#مقال .. | شبـح القعــود .. بين طلحة القاعد و أبي مصعب المجاهد | ..

صليل3

؛  بسم الله الرحمن الرحيم ؛
.
.
.

آه يا قعود ما أوقحك ! رافقتني رغماً عنّي و كلّما حاولت -عبثاً-

أن أنفض الفُرُش لأطردك أبَيْت إلا أن تبيت جاثماً على صدري ..
أتساءل بحسرة : ما الذي حببك فينا ؟! و لِمَ نحن تحديداً ؟! 
فيجيبني القعود : أنت تعلم ما حببني فيك و أنت أعلم 
الناس بما في صدرك ، إن كرهتني حقاً ، فأنا لا أعيش مع مَن يبغضني . 
أقول : أكرهك والله ، أكرهك لأبعد الحدود ، أكرهك و أعاديك . 
القعود _ مستنكراً _ : كذبت ، كذبت والله ، كذبت . 

.
.
.

رؤى ، وسراب 

رأيت في منامي ذات قعود أنّني قد تحصّنت في مدرسة مع عدد من إخواني في بلاد الرافدين 
و كنت ممتشقاً سلاحي البيكا و أرمي به باتجاه مواقع العدو و أصلي به رؤوس الكافرين و الغبار 
و الدخان و البارود يتطاير .. إلا أنّها ثوان انقضت ، و سرعان ما استيقظت على حياة البؤس من جديد .

في جَلدةٍ أخرى من سوط قاس رأيت أنّني في خُراسان في إحدى ساحات الإعداد و كنت في ساحات التدريب 
بين خيرة البشر المجاهدين من مهاجرين و أنصار و كالمشهد الأول كان الغبار و الدخان يتعالى و كانت نفسي فرحة مسرورة بهذا .. إلا أنّها كانت كسابقتها .. قمت على مأساة القعود و التعلق بالدنيا أكثر فأكثر .

.
.
.

كلمات تجثم على صدري في مع كلّ ظُلمة 

يذبحني الذبّاح الزرقاوي حين يقول : أخاطبكم مشفقاً ناصحاً وحزيناً متعجباً أن يتخلف مثلكم عن الركب ويستأخر بعضكم يستبقي الحياة ويثّاقل جمعكم عن النفير وقد أتاكم الصليب وأجلب عليكم بخيله ورجله ورماكم عن قوس واحدة.

فأين حديث الماضي وسمر الليالي وجراحات الأيام وآهات المشتاقين إلى الجهاد والجنان والحور! 
أترضون لأنفسكم مثل السوء ؟!

و أقول والله يا شيخنا لا نرضى لمثلنا هذا السوء ، فأين المفر ؟! 

ينحرني أبو مصعب بسكينه حين يقول بنبرات صوته الحزينة : 
ليت شعري هل سبب إحجامك عن القتال واقتحامك معارك الأبطال وبخلك في سبيل الله بالنفس والمال إلا طول أمل؟ أو خوف هجوم أجل ؟ أو فراق محبوب من أهل ومال ؟ أو ولد وخدم وعيال ؟ أو أخ لك شقيق ؟ أو قريب عليك شفيق ؟ أو ولي كريم ؟ أو صديق حميم ؟ أو حب زوجة ذات حسن وجمال ؟ أو جاه منيع ؟ أو منصب رفيع؟ أو قصر مشيد ؟ أو ظل مديد ؟ أو ملبس بهي أو مأكل هني ؟

ليس غير هذا يقعدك عن الجهاد ولا سواه يبعدك عن رب العباد .

أنا يا شيخنا لا أخشى النزال ! 


ولا أبخل بنفسي في سبيل الله !

و الذي لا إله إلا هو لا أحرص على بقاء ! 

أنا يا شيخنا أريد أن …..

و لكأني بشيخي يقاطعني قائلاً : 

أصغِ لما أُملي عليك من الحجج واستمع ما ألقي إليك من البراهين الساطعة ولتعلم أنه ما يقعدك عن الجهاد سوى الحرمان وليس لتأخرك سبب إلا النفس والشيطان .

