#مقال .. | يمضي به الهم والغم | ..

صليلm

.؛ بسم الله الرحمن الرحيم ؛ .
يمضي به الهم والغم ؛.
قد وضع رجله في أول الركاب فاصلا وهروبا من متاع الدنيا وزينتها يغض بصره حيث بستانه هناك فقد أينعت ثماره وحان وقت القطاف وإلى يمينه وشماله سنابل الحنطة تتمايل مع هبوب الرياح تدعوه للحصاد وجمع المحصول ويمضي في طريقه وفي نفسه رغبة ملحة إلى إلقاء نظرة وداع على بيت أظله سقفه حينا وترعرع وشب بين جدرانه، وله في كل زاوية من زواياه موقف وذكرى وقد قيل :
قلب فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأولِ
كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه دوما لأول منزلِ
وقبل ذلك نظرات زوجته وقد جلست تكفكف دموعها وتنظر إليه
من طرف خفي تمسح على رؤوس صغيراتها ولسان حالها يقول :
اذكر صبابتنا إليك وشوقنا وارحم بناتك إنهن صغارُ
فلعله يُنزل رحله ويعدل عن سفره وحديث في النفس يكاد يتحول إلى يقين بان هذه ستكون النظرة الأخيرة وان الأجل قد حان وأنه ليس للعودة سبيل وتتزاحم المطالب فيدفعها فتعود تعرض نفسها عليه .
“فهلا كان لجيرانك من الوداع نصيب !”، “وماذا عن الأقارب وصلة الأرحام؟”..
وفتاوى تزاحم المطالب ترتدي زي التقوى وثوب التفقه في الدين ” ألم تعلم أن الدين يسر فلماذا تعسر على نفسك وتخرج في شدة القيظ؟” ” يسروا ولا تعسروا ” ” ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما “” هلك المتنطعون ” ” ان المنبت لا أرضا قطع ولا ظهر أبقى “.
“ألم تعلم أن السفر يوم الخميس مستحب فهلا أجلت إلى الخميس القادم إذ فاتك الأمس” “ألم تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تضع في فيَ امرأتك”.
” ألم تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليزرعها فكيف والساعة لم تقم فكيف إذا كانت الفسيلة قد آتت أكلها”و”خيركم من طال عمره وحسُن عمله””ألم تعلم أن لأهلك عليك حقا””ألم تعلم أن الفرار من الزحف من الكبائر فلعلك إذا خرجت والتقى الصفان تُولي فتهلك”.
” أنسيت قول النبي صلى الله عليه وسلم : ففيهما فجاهد”.
ويسير في طريقه بخطى ثابتة رغم انه يخوض مع نفسه معركة حامية الوطيس تكاد سهامها تمزق فؤاده وتجعله قطعا متناثرة ومع ابتعاده عن بيته وغيابه عن نظره إلا أن الصراع لم ينته بعد ولا زالت جيوش مدد النفس الأمّارة تُقبل أرسالا إثر أرسال .
فهاهم الناس يتزاحمون وها هم بين ضاحك مستبشر وبين مسود الوجه كظيم وما ذاك إلا لأن هذا نال وذلك لم ينل ماذا نال ؟ شيئا قليلا من متاع الدنيا لا يساوي عشر معشار ما ترك هو من متاع .
وها هنا تدخل النفس مستغلة ثغرا فتح لها ” أنت اصح عقلا من هذا الجمع ؟ انظر إلى حرصهم انظر إلى جدهم وسعيهم للحصول على شيء قليل من المتاع وأنت تخرج من ملكك وتزهد فيه هل استشرت أحدا قبل الخروج؟ “.
” ألم تسمع إلى قوله تعالى: {ولا تنس نصيبك من الدنيا} “.
ويقطع عليها حبل النقاش مدد آخر” يا فلان أتبيع لنا ثمار بستانك ونعطيك من المال ما شئت واعتبرنا في ثمنه متفقين”وآخر “مشروع قديم ألم تعلم أن بنت فلان قد فسخت خطبتها وهي في انتظار الخاطبين”.
ومحطة أخرى حيث الوعظ والإرشاد وتقوية جانب النفس فإن “المعركة تكاد تحسم لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة” “إني لكم من الناصحين” “لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم” “من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين” وفرق اللمز منتشرة على جنبات الطريق هنا وهناك “إن الله لغني عن خروج هذا وما عساه أن يصنع هل سيرد العدو لوحده ؟ “. وأخرى “والله ما خرج إلا رياء أو حماسا”.
