطاهرة أرض الرافدين والشام الأبيتين ، وسائر بقاع الجهاد .. !
تحركت السيارة قليلاً ثم عادت لتتوقف ، حيث قفز منها ثانية أمير المجموعة ، الذي جاءني هرولة ، بعدما كان قد صعد على متنها ، فقال لي : يا حاج ، تستطيع إنتظار الإخوة الذين سيأتون إليك هنا كي يصطحبونك إلى مكان آخر، وإن شعرت بالبرد فإجلس في السيارة هذه ، ولا تنسانا بالدعاء ، ثم احتضنني قبل أن يعود مسرعاً إلى السيارة التي أرتقى على ظهرها كما يرتقي الفارس فرسه .. !
نظرت حولي ، بعدما غادروا ، تجمدت ، كتمثال أبي الهول ، لدقائق في مكاني دون حراك ، ثم تقدمت خطوات بإتجاه سيارة الشرطة الإسلامية التابعة لدولة الخلافة ، كنت اتصرف بلا وعي ، فتحت الباب ، دخلتها ، جلست خلف المقود ، كان مفتاحها فيها ، أدرت المفتاح ، وسرعان ما دار المحرك ، أنرت مصابيحها الأمامية ، دقيقة مضت حتى عدت لأطفئ المحرك والأنوار معه ، أرجعت المقعد إلى الخلف قليلاً ، إتكأت عليه بقوة ، ثم أرخيت نفسي ، واغمضت عيني ، ثم هذيت بكلام أتذكر منه : ياااااااه أين كنت ، وأين أصبحت .. يا الله ، أين أنا !!!
فأجهشت بالبكاء ، مستغلاً خلو المكان إلا مني ومن سيارة شرطة دولة الخلافة الإسلامية ، لم أعلم سبباً مباشراً لنوبة البكاء الحادة والغريبة التي اجتاحتني لحظتها ، ولا سبباً مقنعاً لتلك الدموع الغزيرة التي لم اُكلف نفسي حتى عناء تجفيفها عن خدايّ وقتها، لكنني متيقن من شيء واحد فقط
وهو إنها ما كانت لتكون ، ولن تكون أبداً ، دموع الندم ! . ا.هـ
__

الحلقة الرابعة ؛.

__

لأكثر من ساعتين وأنا أجلس خلف مقود سيارة الشرطة التابعة للدولة الإسلامية في ذلك التقاطع، الذي تنير بعض من جوانبه بقايا المحال التجارية، التي ما تزال مُشرعة الأبواب بوجه زبائنها، وأبرزها تلك المطاعم المتجاورة، والتي تستعين بمولدات كهربائية للحصول على إنارتها، إذ لا يزال التيار الكهربائي منقطعاً عن المنطقة بأسرها..!
لم أكن اشأ الخروج من السيارة التي تمنيت لو إنها كانت قبراً لي يضمني إلى آخر يوم تقوم فيه الساعة، فما أجمل أن يكون قبرك في سيارة تحمل تلك الراية التي لطالما حلمنا بأن تعلو فوق هاماتنا، وترفرف خفاقة على كل رابية، ويزين بها كل ملبس، ويزدان بها كل مكتب، ويزهو بها كل دار، راية الحق، راية لا إله إلا الله، التي ومن فرط حبي لها قبّلتُها وهي على سيارة الدولة الإسلامية مرات ومرات !
طال إنتظاري، ولم يصلني أحد من المجاهدين ليصطحبني إلى مكان آخر، مع إنني تمنيت أن لا أغادر هذا المكان ولا أبرحه، فأي عزّ ذاك أن تكون رجل أمن (حقيقي)، تسهر على حماية أمن رعايا الخلافة، وتحفظ مصالحهم، وتكون خادماً لأصغر طفل رضيع فيهم، وترعى أمورهم وشؤونهم، إنها تالله لغاية كل مجاهد، وهي لعمري الهدف لكل من حمل السلاح مجاهداً في سبيل الله، إقامة شرع الله، وحفظ مصالح العباد..!
علمت أن التأخير إنما كان بدافع شدة المعارك التي يخوضها رجال الخلافة على أكثر من جبهة وقاطع، وفي الحرب، وحينما يحمى الوطيس، فلا لوم على من نسي، أو إنشغل، أو تأخر، ولا أشد من وطيسها اليوم، ورجال الدولة الإسلامية يخوضون حرباً هي الأعنف على مرّ العصور، فحتى الحربين العالميتين الأولى والثانية التي كانت الأشد ضراوة على مرّ التاريخ كان فيها معسكرين شبه متساويين، وكان لكل منهما، سواء معسكر الحلفاء، أو معسكر المحور، ملايين الجنود، وترسانة ضخمة من الأسلحة بمختلف أنواعها وأحجامها، وآليات مدرعة وطائرات وغواصات وبارجات، ولكل طرف ماكينته الإعلامية الدعائية الضخمة، وموارده الإقتصادية التي لا حدود لها، ولم يكن هناك توقع لهوية المنتصر فيها حتى اللحظات الأخيرة، في حين أن دولة الخلافة الإسلامية اليوم يخوض العالم كله ضدها حرباً ظالمة شعواء شرسة، لا عدل فيها ولا إنصاف، خندق باطل يملك العالم بأسره، بإعلامه، وبأمواله، وبإقتصادياته، وببتروله، وبأسلحته (المحللة) منها و(المحرمة)، وبآلاف القنوات والإذاعات والصحف والمجلات والمؤسسات الإعلامية التي لو وجهت نحو اعتى إمبراطورية على وجه الكون لأنهارت في يومها وليلتها، بلا إطلاق رصاصة واحدة نحوها، خندق تمترس فيه أقوى جيوش الكون وحشية ضد دولة وليدة، دولة لو لم يكن الله معها لما بقيت يوماً واحداً قبالة هذا الكم الهائل من الحشد الشيعي الرافضي، والكردي القومي، والسُني المرتد، والليبرالي الملحد، والشيوعي الحاقد، والصليبي الغازي، واليهودي المحتل، والعربي الغاشم، وغيرهم من حثالات الأرض ولملومها.. وأمام كل هذا، كيف لا اُعطيهم العذر إن نسوا الحضور إليّ، أو خانتهم ظروف المعارك..!
لكن ما قفز إلى ذهني شيء واحد، كيف يتركوا سيارة النجدة التابعة للشرطة الإسلامية ويغادروا هكذا، دون أن يبقى فيها ولو عنصراً واحداً ليحميها، بل ويتم ترك مفتاحها فيها، أهو الأهمال، أم إنه منطق (عدلت فآمنت فنمت)، مع إنهم لا يعرفون للنوم طعماً !؟ كان هذا التساؤل هو نقطة التحول في رحلتي تلك، والتي لم اُخطط أين ستكون نهايتها بدقة، بل تركت الحبل على غاربه، وتركت الله يُقّدر لي ما يشاء في رحلة أردت من خلالها إستكشافاً لداخل دولة اشغلت العالم بأسره، رعباً وخوفاً لمن حاربها وعاداها، وحباً وطمعاً لمن رغب في الهجرة إليها والعيش في كنفها!
