.. || تركيا ، قراءة في الأحداث عن قرب ! || ..

تركيا

_____

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على نبيه الكريم , وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وبعد :

فالحق يقال , أن تركيا كانت بلدا حظي بقيادة ذكية طوال الأحداث والتقلبات التي عصفت بالساحة الشامية مقارنة بغيرها من الدول التي لعبت في الساحة , وليس هذا الكلام محاولة لتضخيم طرف جديد , بل هو وصف مستخلص من سبر السلوك التركي تجاه أي حدث كبيرا كان أو صغيرا صادفها . وهاهنا تذكرة ببعض الأحداث لتتضح الصورة :

1 – تعاملت القيادة التركية مع الثورة السورية كحدث جلل في دولة مجاورة لها , فلا هي وقفت على الحياد التام في وقت أرادت فيه أن تظهر كقيادة إسلامية تصلح أن تكون خصما للمدرسة السعودية , وبحيث ترضي بمواقفها اللاجئين المتدفقين بالملايين إلى أراضيها ,وكذلك جماهير أهل السنة . ولاهي زجت بنفسها في الصراع منفردة مع خصم يضرب بجنون ويدمر مدنه ويحرق كل مافي طريقه , ولإن تكلفة الدخول في حرب كهذه تفوق تصور أي متابع , فلما تقحم نفسها في معمعة وكارثة , بينما هي تعلم علم اليقين أن النظام السوري منضو تحت حلف شرقي ليس بالهين , ثم لما تزج بنفسها وقد إكتفت دول العالم أجمع بالكلام فقط .!

2 – تعاملت القيادة التركية مع ملف البككه منذ ثلاث سنين كقضية ينبغي إغلاقها بأية صورة, فكانت عروض السلح مع الحزب المسلح , وتناست سنوات طوال من القتال وأعداد كبيرة جدا من القتلى بين الطرفين , فأمام تركيا نقلات نوعية كبيرة على المستوى القومي لاترضى أن يتواجد مايعكره .

3 – تعاملت القيادة التركية بحرفية عالية مع قضية اللاجئين السوريين , فلاتزال تغدق عليهم المنح , وتقدم لهم الإمتيازات حتى غدت الرائدة عند الجميع والمفضلة لدى النازحين وأصبحت الدولة التي لايشك في حسن نواياها تجاه الثورة والشعب السوري .

4 – تعاملت الدولة التركية مع ملف المعارضة المسلحة بسلاسة دون أن تترك لهم المجال لتحويل تركيا لقاعدة عمليات عسكرية ضد النظام السوري فكل ماحضيت به قيادات المعارضة هو مأوى آمن, ومنابر إعلامية حرة .

5- تمكنت تركيا من بسط يدها على قوى مسلحة على الأرض وإختراق تشكيلات بل وإنشاء أخرى تعمل لصالحها .

6 – تعاملت تركيا مع ملف القتال بين القوى الكبرى على الأرض بمبدأ الحياد وعدم السماح لأية منها بالإعتداء على الاخرى إنطلاقا من الأراضي التركية , ومن سيطر منهم على المعابر والحدود فهو الدولة .!

7 – طوال السنوات الماضية كانت صيحات الإعلام التركي تعلو , ومعبرة بالطبع عن السائد داخل أروقة القرارالتركي , مطالبة العالم بالتدخل على الأرض لإسقاط الأسد , وهي تعلم علم يقينا أنها خطوة مستحيلة على طاولات القرار الدولي , فكانت المغردة ظاهرا خارج السرب .

8 – تعاملت الدولة التركية مع ملف المهاجرين الجهاديين العابرين لأراضيها بحذر شديد, فلا مشكلة عند الأتراك من إقامة مهاجر على أراضيهم لعدة أيام ثم يعبر لساحات القتال في الشام دون عودة وحسب ألف باء الأمن فإن هذا يتم تحت أعين المخابرات التركية ولابأس من بعض الإعتقالات بين الفينة والأخرى تشتيتا للرأي العام وتركينا للغرب والروس .