وأما سكونك إلى طول الأمل وخوف هجوم الأجل والاحتراز من الموت لابد من نزوله، والإشفاق من الطريق الذي لابد من سلوك سبيله فوالله إن الإقدام لا ينقص عمر المقدمين كما لا يزيد الإحجام عمر المستأخرين {ولكل أمة اجل فإذا  جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون}،{كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون} .

وإن للموت سكرات – أيّها المفتون – وإن هول المطلع شديد ولكن لا تشعرون، وإن للقبر عذاباً لا ينجو منه إلا الصالحون وإن فيه سؤال الملكين الفاتنين، {يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} .

ثم بعد ذلك الخطر العظيم إما سعيداً فإلى النعيم المقيم، وإما شقياً فإلى عذاب الجحيم .

لا فوض فوك يا شيخي ، أنا أحب الجهاد و لا أطيق القعود ، أنا منذ سنين و أنا أناصر المجاهدين ، فأنا محب للجهاد وأهله ومحب لك ولإخوانك ورفاقك .

الشيخ مُعقباً : 
لمّا كثُر المدّعون للمحبة طُولِبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو يُعط الناس بدعواهم لأدعى الخلي حرقة الشجي؛ فتنوع المدعون في الشهود، فقيل؛ “لا تُقبل هذه الدعوى إلا ببينة”، {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}، فتأخر الخلق كلهم وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأقواله وأخلاقه، فطولبوا بعدالة البينة بتزكية؛ {يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم}، فتأخر أكثر المحبين وقام المجاهدون، فقيل لهم؛ “إن نفوس المحبين وأموالهم لسيت لهم فهلموا إلى بيعة”، {إن الله اشترى من المؤمنين أموالهم وأنفسهم بأن لهم الجنة}، فلما عرفوا عظمة المشترى وفضل الثمن وجلالة من جرى على يديه عقد التبايع عرفوا قدر السلعة وأن لها شأناً، فرأوا من أعظم الغبن أن يبيعوها لغيره بثمن بخس، فعقدوا معه بيعة الرضوان بالتراضي من غير ثبوت خيار، وقالوا؛ “والله لا نقيلك ولا نستقيلك”، فلما تم العقد وسلموا المبيع، قيل لهم؛ “مذ صارت نفوسكم وأموالكم لنا رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعافها معها”.

إيه يا شيخ .. قد نكأت جرحي الملتهب لينزف من جديد .


فما أنا إلا كذاب ، أدّعي حباً للمجاهدين و ما برهنت ذلك عملياً ، فوا حسرتاه .

فماذا أنا فاعل : 

الشيخ مجيباً : اتقوا الله … اتقوا الله وأدركوا ما فاتكم فإنما العصمة السيف !

.
.
.

بغزير من الدموع :

بكت عيني فلوموا أو خذوني 
إلى أرض الجهاد وودّعوني 

تذكّرت الجهاد ففاض دمعي 
و هيّج مقلتي ذلُّ الركون 

أحب الغزو بل أهوى رباه
أحب دكادك الهيجا دعوني 

أناجي النفس أسلبها هواها
أروضها على خوض المنون 

فيا رب العباد أيا إلهي
أجرني أن أنال من المنون 

على فرشٍ معطرة ولكن
سألتك قتلة تحت الحصونِ

وكل الحب في غير الإله
سراب وقد يكون من المجون

فعذرا عُذّلي عذراً فإني
محب للجهاد فأطلقوني

.
.
.

أبكي حسرةً على نفسي 
أبكي و ما لقيت سيفاً باتراً أقطع به دابر فسادها ! 
أبكي حسرة ! 

و قد يقول قائل : و هل البكاء للرجال ! 
فأقول لا : الرجال هناك قد سبقوا للمعارك 
يلقنون الكافرين دروساً في معاني الرجولة .

أما عن البكاء .. 
فللقاعدين و النساء . 

.
.

من سجن القعود و الذل ..
طلحة .. ألحقه الله بالصالحين .

 
Advertisements