لا أعلم لماذا كل ما خزنته من أفكار، وكل ما خططت له وأنا ادخل اراضي الدولة الإسلامية قد تغير، ليس في ليلة وضحاها، بل في دقيقة وثوانيها، فهذا المشهد الذي مرّ بي، من طريقة إستقبال رجال الدولة الإسلامية لي، ثم تركهم لي لوحدي في سيارة شرطة النجدة، وثقتهم بي لهذه الدرجة، حتى وأن عرفوا إنني صاحب القلم الذي لم يخذلهم يوماً، ولم يتقاعس عن نصرتهم أينما كان على سطح هذه البسيطة، بفضل الله تعالى، فالمتصيدين في الماء العكر كُثر، ومن أرتموا في أحضان مخابرات الشرق والغرب اغلبهم من الصحفيين، أبناء مهنتي، وأنا ابن هذه المهنة التي أعرف كل طرقها الملتوية، وأساليبها المنحرفة، ودسائسها الخبيثة، وكواليسها المهلكة، حتى بات البحث عن قلم حر شريف ينطق بالحق، كالباحث عن إبرة في كومة قش، أو كمن يطلب من حفاة جمع دقيق فوق شوك يوم ريح تم نثره، بعدما بات الإعلام، هذا الذي ما وجد إلا لخدمة الإنسانية، هو عصب الحرب اللا إخلاقية، ووسيلتها القذرة، وسلاحها الخسيس الفتاك لمحاربة كل قيم الإنسانية، حتى إنني، وفي كثير من الأحيان، أشعر بالخجل، وبالعار، وبالدونية، لإن هناك من يطلق عليّ لقب صحافي وإعلامي، لإن الاسم يشعرني بالإرتزاق عبر النخاسة، أياً كانت تقواي، وبالعهر، مهما امتلكت من الشرف، وبالخسة، بغض النظر عن صدق إيماني بقضيتي، لكني، وأعترف على الملأ إنني اليوم استخدم سلاحي (القلم) كسوط أجلد به نفسي أولاً، لتقصيري الكبير في دعم كل مجاهد على سطح هذه الأرض 
رفع السلاح رداً ودفعاً للظلم، ودفاعاً عن النفس وعن الأرض والعرض، وقبل هذا وذاك دفاعاً عن الدين، وبعد جلد النفس أقوم بجلد زملائي ورفاق مهنتي، ممن تخاذلوا عن نصرة الحق، وانحازوا إلى الباطل من أجل حفنة بخيسة من الدولارات والدراهم والدنانير والتومانات الملطخة بدماء كل من سُفك دمه ظلماً وعدواناً على ظهر هذه الأرض التي نعيش عليها، وأبرزها أرض الرافدين والشام التي (أبدع) زملاء مهنتي من الصحافيين والإعلاميين في دعم خندق الإجرام فيها، خندق (إيران وأميركا)، وبكل ما أتوا من بلاغة شيطانية، وحبر رخيص، وأقلام مأجورة، وكاميرات تبصر بعين أعور دجال، فتجعل من أميركا، وحليفتها القديمة الجديدة إيران، معسكراً للخير والطهر والعفاف والنقاء، وتشيطن خندق الحق وتهجوه وتطعنه وتصفه بالنفاق والرياء والبغاء، فما أخس مهنتي، بعدما اصبحت مرتعاً للمتعطشين للسحت الحرام، وملاذاً للناعقين في كل محفل بلا عقل ولا فؤاد، وبؤرة للمنبطحين المتعطشين للذل والخنوع وذل السؤال، ووكراً للكاذبين بلا رقيب أو سلطان، والحق أقول إنني يوماً وحينما مُنعت من قبل حكومة العراق من الكتابة والتطرق إلى أمور السياسة وشؤون الناس قبل سنوات الاحتلال، إضطررت لدخول عالم الصحافة الفنية والرياضية، فوجدت في عالم الفن ما يشيب له الطفل الرضيع من العهر، والفجور، والوضاعة، والنذالة، وقلة الحياء، وإنعدام الأخلاق، حتى كانوا كرافضة اليوم، لا يعرف أحدهم أمه من أباه، لكني وحينما أقارن عالم الفن هذا بعالم الإعلام، أجده لا يمثل شيئاً بالمطلق أمام قذارة الصحافة وسخف الإعلام الذي عملت ولا أزال أعمل في وسطه اليوم، وأهل الفن على رخص كثير منهم، إلا إنهم كحجر الماس أمام أكبر صحفي وإعلامي من أبناء مهنتي ممن نذر نفسه للشيطان! 
اشغلني موضوع الأهمال، أو الثقة الزائدة من قبل المجاهدين بالشارع وما يحويه، حينما تركوا دورية النجدة هكذا بلا حارس أمن، فهناك شيء لا أفهمه، ويجب عليّ الوقوف عليه.. آنذاك كان طيران الحلف (الغربي – العربي – الإيراني) يحوم في سماء الموصل، حتى إنني شعرت إنني في حضرة مطار المقبور (أتاتورك)، من غزارة الطائرات التي لا أراها في سماء مدلهمة غادرها البدر، والتي يهرب كثير منها بعدما تتعرض لنيران المضادات الأرضية، التي لا أعرف من أين تنطلق بإتجاه السماء، فسرعان ما تتلاشى وتهرب تلك الغربان، كما تفر الشياطين بحضور الملائكة، الملائكة التي والله أراها تقاتل مع ثلة قليلة العدد ليس لها أن تنتصر، لولا وجود جيش رباني ملائكي يقاتل إلى جانبها، وإلا كيف لمائة مقاتل ونيف أن يحرروا مدينة عظيمة المساحة، كان الوجود الشيعي والكردي فيها، عسكرياً ومليشياوياً، على أشده، كالموصل الحدباء، لولا عناية الرحمن وقتال ملائكته إلى جانب جنده.. وكيف لثلة صابرة، مؤمنة، لا تتعدى عشرات المجاهدين، أن تسطر أروع الملاحم في تأريخ الحروب في تكريت أمام عشرات الألوف، فتقهر جيش الحشد الشيعي (جحش) ومن خلفه جيوش من المرتزقة، فلا يكون دخولهم إلى جزء من تكريت إلا بمعونة طيران (شيطانهم الأكبر)، الذي بات اليوم (ربهم الأعرى) من دون الله سبحانه وتعالى..!
وبين التردد في البقاء في دورية الشرطة وبين الذهاب لمكان آخر، في ليل كاد ان ينقضي نصفه الأول، قررت التوجه إلى المطعم الذي كان على مقربة من المكان، خصوصاً بعدما تغيرت بوصلة توجهي بعد ذاك الموقف، الذي رسم الكثير من الإستفهامات في ذهني حول شدة (الأهمال)، أو (الأمان) الذي إختلط عليّ أمر حابلهما بنابلهما في تلك اللحظة، ورأيت أنه لابد أن أبدأ رحلتي من الوقوف على أول (عثرة) أتعثر بها، أو (حسنة) أتفاخر بها في أرض الخلافة، والمتمثلة بترك سيارة في وسط الطريق، ومفاتيحها فيها، وصحفي بالكاد يعرفوه من كتابات مناصرة هنا وهناك، فالوقوف على دلالات هذا الموقف قد يرسم لي ملامح هذه الدولة ومدى جديتها في البقاء، ومدى حرصها على أموال المسلمين، خصوصاً أن مؤسسات الدولة الإسلامية كثيراً ما تردد هذه العبارة (أموال المسلمين) ويقيناً أن السيارة هذه، المرمية على قارعة الطريق، هي من أموال المسلمين، فكيف يستقيم حال المحافظة على (أموال المسلمين) وهي بلا راعٍ يرعاها، ولا عناصر أمن يحافظون على أمن ومصالح العباد فيها، حتى وإن كانت المعركة هي السبب في هذا الأهمال، إن كان إهمالاً بالفعل، فجبهة الداخل ليس بأقل أهمية من جبهات حدود دولة الخلافة الإسلامية، فالمحافظة على مصالح الناس ورعاية أمورهم، حتى بإحتدام القتال على الجبهات، هو من يزرع الثقة بين رعايا الخلافة وبين دولتهم، بل وبين رعايا الدولة وبين خليفتهم نفسه!
حملت حقيبتي على ظهري ثانية، وبيدي جهاز اللابتوب وكاميرتي، فضلاً عن طعام فطوري الذي احضره لي رجال الشرطة الإسلامية قبل ذهابهم إلى المعركة التي تسابقوا على الإلتحاق بها واتجهت نحو المطعم.. استئذنت منهم أولاً الجلوس في المطعم لتناول طعامي الذي كان بيدي، مؤكداً لهم أن مطعمهم هو مصدر طعامي تفادياً للأحراج، كوني لم اشترِ منهم الطعام بنفسي، فرد عليّ من كان يجلس خلف طاولة الحساب: حتى وإن لم يكن الطعام من مطعمنا فمرحباً بك يا أخي، وأن لم تكفك الأرض وضعناك على رؤوسنا، فشكرت له عظيم كرمه، وهو ليس بغريب على أبناء نينوى!