لدى تركيا أطماع توسعية وحلم قومي كبير , وميزات تود الحصول عليها على المدى المتوسط , تكون بدورها جسرا لأمور أكبر , فمكانتها السياحية العالمية تجعلها حذرة في التعامال مع أي ملف عسكري أو أمني , ثم الرغبة بالإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي , وملف كهذا لاتصلح معه أية مشكلة أمنية على الأراضي التركية , ثم الصراع الإخواني السلفي الذي ظهر على السطح والتنافس على قيادة العالم الإسلامي بين المدرسة الإخوانية والسلفية السلطانية. كان الموقف التركي تجاه الدولة الإسلامية يتماشى مع ما قد سلف من مصالح خاصة بها, فليست تركيا دولة غبية لتدخل في صراع دموي مع كيان جهادي عملاق كالدولة الإسلامية قوة عجزت قوى المعارضة أجمع عن ردعها أو إلحاق هزيمة بها ثم تسارع دول تحالف كبير لإحداث تغييرات على الأرض ضدها كياة ألحق هزيمة نكراء بالجيش العراقي الذليل ومن ساندهم .أمام هذا كله تحسب القيادة التركية الأمور بحسابات أظن أنها دقيقة , فلن تنفع معها محاورت الغرب لإقناعها بدخول صراع مسلح مع الدولة في حين أن تركيا تمتلك مبررات قوية للغاية لعدم خوض هذا الصراع أذكر منها :

  • كيف يُطلب من تركيا أن تدخل في صراع مسلح بقواتها البرية مع الدولة الإسلامية في حين تبقى ستون دولة معلقة في الهواء ومكتفية بسلاح الطيران دون النزول إلى الأرض؟ فإن كان ولابد فلما لاينزل الجميع إلى الأرض ؟ وإلا فلا ..
    2- كيف يطلب من تركيا ذلك وهي دولة جوار لا دولة بعيدة كغالبية دول الحلف , وهي تعلم أن إقدامها على خطوة كهذه سيكلفها مالن يكلف أي طرف .
  • كيف تتدخل تركيا ضد كيان جهادي “إرهابي ” لتدعم كيانا هو بدوره مصنف إرهابيا آلا وهو “البككه ” ؟
  • لماذا يطلب من تركيا التدخل الان ولم يطلب منها التدخل طوال سني الحرب كلها , حيث وجدت المجازر وسحق المدن , بل والكيميائي فوق هذا كله ؟
  • وهل تضيع تركيا الان فرصة العمر التاريخية في ضرب القوة المقاتلة الكردية من قبل كيان جهادي ضم فتاك كالدولة الإسلامية بحيث لاتقوم للأكراد بعد ذلك قائمة ؟

إن إشتعال القتال ضد تركيا من قبل الدولة الإسلامية مما تعلم تركيا حجمه , فماهي أيام إن حصل ذلك , حتى يتحول جنوب تركيا كله لمنطقة عسكرية , وهم – أي الأتراك – يعلمون جيدا طريقة الدولة في القتال , فلن تكون المعركة مجرد عمليات في إستنطبول أو أنقرة , كما هي طريقة القاعدة عادة , بل الأمر على حقيقته أنه حريقسيبتلع كل شيء , وسيجعل حسابات الأتراك تخيب – ربما – لأول مرة .ولعل هذا الكلام مما تدركه القيادة التركية جيدا , لذا فإن مطالبات تركيا بمنطقة عازلة وعمل جدي -وأركز على كلمة جدي-   ليس فقاعات أو كلام إعلامي بل تركيا ترى بالفعل أن كل مايحصل ضد الدولة الان غير مجدٍ عسكريا . أما مطالبتهم بالمنطقة العازلة فهو إبعاد لخطر الدولة عن الحدود التركية على الأقل لمسافة 50 كيلومترا للداخل على طول الحدود بحيث تملأ هذه المساحة باللاجئين السوريين وقوى المعارضة فتكون الأراضي التركية في مأمن من التماس المباشر معها وكذلك إيجاد ذريعة لإزاحة عبء اللاجئين السوريين مع الوقت طالما أن هنالك منطقة مؤمنة . ومع نزول قوات برية على الأرض , لن تضيع تركيا فرصة المشاركة والضرب بكل قوة وبكل ما أُتيت عندما تشعر فقط أن الأمر بات بالفعل يستحق التدخل وأن نصاب الفتك بات منطقيا , وأن لاخط للرجعة بات موجودا .

أقول : من يتأمل ويرجو إغلاق ملف القوى الكردية المسلحة بلاعودة وبالتحديد البككه,لنيرضى بوجود قوة جهادية أشد فتكا مما سبق على حدودها وبجوارها , لكن ليعلم قادة الأتراك ومن في فلكهم من المحللين والإستراتيجيين , أن تركيا ربما تكون في حال حصل أمركهذا الضحية المكنوبة الأقرب , وكارثة الزمان ومصيبته , والهدف الأسهل لمن تتربص به ,فيغدو الفارس على رأسها الضعيف , فيضربه ضربة تهاب لها بقية الجيوش..!

كتبه : د.أبي تيمية الشامي

(قاعدي موقوت)

___

.

.

.

Advertisements