وبعدها فرقة التحايل المادي المقطوعة عن عالم الغيب حيث مرضى القلوب والمنافقين “غر هؤلاء دينهم” وحيث اليقين بعدم انقلاب المؤمنين إلى أهليهم أبدا .
ولم تكن تلك اللحظات تمثل عنده شيئا سوى معالم على صحة الطريق
فقد تم خروجه من بيته ولم تبق سوى لحظات ويقع أجره على الله .
ومهاجر في الله ودع قومه لم يلتفت يوم الفراق وراءَ
ألقى ثقال الأرض عن أكتافه ورمى الهوى لما أراد سماءَ
ومضى كأن الأرض لم يولد بها يوما ولم يعرف بها رفقاءَ
تتزاحم الدمعات خلف جفونه فيردهن تصبرا وإباءَ
ومع الإصرار على المواصلة وعدم الاكتراث بما يلقى في طريقه يصل إلى حيث المراد .
حيث مقام القدوة الحسنة وربط الحجارة على البطون من شدة الجوع وحيث الحصار وحماية النفس بحفر الخندق حتى لا يتقدم العدو مقام الحر الشديد وأكثر القوم ظلا من يستظل بكسائه ومقام الجهد المتواصل والعمل الدائب “أوضعت السلاح، فإن الملائكة لم تضع سلاحها بعد”و”من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة” وقبلها “شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله عليهم قبورهم نارا”.
مقام الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح {للذين أحسنوا منهم واتقوا اجر عظيم} مقام {إذ جاءوكم من فوقكم ومن اسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا } مقام {ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ولياخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة} .
إنه مقام ساعة العسرة والاجتماع تحت الشجرة للتبايع على الموت .
وفي المقابل يرى الذين كفروا بعضهم أولياء بعض ومع إنفاقهم ليصدوا عن سبيل الله وحرصهم الشديد وعملهم الدائب لإطفاء نور الله .
ويتذكر حينها قول المولى {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} ويلقي نظرة إلى الصف ليرى ذلك واقعا ملموسا، حيث اللبنات المهتزة التي تنسل من البناء لواذا {إن بيوتنا عورة وما هي بعورة} إن هي إلا إرادة الفرار و{لو نعلم قتالا لاتبعناكم} وما هو إلا الاقتراب من الكفر والابتعاد عن الإيمان .
و{ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا}و{لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا}و{لا طاقة لنا اليوم بهذا وجنوده} مع سابقة تقديم الشرب على الطاعة والتشكيك في أهلية الأمير ومع سابقة لهم في ابتغاء الفتنة من قبل وتقليب الأمور وحيث الأمر بعدم الإنفاق حتى يحدث الانفضاض .
ومن الجهة الآخرى لبنات الأنانية وحب الذات حيث المصالح الشخصية على حساب الإسلام {إن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} {يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما} و{قد انعم الله علي إذا لم أكن معهم شهيدا} .
ومن جهة ثالثة تتهاوى لبنات الورع الكاذب {إذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} ومع تركه لحطام الدنيا ووضع رجله على بداية الطريق وتجاهله لمطالب النفس وشهواتها وإعراضه عن عواء المثبطين والمرجفين وعدم التأثر بأباطيلهم وأراجيفهم وثباته ساعة العسرة، مصابرته لأعداء الله الساعين لإطفاء نوره ومرورا بسنة الله في تمييز صفوف المؤمنين واصطفاء شهداء .
مع هذا كله يبقى هذا الطريق بابا من أبواب الجنة يذهب الله به الهم والغم يتمنى النبي صلى الله عليه وسلم ألا يتخلف عن السير فيه لحظة واحد ويتمنى أن يحيى بعد قتله شهيدا ليقتل فيه وأخرى وثالثة ورابعة ويخبر صلى الله عليه وسلم إنه ما من عبد يموت وله عند الله خير يسره أن يرجع إلى الدنيا وله ما فيها إلا من قتل في هذا الطريق .
وأعجب من تشوقهم لعدن تشوقهم إلى الله المجيدِ
إذا لاقوه قالوا في رجاء أعدنا كي نقاتل من جديدِ
فنقتل فيك مرات لترضى وفي الرضوان نطمع في المزيدِ
وكل من سار على هذا الدرب عرف حقيقة ما نقول ولعل بعض الناس يرون أن هذا من باب جمع النقيضين قلنا لهم صدق الله العظيم إذ يقول {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون} .
___________________________
.
.
.
Advertisements