وضعت حقيبتي بجانب إحدى الطاولات، وكان عدد الزبائن لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، فالوقت بات متاخراً، وطيران العدو يحوم كخفافيش الليل ووطاويطها في سماء المدينة، والكل يخشى القصف والإستهداف لطائرات لا تفرق بين المدنيين والمجاهدين، فهي تنظر إلى كل من سكن الموصل إنما هو عدواً لها ومستباح الدم، تماماً كما ينظرون إليه إنه مستباح العرض والمال! سألتهم عن أماكن المغاسل، حيث رغبت في غسل يداي ووجهي، فهناك الكثير من التعب على محياي، والذي نسيته، أو تناسيته في زحمة الأحداث المبهجة والمفرحة، والغريبة التي مررت بها حتى تلكم اللحظة، أشاروا لي إلى زاوية المغاسل، ذهبت إليها، فتحت ماء الحنفية، وبدأت أغسل في يداي، رفعت عيناي إلى المرآة، وجدتهما كقطعتي لحم نيئة من شدة إحمرارهما، تذكرت عدم سيطرتي على دموع عيناي في مواطن كثيرة من شدة تأثري بالمواقف، وقبل أن أغسل وجهي ومعه عيناي شرد ذهني وأخذت أفكر في شريط من الأحداث، فشعرت كإنني في حلم، وإنني ما أن أضع الماء على وجهي سأستفيق، فأجد نفسي في فراشي بأقصى شمال الكرة الأرضية حيث كنت، حينها ترددت من غسل وجهي خشية أن أستفيق من ذلك الحلم الوردي، حلم الخلافة، الذي لطالما عشته خيالاً ووهماً في ليالي لم أذق فيها طعم النوم، نعم هكذا كانت أحلامي، تأتيني وتراودني في صحوي قبل منامي..!
وأنا غارق في أفكاري تلك، مرّ بجانبي فتىً، يحمل مكنسة ينظف فيها أرض المغاسل، إلتفت إليّ مستغرباً سكوني وصمتي وتجهم وجهي في المرآة، فسارعت لسؤاله:
أين انا؟! رد عليّ، وإبتسامة إستغراب تعلو وجهه الصغير: بالموصل أنت عمي! فضاعفت السؤال إلى سؤالين: وفي أي منطقة من الموصل؟! فأجابني وهو يمسح الأرض وعيونه صوبي: هاي منطقة النبي يونس! قلت لنفسي، وعيوني بإتجاه المرآة، وموجهة نحو ذلك الصبي الذي كان على مقربة مني: نعم إنها الموصل، وكيف لا تكون الموصل، وكيف لا تكون منطقة النبي يونس وأنا الذي زرتها مراراً وتكراراً.. ثم بدأت في غسل وجهي، حيث تبدد الخوف كله بعد أول رشقة ماء خشيت للحظة أن اقضي بها على حلمي، فأستفيق على الثلوج وغابات أوربا من حولي!
عدت إلى طاولتي ففوجئت بإنها قد فُرشت بالكثير من المقبلات، وقناني الماء، مع إنني لم اطلب شيئاً، وكيف لي أن أطلب وفي الكيس الذي معي فطور يكفي لأشخاص، وليس لشخص واحد، فأشرت إلى الرجل الذي يجلس خلف طاولة الحساب لأبلغه بسوء الفهم الذي حصل، لكنه وكما يبدو عليه، قد قرأ افكاري، وفسر نظراتي، قبل أن ينطق لساني، قائلاً لي: تناول طعامك حجي، بالعافية، وهذه المقبلات على حساب المطعم! ما أكرمكم يا ابناء الموصل، وددت لحظتها أن اُنظّم قصيدة هجاء بحق كل من يتهمكم بالحرص أو بالبخل، فوالله إني لم أجد اكرم، ولم أرَ من هم أكثر طيباً منكم يا أبناء نينوى الأبية..!
شكرت له كرمه، وطيبه الذي ليس بغريب على أهل مدينة عانت كثيراً من حكم الشيعة والأكراد، حتى ظن جمعٌ من الناس أن الخير والبركة والطيب والكرم قد غادر هذه المدينة خضوعاً لواقع أليم مرير كانت تعيشه في ظل حكم شيعة الجنوب وأكراد الشمال، لكن، وكما يقول المثل العراقي (اللي بالجلد ما يغيرة إلا القبر) طيب أصل، وكرم أهل الموصل،هو لبٌ وليس قشر، لهذا لا يزيله حال شاذ، أو يسقطه عدو لئيم!
تناولت طعامي بهدوء وسط صخب عمال المطعم، الذين كانوا يتمازحون في آخر ساعات عملهم، غير مبالين بالعدد القليل من الزبائن، الذين كان بعضهم يتجاوب مع مزح العمال، فيضيف لجوهم ذاك نكهة بطعم الكباب الموصلّي الذي كنت اتذوقه في لحظتي تلك! أنهيت طعامي، وطلبت قنينة ماء إضافية وحبة أسبرين لصداع أحسست إنه بدأ يهاجمني شيئاً فشيئاً، من شدة التعب الذي أنا فيه، فسارع الرجل الثلاثيني الذي كان يجلس خلف طاولة الحساب إلى إخراج شريط من حبوب الصداع وناولني إياه، اخبرته امتلاكي لعلاج خاص بصداع الرأس، لكني اضعه في مكان اجهله بحقيبتي، فرد عليّ، بعدما أحضرها بنفسه إليّ، إنه يمكنني الإحتفاظ بها، و(زيادة الخير خيرين) كما قال، فضحكت، وضحك لضحكتي، ورفض ثانية إستلام قيمة قنينة الماء الإضافية!
تركت المطعم وأنا اشعر إنني كنت ضيفاً على بدويٍ نحرَ على عتبة داره، وتحت قدمي، خروفاً، كتحية لي، فعجز لساني عن الشكر، فاكتفيت بالدعاء له ولمطعمه بالخير، جزاء كرمه وإحسانه! وقفت أمام المطعم، بعدما سألتهم عن أقرب فندق يمكنني قضاء ليلتي فيه، فاشاروا لي بفندق يسمى (جوهرة الخليج) على ما أظن، فعزمت التوكل على الله والتوجه إليه، فأخذت أترقب سيارة إجرة للوصول إليه.. مرت دقائق وأنا اقف في مكاني، دون أن تقف سيارة لي، فكثير منها تكون مستأجرة حين مرورها، فالتفتُ إلى أحد عمال المطعم، كان متوقفاً أمام باحة مطعمهم، وسألته عن المسافة التي تفصلني عن الفندق، لأنني فكرت في السير إليه مشياً على الأقدام، فأكد لي إنها ليست ببعيدة، وبإمكاني السير على قدمي، حتى تلحق بي تكسي، لكنه أشار عليّ بأمر، تردد صداه على مسامعي، فأمسيت بين مصدق ومكذب، أهي مبالغة، أم سخرية يا ترى، وهو يقول لي:
إن مرت دورية لـ(الإخوة)، على حد وصفه، فأوقفهم، واطلب منهم إيصالك إلى حيث تريد.. ويقصد بـ(الإخوة)، المجاهدون!فقلت له مستغرباً، وإبتسامة نصر ترتسم على وجهي (ماكو مشكلة يعني إن استعنت بهم للوصول إلى أي مكان)؟! فرد عليّ مؤكداً إنه وحينما لا تتوفر السيارات، أو عند ندرتها، فإن الناس تلجأ إلى دوريات الدولة الإسلامية لتقوم بإيصالهم إلى وجهاتهم!! شعرت بإبتسامة نصر، لأن هذه الإجابة كانت أولى الأجوبة التي جاءت كرد على أولى إستفهاماتي التي وضعتها، بعدما تغيرت خطتي بالكامل، والتي قررت على إثرها تغير وجهتي الإستكشافية داخل دولة الخلافة الإسلامية، حينما قررت سلك الطريق الذي يوصلني إلى (عدلت فآمنت فنمت)، فجلّ خوفي أن يكون (اهملت فتخبطت فخسرت)، فحينها لا مكان لي في هذه الدولة، بل وسأكون أول المحاربين لها، والداعين إلى زوالها، كما قال المتحدث باسمها الشيخ أبو محمد العدناني، يوم قال عنها وداعياً عليها: (إن كانت كانت هذه دولة خوارج، كما يصفونها، فاقصم اللهم ظهرها، ولا تقم لها قائمة)، وأما إن كانت كما عهدتها، فسأكون لها، كما كنت سابقاً، مناصراً، ومسانداً بقلمي، وبروحي وبدمي لو تطلب الأمر، حتى يظهر الله الحق، أو نهلك دونه!
وأنا أهم بالمسير نحو الفندق على اقدامي، سألت عامل المطعم نفسه عن قيمة الإجرة التي يتقاضاها سائق التاكسي إلى الفندق، فقد خشيت أن يستغلني أحدهم، كما تجري عليه العادة في كثير من بلداننا، التي تقوم على مبدأ إستغلال الظروف للحصول على القوت، فأجابني أن الأجرة ليلاً ونهاراً لا تزيد على الأربعة إلى الخمسة آلاف دينار عراقي، وقبل أن اتحرك بإتجاه الفندق توقفت على مقربة مني سيارة تاكسي، لينزل منها أحد الركاب، فسارعت للذهاب نحوها، فسألت سائقها إن كان يستطيع إيصالي إلى الفندق المقصود، فوافق دون تردد، وحينما سألته عن الإجرة مقدماً، ترك لي حرية تحديد المبلغ، ولأن هذه الكلمة مطاطية، وكثير منا يخشاها، حتى لا تصبح في نهاية المطاف أمام الأمر الواقع، فتدفع ما يريده السائق، شئت أم ابيت، لهذا فقد طلبت منه تحديد الإجرة قبل الذهاب معه، فقال لي ثلاثة آلاف دينار، وإن كنت أرى المبلغ كبيراً فسيقلني بلا مقابل، وأقسم على ذلك، فشكرته ووضعت حقيبتي على المقعد الخلفي وجلست بجانبه، وتحرك مباشرة بعدما قال لي: مساك الله بالخير!
سِرنا نحو الفندق، وكان السائق يُكثر من الحديث عن كثافة الطيران هذه الليلة، ويخرج رأسه أحياناً من نافذة سيارته لينظر إلى السماء، رغم يقيني بإنه لا ولن يرى شيئاً، بعدما جاورت تلك الطائرات النجوم والقمر من شدة خوفها ورعبها من مضادات الطائرات التي تمتلكها الدولة الإسلامية، والتي اثبتت نجاعتها وفاعليتها، خصوصاً مع الطيران الشيعي والإيراني والعربي، فيما يطير بحذر الطيران الغربي وبإرتفاعات شاهقة، لأنه أكثر من يدرك معنى الوقوع بيد الدولة الإسلامية، فسقوط طيار واحد، كسقوط معاذ الكساسبة في يد الدولة الإسلامية، ويتم إحراقه بذات الطريقة، كفيل بأن يزيل عروش حكومات الغرب ويهدُّ أركان دولهم، لكن ما عسانا نقول لعروش عربية لا يهزها ولا يزلزلها إحراق جنودها وطياريها الذين ترسلهم لقصف المسلمين ولإحراق أطفالهم، فإن كان حرق جنود الحكومات العربية وطياريها لا يمنعها ولا يثنيها عن مواصلة استهداف أبناء جلدتهم من أهل السُنّة والجماعة، فحينها ليس للمسلمين الذين يُحرقون بصواريخ وطائرات الحكومات العميلة، وليس لجنود الإسلام الذين يسيرون على شرع الله، إلا أن يحرروا تلك البلدان من حكومات الرذيلة تلك، وإلا فلن يستقيم شرع الله بوجود هؤلاء الطواغيت، وما القادم من الإيام إلا سيراً على هذا النهج، بإذن الله تعالى، وتصميم على ما عزم عليه الرجال الرجال!
كان السائق يقول لي، وهو ينظر إلى السماء من شباك سيارته: اليوم الجماعة (ماخوذين)! أي إنهم كالكلب، حينما تدوس على ذنبه، بحسب هوى تفسيري للمفردة! قلت له: ولمَ.. ما السبب يا ترى!؟ رد عليّ: حينما تراهم يملئون السماء فأعلم إنهم (ينسحلون) على الأرض! إكتفيت بالقول: بإذن الله، في حين كانت عيني تراقب وتستطلع الطريق من جانبيه.. كم تمنيت أن يكون سيري في الموصل نهاراً، فلكم اشتقت إلى كل ركن وزاوية فيها، ومع إن الإسوداد كان يحيط بكثير من زوايا الطريق، إلا إنني كنت أتلمس جمالها حتى عبر الظلام..!
وصلنا إلى أحد الجسور، فدخل سائق التاكسي بصورة معاكسة، فهذا الجسر للأياب وليس للذهاب، وما كنت اُميز ذلك لولا أن السائق نفسه أخبرني بذلك، فقلت له ألا تخشى أن يستوقفك أحد، فرد عليّ: لا زالت هناك بعض المخالفات التي ما زلنا متمسكين بها.. يعني تستطيع القول (شوي شوي نتغير)، أي خطوة خطوة، وبالتدريج، ثم اعقبها بضحكة قائلاً: تعرفُ طبع العراقيين! ولأنني أعرف طبع قومي فما وجدت ذلك غريباً، لكني قلت له: وماذا لو إستوقفك أحد رجال الشرطة الإسلامية، فرد عليّ ممازحاً بالقول: سأقول لهم: أخوكم كردي.. ثم اعقبها هذه المرة بضحكة طويلة! وهذا الرد هو في سياق النكت الساخرة بين العرب والأكراد، التي تعايشنا معها منذ صغرنا، فأهلنا الأكراد يمطرون إخوتهم العرب بكتب من النكات والدعابات الساخرة، فيرد لهم العرب الصاع صاعين من النكات، فيقلب الأكراد على العرب الطاولة بنكات أخرى مستحدثة، وحرب الدعابات والنكات هذه لا تنتهي لإنها من الموروث عند الطرفين، والذي لا يمكن الإستغناء عنه، إلا في حال تخلى الكرد عن كرديتهم، أو تخلى العرب عن عروبتهم، وهو ما لن يكون!
على الجسر أبصرت بناية كبيرة، تنتصب على حافة دجلة، نورها يشد الأبصار من بعيد، وكإنها فنار تهتدي به السفن، فسألت السائق عن هوية هذا البناء، فقال لي إنه بناية الفندق الذي اقصده.. شعرت حينها بنوع من الإرتياح، وبنفس الوقت من الخوف، فلربما يكون المبيت في هذا الفندق فوق طاقتي المادية، فكما ما يبدو عليه إنه فخم، وغالي الثمن، ولا أدري ما يخبئه لي الزمن إن صرفت ما بجيبي من أول لحظة وصولي إلى هذه المدينة، التي لا يزال الغموض يكتنف كثيراً من أركانها في ظل الخلافة نتيجة تعتيم الإعلام المعادي!
ما هي سوى دقائق حتى وصلت إلى الفندق، ودلني السائق على الباب، وقال لي: إن كان الباب مغلقاً فهناك جرس بجوار الباب أضغط عليه وسيفتحون لك الباب حالاً..! شكرته على كلماته، التي شاركته في كثير منها الضحك، واستغربت لهذه الروح الخفيفة التي يمتلكها، والتي بددت ما اشاعه الإعلام المعادي والمضلل من أن أبناء الموصل يعيشون في كمدٍ وخوفٍ ورعبٍ وحزنٍ لا يعرف به إلا الله والراسخون في العلم، وأن الفرح قد غادرهم والإبتسامة فارقت مضاربهم منذ أن حررت الدولة الإسلامية أرض الموصل من الاحتلال الشيعي والكردي لها، وكأن الشيعة الرافضة وعلمانيي الكُرد هم من كانوا يزرعون البسمة على شفاه الأطفال، وليسوا السالبين!!
المارة والسابلة في الشارع يكاد ينعدم وجودهم في هذه الساعة المتأخرة من الليل، وحركة السيارات في الشوارع باتت ضعيفة، بل وضعيفة جداً، والهدوء يخيم على المكان ولا يقطع سكونه إلا صوت مولد كهربائي ضخم بجوار بناية الفندق، فضلاً عن أصوات الطائرات التي لا تغادر أبداً سماء الموصل! امسكت الباب بيدي فوجدته مفتوحاً، فدخلت، واجهني سلم دائري أخذت درجاته بخطوات، واحدة أثقل من الأخرى، بعدما خاب أملي في قضاء ليلتي الأولى مع المجاهدين، فما أجمل لو إنني قضيت ليلة رأس السنة هذه بصحبتهم! إنتهى السلم عند قاعة تتوسطها دعامة، وبجوار الدعامة حائط مستدير من الرخام ليشكل طاولة على شكل نصف دائرة، يضم جزء منها أجهزة كومبيوتر، وجهاز استنساخ..! القيت على موظف الأستقبال السلام، ثم بادرت إلى وضع حقائبي على كنبة تقابل طاولة الإستقبال من زاوية أخرى.. كنت اتأوه وأنا أضع الحقيبة من شدة التعب والنصب الذي اصابني، فأسمعني موظف الإستقبال رده على السلام، ثم حمد الله على سلامتي!
وقفت أمامه، وضعت يداي على الحائط المرتفع، رميت بحمل جسدي على يداي اللتين أثنيتهما على طاولة الرخام! كان موظف الشاب العشريني أو الثلاثيني، أو بين هذا العقد وذاك، أنيقاً، يضع نظارات، هي ربما للقراءة، أو لمشاهدة التلفزيون، كان يستكمل الحديث مع أحد الأشخاص ممن كانوا على حافة الطاولة بعيداً عن الطرف الذي كنت أقف بجواره، ولم تمضِ سوى بضعة ثوان حتى تفرغ لي، فقال لي مرحباً تفضل: قلت: هل لديك غرفة فارغة؟! فرد بالإيجاب.. لكنه أضاف بعد ذلك أن هناك مشكلة في هذا الأمر!سألته عن المشكلة، فقال لي: أن التعليمات تفرض عليه عدم إستقبال الزبائن العراقيين بعد الساعة العاشرة مساءً، وأن الساعة الآن شارفت على الثانية عشر! فقلت له، وأين المشكلة في ذلك؟! أنت تتحدث عن العراقيين وانا لست عراقي!!
فضحك ضحكة بارزة، فلهجتي التي هي أقرب للبدوية، كما يصفها البعض من زملائي وأصدقائي، لا توحي على الإطلاق إنني أجنبياً، بل عراقي (خط ونخلة وفسفورة)، كما يقول أبناء العراق، و(خط ونخلة وفسفورة) كنا نطلقها على الأموال غير المزورة في زمن قبل الاحتلال، ثم انسحبت هذه التسمية من الأموال إلى كل ماهو (أصلي) بعدما أصبح ما حولنا كله مطلياً ومزوراً، حتى النخوة العربية التي كان يعوّل عليها البعض بوقوف العرب إلى جانبنا في حرب أميركا ضدنا، إذ أصبحت نخوة الحكومات العربية هي أبرز الأسلحة التي استخدمتها اميركا لحرقنا وإبادتنا، بالتعاون مع النخوة الشيعية المجوسية، والكردية المشهورة بعدائها للعرب، وسط لا حول ولا قوة للشعوب العربية والإسلامية المقهورة !
استخرجت جواز سفري الأجنبي ووضعته على الطاولة أمام موظف الأستقبال، وحينما تناوله بيده وفتحه قال لي: (والله ظننتك تتشاقى)، أي ظننتك تمزح معي حينما قلت إنك أجنبي! لم أرد عليه، بل تركته يقوم بإجراءات الحجز، فرغم أن الجواز قد حل لي مشكلتي، إلا إنني لا زلت انظر إليه على إنه لا يخصني ولا يمثلني، بعدما شعرت بفقدانه لقيمته ما أن وطئت قدمي أرض الخلافة! أنتهى موظف الأستقبال من أجراءات حجز الغرفة، وسألته بعد أن انتهى من إستنساخ جواز سفري، وتثبيت الاسم في سجلات الفندق، عن سعر الليلة الواحدة في الفندق، كي أدفع له المال، فأعطاني وصل الحجز وقد كتب فيه خمس وثلاثون ألف دينار فقط، وهو ما يعادل تقريباً خمس وعشرين بالعملة الأوربية اليورو، وهو ما لم اتوقعه، فقد ظننت أن يكون سعر الليلة الواحدة في مثل هذا الفندق ما يقرب المائة يورو، لكنها الموصل، التي يتبدد فيها الوهم ويصبح حقيقة ما أن تلامس قدمك أرض مدينتها الحدباء، ذات الربيعين !
أعطيته المبلغ الذي كنت أراه زهيداً جداً مقارنة بما أراه، على الأقل من بناية وإنارة ونظافة، حتى خشيت أنه أعطاني سريراً في غرفة مشتركة مع آخرين، وهو ما لا أريده، ما جعلني استفسر عن هذا الأمر، إن كانت غرفة مستقلة، أم سرير بغرفة مشتركة، فابتسم لي وقال لي، بل غرفة يا اُستاذ، ثم نادى على شاب، لم يبلغ العشرين من العمر بعد، ليحمل أغراضي نيابة عني، فاكتفيت بالطلب منه حمل الحقيبة فقط، و(ستاند) الكاميرا الذي كان مربوطاً بالحقيبة من الخلف، فيما حملت اللابتوب والكاميرا بنفسي، وقبل أن نتجه إلى المصعد وأغادر قاعة الأستقبال خاطبني موظف الأستقبال بالقول: اُستاذ، إن لم تعجبك الغرفة نستطيع أن نغيرها لك !
شكرته، ثم استقليت، مع الشاب، المصعد حتى الطابق الرابع، حيث فُتح باب المصعد على ممر ليس بالضيق، وليس بالواسع، وقبل نهايته من جهة اليمين كانت هناك غرفة، فتحها الشاب ودخل قبلي، ثم تبعته! كانت الغرفة مفاجئة بالنسبة لي، فهي، وكما يصف والدي مثل هذه الحالات (تطارد فيها الخيل)، كناية إلى مساحتها الكبيرة، فقد كانت عبارة عن صالة واسعة مجهزة بتلفزيون يحوي جميع القنوات، بينها الرياضية المشفرة، ومن الصالة يتم الدخول إلى غرفة نوم مستقلة، تحوي ثلاثة أسرّة، مجهزة بفرش جميل، مع خزانة ملابس خشبية كبيرة، إلى جانب عدة حلاقة لمن يرغب، وفرشاة أسنان ومعجونها، وكل ما يتطلبه حال المسافر وعابر السبيل.. وإلى جوار الصالة كان هناك حمام مستقل، تم بناؤه على الطريقة الموصلّية، من الرخام، ومجهزاً بالمناشف الناصعة البياض، والدخول إليه يكون بعد إنتعال ما نسميه بـ(القبقاب)، وهو الحذاء الخشبي الذي يستخدم في الحمامات الموصلية العامة التي تنتشر في أحياء الموصل !
شكرت الشاب الصغير، ومنحته بقشيشاً، ولا أعرف إن كانت هذه العادة سارية هنا أم لا، خصوصاً إنه لم يطلب مني ذلك، لكني بادرت لذلك بحكم معرفتي بطبيعة العمل في الفنادق العراقية خصوصاً، والعربية منها بشكل عام، ولأنني صراحة أردت اكرامه، كعرفاناً ورداً للجميل، لما اكرمني به (المصالوة)، كما نسميهم في لهجتنا العراقية! قبل أي شيء سارعت إلى فتح الشباك لعلني احظى بمنظر يشرف على مدينة الجهاد، الموصل الحدباء، خصوصاً إنني الآن في أعلى نقطة يمكن لي من خلالها إستشكاف المدينة ! كان الهدوء يخيم على كل شيء، ولم أكن أرى من ذلك المرتفع، (الطابق الرابع)، سوى مصابيح هنا، وأخرى هناك على مدّ البصر، بعدما توقفت المولدات الأهلية عن تزويد الناس بالكهرباء كوننا كنا في ساعة متأخرة، ومن عادة المولدات الكهربائية تجهيز المواطنين بالكهرباء لغاية الساعة الثانية عشر مساء، أو قبل ذلك بساعة في بعض المناطق، بحسب إتفاق أصحاب المولدات مع أهالي تلك المناطق، تحت إشراف مباشر من الدولة الإسلامية، التي هي من تتكفل بالمحافظة على ثبات الأسعار المعقولة، وعدد ساعات تجهيز الكهرباء، فضلاً عن التكفل بتأمين الوقود للمولدات..
عدت وأغلقت الشباك، على أمل أن استمتع بالمناظر في صباح اليوم التالي، فيما سارعت، بعد حمام سريع، إلى إداء صلاة المغرب والعشاء جمعاً وقصراً، كوني على سفر، انهيتهما بحمد الله وشكره على ما انعم به عليّ، وقرّ عيني بالوصول إلى أرض الخلافة، والسير على ثراها الطاهر، ثم جلست بعد ذاك اُشاهد القنوات التلفزيونية، وما يجري في ليلة آخر السنة، فوجدت أن جميع القنوات قد إنقسم حالها بين أمرين لا ثالث لهما: القسم الأول من القنوات يغطي إحتفالات رأس السنة في مختلف انحاء العالم، وتتسابق هذه القنوات أيهما يغطي بشكل أسرع وأشمل تلك الاحتفالات، فلاحظت أن العرب كانوا أكثر إهتماماً بها من النصارى أنفسهم !
أما القسم الثاني، وتتزعمهم قناة (العربية) وقناة (الحدث) السعوديتان، فضلاً عن القنوات الشيعية الرافضية، والتي يتجاوز عددها المائة ويزيد، فقد خصصت سهرتها في ليلة رأس السنة للطعن بالمجاهدين والنيل من الدولة الإسلامية، والتغني بإنتصارات بني مجوس الوهمية في سوح الجهاد العراقية والشامية، ومن بينها الحديث عن معارك (تحرير) مدينة الگيارة والسيطرة على جسرها الرئيس، الگيارة التي مررت بها قبيل سويعات فوجدت فرسانها رجال الدولة الإسلامية يحكمون السيطرة عليها بقبضة جهادية حديدية، فأدركت حجم الإنحلال الإخلاقي لإعلام اليوم وبؤسه، وعلى رأسهم قناة (العربية)، التي توهمنا بإنها من تعرف أكثر، وهي لا تعرف شيئاً على الإطلاق، أو أنها تعرف، لكنها تحاول خداعنا، مع إنني اُرجح الثانية، فهذه النبتة الخبيثة، التي ولدت من نطفة حرام بعد الاحتلال الأميركي للعراق، إنما هي حصيلة زواج متعة أب خليجي (معس)، من أم شيعية مجوسية (إيران)، قبل أن تنجب للمتعوسين أخيراً قناة (الحدث)، التي فاقت في العهر اُمها، مثلما فاقت في الدياثة أباها !
أغلقت التلفاز، لإن صدمة كبرى تلك التي يكتشفها من رأى الحق بعينيه ثم يجد أبناء مهنته من الإعلاميين يزوّرون كل شيء، حتى الحقيقة التي لا يمكن تزويرها، وكنت أتساءل، ألا يعلم هؤلاء أن هناك اُناس يعلمون الحق ممن يسكنون ويقطنون في تلك المدن التي يصرّون على إنها اُستردت من قبضة الدولة الإسلامية، وأنها اليوم بيد هذا الطرف الشيعي الزنديق، أو ذاك الطرف الكردي الخسيس، في حين أن تلك المدن لا تزال تحت سيطرة رجال الخلافة الإسلامية، تساءلت، ترى كيف لهم أن يكذبوا لهذه الدرجة القبيحة التي لا يمكن فيها الكذب وإخفاء الحقائق، ألا يعرفوا أن الناس يعلمون بكذبهم، لكنها يا سادة نقطة الحياء التي سقطت من جبين حتى الطير الذي يمر من فوق مباني مثل هذه القنوات المريضة الموبوءة بكل ما هو دنيء ووضيع !
لجأت إلى الفراش واستلقيت على السرير، فيما كانت عيناي تتجول ما بين السقف والمراوح والجدران، وكإنني غير مصدق إنني في الموصل التي يقال عنها أنها مدينة الخراب والدمار، ثم أطوف بنظري إلى جهاز التدفئة الـ(سبلت) وهو يضطرني للنوم بلا غطاء في ليلة رأس السنة الباردة، وأقول لنفسي: كيف يقولون عن مدينة حية هكذا إنها في عداد الأموات!؟ غلبني النعاس من شدة ما مررت به من أحداث لا تتكرر في حياتي بتلك السهولة، فأن تجد نفسك في أرض الخلافة، بعد هجرة إليها من مسافة آلاف الكيلومترات، أمتدت لليال وأيام طوال، ومعاناة تكاد تصل لدرجة القتل غيلاً، أو الإعتقال لأيام أطول من تلك التي إعتقلت فيها على الطريق والحدود، ثم ينتهي بك الحال في أرض الأحلام التي قصدتها، فإن ذلك والله لفي قاموسي حلم بعيد المنال، لكنه هاهنا الآن يتحقق ليصبح واقع ملموس، بعدما وصلت إلى أرض الجهاد، وأي أرض، أرض الموصل الحدباء التي لقنت المجوس درساً لن ينسوه على مرّ العصور، بل ومنحت كل مدارس العسكر والأركان مناهج جديدة ستظل تُدرّس في أكاديمياتها حتى يرث الله الأرض ومن عليها..!
ومن وسط نوم عميق استفقت لأجد نفسي وسط ظلام لم أرَ اشد منه عتمة في حياتي، فلا كهرباء، ولا نور، ولا أي شيء يشعرك بأنك حي، غير أنفاسي التي أخذت تعلو بعدما شعرت برعب كبير..! لم أكن اخشى الظلام من قبل، ولم اخشاه يوماً، بل إني كنت ولا زلت اعدّه لي رفيقاً، بل وعالماً مستقلاً خاب وخسر من لا يستأنس برفقته، لكن ما ارعبني حد الجنون أن يأتي النور فجأة، أو احصل على الضياء، فأكتشف إنني في غرفتي في أقصى شمال أوربا، وأن كل ما مررت به ليس سوى طيف مرّ بي، أو حلم جميل..! يا الله، أيعقل أن يكون ما أنا فيه الآن ليس سوى كابوساً، كيف..!! إني أتذكر إنني سرت في طريق، بل طرقات، وركبت طائرات، وقطعت مسافة أيام بالسيارات، واحتضنت المجاهدين واحتضنوني، وقبّلت رؤوسهم وقبّلوني، وتناولت طعامهم، نعم تناولت طعامهم، وكان كباباً موصلياً، وهاهو طعمه لا يزال في أنفاسي قبل فمي، ووصلت إلى فندق وو..!!
يا الله أيعقل أن كل هذا كان حلماً لا غير، وماذا افعل أن تبين أن كل ما مررت به ليس سوى وهم.. قفزت كالمجنون، ابحث عن الشباك لأتأكد، ولأثبت لنفسي إنني هنا، هنا في الموصل، وليس في بيتي بأوربا، قفزت مذعوراً نحو جهة الشباك، سقطت بين سريرين، نهضت، ثم قفزت ثانية فسقطت على حافة السرير الثالث، لم أكن أدري أين كنت أنام بالضبط، فأصبح حالي ككرة تتقاذفها الأقدام، يتلقفني سرير هنا، ويردني سرير هناك، ودارت بي الأرض ولم أعد أدري أين الشباك من الباب، وكنت كلما ظننت إنني وصلت إلى نافذة الشباك اكتشف ضعف ذاكرتي بعدما اُمسك بشيء آخر!
وبعد دقائق طويلة، رأيتها كشوطي مباراة نهائية في دوري عالمي ينال فيه السرير الفائز جائزة كبرى لما يحدثه بي من أضرار وكدمات وجروح، فلم اشعر إلا ويدي تقع على الشباك، فحمدت الله، لكني وما أن فتحت الشباك حتى وجدت أن الظلام قد إزداد، فاكفهر وجهي الذي يغشيه السواد، إذ تبين لاحقاً أن هذه ليست سوى النافذة التي كانت تفصل غرفة النوم عن الصالة الرئيسية.. حاولت إمساك الجدار والسير معه، فظهر لي إنني امسكت، في نهاية مطاف سيري، بخزانة الملابس الخشبية، التي تقع تماماً في الجهة الأخرى من غرفة النوم، والمقابلة لنافذة كنت أحاول الأمساك بها بطريقة إمساك الماء بغربال..!
عدت ادراجي وقصدت الجهة الأخرى حتى يسر الله لي، بعد عثرة هنا، ودحرجة هناك من الوصول إلى النافذة، التي ولولا دخول تيار هوائي بارد منها بعد فتحها، لما عرفت إنني اُطل على مدينة الموصل، بعدما انطفأت حتى المصابيح التي كانت متناثرة هنا وهناك خارج الفندق، والتي ابصرتها آخر الليل.. تذكرت حينها هاتفي، فوجدت فيه حبل النجاة للتأكد من إنني هنا، وليس في مكان آخر، وبعد جولة بحث امتدت لقرابة الربع ساعة تمكنت من العثور على هاتفي الذي لم استخدمه لإنارة المكان، بل للتيقن من إنني في فندق في الموصل، وإنني لم أكن في حلم ووهم وخيال !
كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة صباحاً بقليل حينما استيقظت لأعيش كابوس الوهم هذا، وبعد الإنتهاء منه، وتأكدي إنني هنا بالفعل في أرض الخلافة، حاولت العودة إلى النوم ولكن دون جدوى، فما أشد رعب أن افقد ما أنا فيه، حتى ولو عبر حلم ووهم وكابوس، فكيف لمن يسر الله له دخول الجنان أن يفكر بالعودة إلى النيران، فحياتي خارج أرض الخلافة، مهما بلغ عظيم شأنها، ورغد عيشها، وطيب ثراها لا تعدل عندي لحظة واحدة أقضيها فوق أرض، وتحت سماء يحكمها شرع الله حقاً، وحراس حدودها وعقيدتها اُسود جهاد، وخليفتها، إن رأيناه قد حاد عن الدين، لا سمح الله، خرجنا عليه بالسيوف وقوّمناه !
أقبل الفجر، وغزل الصباح من خيوطه سجادة موصلّية، وكبّر المنادي أن الصلاة خير من النوم، فوددت الرد عليه من نافذتي لأقول له: ومن أين لي النوم وأنا اترقب أول صباح لي في أرض الخلافة، فلبيت النداء، وصليت، ثم تجهزت لمنظر شروق الشمس، فخذلتني الشمس مجبرة، بعدما غطتها سحب الغيوم، التي شكلت عازلاً بين جنود الرحمن وبين طائرات الحلف (الغربي – العربي – الإيراني)، التي حيدتها ملائكة السماء، كيف لا، ولله جنود لا نراها، تقاتل مع خندق الحق ضد جمع الأحزاب..!
تسمّرت عند نافذتي وأنا أرى أولى ملامح الحياة تدب بعد ليل طويل، لم أذق من ساعات نومه إلا النزر اليسير، حيث بدأت جموع الناس تملئ الشوارع والأزقة والطرق الخلفية والحارات، أصحاب المحال فتحوا ابوابهم، أصحاب (الچنابر) و(البسطيات) إفترشوا الأرض، والمتبضعين شكلوا كتلاً بشرية تزدحم في هذا الشارع وذاك، والسيارات من ضخامة اعدادها ما عادت تتسع لها الشوارع، وتبدل هدوء الموصل إلى ضجيج يصمُّ الآذان، فهذا ينادي على خضرته، وذاك يمازح صاحبه، وثالث يبيع حلوياته، وآخر يُبشر بمستقبل من تذوق مشروباته الغازية، وموقف السيارات الذي قبالة الفندق أصوات سائقي سيارات إجرته يهز صداها أرجاء المكان، وكل واحد منهم ينادي باسماء المناطق التي يعملون على خطوطها! نعم، هذه هي الموصل التي أعرف، مدينة حية، لا تعرف الموت، ولا تعرف الهدوء، ولا تعرف الخمول، الموصل التي هي عصب إقتصاد العراق كله، فمنها تتغذى بغداد، وعبرها بضاعة العراق كله تتوزع، واليوم تمارس ذات الدور بسيطرتها على مفاصل إقتصاد دولة الخلافة الإسلامية، وها هي أسواقها، رغم الحصار (الشيعي – الكردي)، غارقة بمختلف أنواع البضائع والمنتوجات والخضار والفاكهة!
سارعت إلى إرتداء ملابسي، وحملت حقيبتي ،وبقية أغراضي، واتجهت إلى صالة الإستقبال في الفندق، وقبل أن اُسلّم المفتاح سألت موظف الإستقبال عن مكان اُصرّف فيه العملة، فما معي من العملة العراقية يكاد ينفذ، وليس معي سوى عملة اليورو، فخشيت أن لا أجد من يتعامل بها في دولة يحاصرها الغرب والشرق، فضحك موظف الأستقبال وقال لي: هنا كل شيء موجود، ليس اليورو فقط، بل أي عملة ترغب في تغيرها فستجد بباب فندقنا فقط، وبجواره عشرات مكاتب الصيرفة، التي ترحب بك! سرّني كلام موظف الأستقبال لإنني اُدرك أن الإقتصاد يرتكز عموده على العملة الصعبة لأي بلد، وهي مقياس التضخم في هذا العالم الرأسمالي الذي يحكمنا ظلماً وعنوة!
سلمت مفتاح الغرفة إلى موظف إدارة الفندق، ولم أبلغه حتى سبب عدم تنبيهي إلى قطع التيار الكهربائي وإطفاء المولد ليلاً، فقد كنت في عجلة من أمري لأقوم بجولة في أسواق (حبيبتي) التي مزّقني الشوق إلى شوارعها المفعمة بالحياة، فغادرته بعد السلام، وما هي سوى دُريجات سلم حتى وجدت نفسي في قلب الزحام، أمام باب الفندق، فأخذت أسير وأتلفت شمالاً ويميناً، وقطرات خفيفة من أمطار الخير تنهال من السماء لتزيد من جمال جو الموصل الآخاذ جمالاً، وتزيده سحراً! كنت جائعاً وأرغب في تناول فطور الصباح، أو كما نسميه بالعراقي (الريوگ)، لكنني ومن شدة فرحي بهذه المناظر، وهذه الحركة الكثيفة للناس قد شبعت، وكنت اتساءل مع نفسي، كيف يقول هؤلاء الأفاكين أن الموصل قد فرغت من سكانها!!
الآن قد فهمت المعادلة، فعلى ما يبدو أن من غادر الموصل وتركها إنما هو من أجرم بحق أهلها، وخشيّ على نفسه من العاقبة بعد التحرير من الشيعة والكرد، ويقيناً أن هؤلاء الفارين كانوا من الخونة والمرتدين والعملاء والأذناب..أو أنه ممن رفض العيش تحت ظلال دولة العدل الألهي، وبدستور الإسلام الذي كفل لكل من عاش تحت كنفه حقه في العيش والحياة من الديانات الأخرى، وما الوثيقة العمرية إلا خير شاهد على عدالة الإسلام التي لا يريد أن يخضع لبنودها ألد الخصام..! فيما ينفطر قلبي على من غادر مدينته الجميلة طوعاً تحت ضغط الإعلام الشيعي – الرافضي – الإيراني – الكردي – الخليجي، الذي يهدد ويتوعد بإبادة وتطهير الموصل من أهلها، أبناء السُنّة والجماعة، ولكن خاب وخسيء فأل من هدد وتوعد، فما رأيته في الحدباء يجعلني على يقين وثقة بالله أن الموصل أبداً لن تعود لأحضان رافضية أو سلطة كردية! فجأة، وبدون مقدمات قررت إنهاء جولتي في السوق، فما رأيته في دقائق أثلج صدري وأجاب على كل إستفهاماتي وزادني إطمئناناً على الجانب الإقتصادي للدولة الإسلامية، فحينما تكون الموصل عامرة هكذا بسكانها وبأسواقها فبقية مدن الخلافة لن تكون إلا بخير، فحينما يكون القلب سليماً فأعلم أن الجسد معافى، مهما كثرت الميكروبات والجراثيم من حوله..!
قررت المضي قُدماً في البحث عن إجابة لذاك السؤال، الذي بقي عالقاً في ذهني، راسخاً في عقلي، والذي عززه الآن هذه الكثافة البشرية التي تملئ أسواق وطرقات الموصل، فكيف يترك رجال الشرطة الإسلامية سيارتهم على قارعة الطريق ومفتاحها فيها، لتكون محل سيلان لعاب أي سارق عليها، فإن كان إهمالاً فسأجد إجابته عند القضاء، وإن كان أماناً فساجد إجابته عند القضاء كذلك، من هنا كان قراري في أن تكون وجهتي التالية هي دار القضاء، فإن صلح العدل والقضاء ساد الأمن والرخاء، وأن فسد القضاء تفشى المرض والوباء والأهمال، نعم، فعند القضاء الخبر اليقين، فهو من سيجعلني اُكمل رحلتي في دولة العدل لأعيش في ظلال رحابها وأخدمها، وأفديها بروحي، أو أهرب مد البصر من ظلمها وجورها وفسادها! وقفت على ناصية الطريق، لأستأجر سيارة، وقبل أن اُلوح بيدي، انتظرت قليلاً، فلا أريد أن استقل سيارة حديثة، بل كنت أبحث عن سيارة، ليست تكسي أولاً، بل خصوصي، وتكون قديمة ثانية، لأن مثل هؤلاء يصعب عليهم منافسة التكسيات الحديثة التي كانت تملء الشوارع، وبعد دقائق إنتظار، أنار لي أحد أصحاب السيارات الخصوصي مصابيحه الأمامية، كدلالة عندنا من السائق في العراق ليقول إنني أعمل تاكسي، وإن لم يكن تاكسي، وكانت سيارته قديمة الطراز، لم اُركز على نوعها، لكني أظنها (سبعينية) أو (ثمانينية) الموديل، أشرت لصاحبها الخمسيني العمر، فتوقف..
سلمت عليه أولاً.. فأجابني بالرد العراقي الشهير: عليكم السلام أغاتي.. سألته أن ياخذني للمحكمة، فرد على سؤالي بسؤال: أي محكمة عيني..؟! حينها رفعت رأسي قليلاً لأفكر، قبل أن أعود وأخفضه من زجاج السيارة ثانية، لأسمعه ويسمعني، من شدة الضوضاء التي تجعلنا نتحدث بصوت عالٍ: لا أدري، أريد أكبر محكمة في الموصل.. هكذا اجبته، إذ لم أكن ابحث عن محكمة بعينها، لكني أبحث عن دار القضاء، وكنت لا أعرف أي تسمية يطلق أبناء الموصل على قضائهم الجديد، فأجابني واعداً إياي بإيصالي لمبتغاي: ماشي، سأوصلك للمحكمة الكبرى! احسست إن هذا ما كنت ابحث عنه فقلت له: وهو المطلوب..!
صعدت مباشرة معه، دون أن اسأله كم سيتقاضى مني، إذ لم يعد يهمني حينها ما سيطلبه مني، فقد أصبحتُ، أريد، وبأي ثمن، الحصول على إجابة لتساؤلاتي! إنطلق سائق التاكسي وسط زحام شديد، وراح يراوغ بين السيارات، ليثبت لي ربما، إنني لن اندم على إستئجاري سيارة قديمة، فطلبت منه التروي قليلاً، إذ ابلغته إنني لست في عجلة من أمري، ربما لإني أريد أن أتامل الطرقات، وما نمر به بسيارتنا، ذات الموديل النادر من فرط قدمها، فراح السائق يؤكد لي أن هذه محاولات للتخلص من الزحام ليس إلا !
ركزت على الطريق،  بالفعل كان الزحام على أشده، خصوصاً على الجسر الذي قطعناه، وأعداد السيارات لا توحي لك على الإطلاق أن هناك أزمة في الوقود، كما هو حال باقي مدن العراق، التي لم تتمدد إليها الدولة الإسلامية بعد، وهذا كان مدخل أول أسئلتي للسائق، حيث سألته عن حال وأسعار وقود السيارات، فأكد لي أن ثمنه مناسب، مقارنة بمحافظات أخرى، وهو ما دفعني لتوجيه السؤال الثاني، والذي جعلته في ذات السياق، من أين مصادر الوقود، ولماذا هي مناسبة مقارنة بغيرها من مدن العراق، فكشف لي أن المصافي البدائية التي لجأت إليها دولة الخلافة حلت جزءاً كبيراً من الأزمة، سواء بالنسبة للنفط، أو البنزين، أو الكاز، حيث باتت هذه المنتجات الثلاثة متوفرة بكثافة نتيجة عمل (الفرازات)، كما يطلق عليها، والمنتشرة في مختلف انحاء الموصل، بالإعتماد على النفط الخام الذي توفره الدولة الإسلامية لتلك المصافي البدائية، سواء التابعة للدولة الإسلامية، أو الأهلية منها، إلى جانب تأكيد السائق على عمليات إستيراد من ولايات أخرى من الشام، أو من خارج حدود دولة الخلافة لبنزين محسن بأسعار أعلى قليلاً!
وقبل أن أواصل اسألتي بادرني السائق بالقول: يبدو أنك (خطار) على الموصل، أي ضيفاً عليها.. ثم استطرد: واضح عليك أجنبي، وشكلك لا يوحي بإنك من أهل الموصل! الحق أقول إنني امتعضت في داخلي حينها من سؤاله، كوني، ورغم سنين الغربة، أحاول أن تبقى هيأتي شرقية، بل وبدوية حد النخاع، وأن لا اتطبّع بمن حولي، ما جعلني اجيبه وداخلي يغلي: وهل شعري أشقر وعيناي زرقاوان!؟  فرد علي بصيغة الإعتذار: لا عفواً، ولكن ما أعنيه معك حقائب، واسئلتك لا توحي بأنك من أهل الموصل! تذكرت حينها إننا، هنا في بلادنا، كثيراً ما نشير إلى الغريب بإنه (أجنبي)، لمجرد كونه من محافظة أو مدينة أخرى، فهدئ روعي قليلاً، قبل أن اُمازحه بإجابتي: نعم أنا أجنبي من الأنبار! فضحكنا سوية، وسرعان ما بادرني بسؤال آخر عن سبب مجيئي إلى الموصل، فأبلغته بإنني (صحافي)، واكتفيت بهذه الإجابة المقتضبة، التي جعلته يستدير نحوي لولا المقود والمقعد اللذين يقيدانه، حيث سألني مستغرباً: وأين تعمل؟!
أجبته بإنني صحافي مستقل، وكنت أعمل يوماً في الموصل كمراسل لعدد من القنوات، وذكّرته بتقارير خاصة بالموصل، كنت قد عرضتها في عدد من القنوات، فتذكر بعض من تلك التقارير، وقبل أن نستكمل حديثنا توقف بجانب إحدى البنايات قائلاً لي: هذه هي المحكمة الكبرى يا اُستاذ! سكنتُ للحظات، وبقيت أتأمل في واجهة البناء الذي تعلوه الراية المحمدية.. كُتبَ على الواجهة: (المحكمة الإسلامية).. انقبض صدري، قلبي أخذ ينبض بشدة من شدة الفرحة التي كتمتها بداخلي، فهاهي أولى مؤسسات دولة الخلافة التي أراها، يا لتحقق الحلم، يا لفخامة الإسم، (المحكمة الإسلامية)، ويا لجماله، ويا لبلاغته، لكن بقي شيء واحد يجب أن استشكفه وهو ما أنا هنا لأجله وهو: (يا لعدالته)، فهنا مربط الفرس كما يقال، فعند الإمتحان يُكرم المرء أو يهان، وعند العدالة تنهدم صروح أو تُقام! وضعت في يد السائق خمسة آلاف دينار، حاول أن يعيد لي منها شيئاً، فرفضت، ثم شكرته وأنا أترجل، وقبل أن يغادرني، وكلمات الدعاء لا تفارق شفتيه، سألني آخر أسئلته: يا اُستاذ، حينما أعود لعيالي سأقول لهم إنني التقيت بصحافي هذا اليوم وركب معي.. فمن أنت لأخبرهم باسمك! أجبته بإبتسامة: حسين المعاضيدي !
غادر السائق، فيما وضعت حقيبتي على ظهري، والتقطت كاميرتي وحاسوبي من على الأرض بعدما أنزلتهم من السيارة فرادى، وحينما التفت إلى جانبي وجدت لوحة عرض إعلاني ضخمة بجواري، طولها يتجاوز الأربعة أمتار، وارتفاعها بحدود الثلاثة أمتار، محمولة على أعمدة حديدية، تحمل صورة لجندي من جيش الخلافة وهو يدوس بقدمه مجموعة كتب، تمثل الدساتير الوضعية، في بلاغ صريح،وفصاحة ما بعدها فصاحة، لا خجل فيها، ولا مداهنة، ولا مواربة، في أن شرع الله هو من يُقام، ولو على الجماجم والأشلاء، وبقوة الحديد والرصاص والنار، فلا حكم يسود غير دستور الله، ولا صوت يعلو فوق صوت الخلافة ! . أ.هـ

.

.

.

Advertisements